الرئيسية » , , , , , » الثقافةالنائمة ..قراءة في رواية إبراهيم الجبين(يوميات يهودي من دمشق) | بشير عاني

الثقافةالنائمة ..قراءة في رواية إبراهيم الجبين(يوميات يهودي من دمشق) | بشير عاني

Written By Gsm Egypt Server on الجمعة، 11 مارس 2016 | 11:44 ص

  
الثقافةالنائمة ..قراءة في رواية إبراهيم الجبين(يوميات يهودي من دمشق)

بشير عاني

 
 

تتعرض هذه الرواية لمضايقات وانتقادات كثيرة لا تبدأ بمنع توزيعها ولا تنتهي باتهامها كحالة أدبية تفرط بالحقوق وتروج للتطبيع وللسلام مع الإسرائيليين تحت يافطة الإنسانية .
وعليه ، فإن الذي يحدث لهذه الرواية طبيعي ، برأيينا ، لإشكاليتها واقترابها من الحدود غير المسموح بها للتابو السياسي والديني والاجتماعي، جميعها دفعة واحدة .
هل يمكن لنا، كقراء على الأقل ، أن نكون منصفين ..؟
يقيني بأن الرواية لم تطمح ، بل لم يكن همها التحدث عن النزاع العربي الإسرائيلي أو حتى عن فرص تسويته ( إنسانيا ) ، واعتقد أنها تجنبت الذهاب إلى هذه المنطقة الشائكة سياسيا وتاريخيا وإن لم يخل الأمر من بعض الإشارات التي كانت تشي برغبة المؤلف بزرع خط درامي ، في هذه الرواية متعلق بهذه القضية تحديدا ، إلا إنها كانت ثانوية ، وربما أقحمت بسرعة لإضاءة الفكرة الأساسية أو تفسيرها ، هذه الفكرة التي كانت بعمومها منحازة ، وبوضوح ، للحق الفلسطيني مع رفض لا يشوبه شك للـ ( المخلوق ) الصهيوني ، وهو الأمر الذي قد عثرنا عليه مرارا في الرواية وخصوصا من اليهود العرب ، وقد تجلى ذلك في إصرار معظمهم ( في الرواية ) على البقاء في بلادهم والتمسك بجنسيتهم العربية وخير مثال على ذلك بطل الرواية نفسه ( إخاد ) إضافة إلى ( شحاتة هارون ) ، ذلك المصري الذي خاطب نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي بشان معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية ، وكان وقتها منخرطا في أهم وأقوى الأحزاب الوطنية المصرية المعارضة ، رفيقا لـ خالد محي الدين ورفعت السعيد : ( إنني كمصري أرى إن المعاهدة مهينة بحق كرامة الشعب المصري ) ، ولا ينتهي الأمر عند ليندا التي استعادتها دمشق بعد سنوات من تجريب ( الأخر ) لتهيل على جسدها فحولة هي الأخرى منسوجة بخيوط الأسرار ( أشم رائحة رجال كثيرين كلما اقتربت مني ، وأشعر أنها تتآكل كيهودية .. ) .
فيما يتعلق بـ ( السلام ) فقد تم لنا رصد جملة وحيدة أفلتت من السياق ، ربما ، تحت إغواء الكتابة متحسرة على الهبوط العام في لغة السلام ( كانت تعلم طلابها الصغار اللغة العربية وتشرد أثناء الدرس في الفارق مابين وثب العربية ووثب العبرانية وتفكر أكثر في القواعد الواحدة للعبة اللغة ،والتي ستصبح ذات القواعد في لغة الحرب ، ولا يستعملها احد في حديث السلام ).
الرواية ، حسب ظني ، محاولة شجاعة للعثور على مكان تلك البوابة التي تم إغلاقها تاريخيا بمراسيم ( دينية ) وان تخفـّت بلبوس سياسي ، وهنا المفارقة الكبرى ، فقد تعودنا أن تصدر المراسيم بحروف ( سياسية ) ، ولكن بآخر نسخة من لغة الدين . 
هل سنجد تلك البوابة ونسترق النظر إلى ما ورائها ؟
حقا إن ما وراءها خطير .. خطير .. خطير ؟
حتما ستذكر يا إبراهيم ، منذ عشر سنوات ، وربما أكثر ، حدثتك عن جواد علي وعن اكتشافه المذهل في كتابه المذهل ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ) ،
في ذلك الكتاب يؤكد جواد علي ، بعد مسح دقيق لأخبار اليهود في كتب الأخبار والتاريخ ، إن جميع يهود الجزيرة العربية كانوا متحدرين من قبائل عربية وإن أسماءهم جميعا هي أسماء عربية خالصة ، وهذه القبائل اعتنقت اليهودية مثلما اعتنق غيرها المسيحية والإسلام بعد ذلك .
هذا التأكيد ، حول عربية القبائل اليهودية ، سيأتي مرة أخرى من الداعية الإسلامي الشهير سيد قطب ، وهو من أكثر الغلاة لليهودية ، في كتابه ( معالم في الطريق ) غير مستثن قريظة أو النضير أو القينقاع أو غيرهم ( فأما في المدينة - في أول العهد بالهجرة - فقد كانت المعاهدة التي عقدها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع اليهود من أهلها ومن بقي على الشرك من العرب فيها وفيما حولها ، ملابسة تقتضيها طبيعة المرحلة كذلك .. ) ..
لاحظوا الذي كتبه سيد قطب : ( من أهلها ومن بقي على الشرك من العرب فيها ) ، ألا يعني هذا إنهم ليسوا غزاة أو طارئين على هذه المدينة أو غيرها ، في جزيرة العرب أو غيرها ؟ .
خلف البوابة ، التي أغلقت تاريخيا بقرار خليط بالديني والسياسي ، تكمن المغامرة الروائية لإبراهيم الجبين :
إن اليهودية ( النائمة ) في حضن المجتمعات العربية هي جزء من الثقافة العربية وهي قد تماهت معها إلى حدود كبيرة ، وإن متفاوتة ، وبحسب ما سمحت به الشروط السياسية والاجتماعية لكل بلد ، فكلما ابتعدنا عن الجزيرة العربية ، وخصوصا نحو بلاد الشام وأفريقيا والأندلس بشكل خاص ، سيكون هذا الاندماج أكثر وضوحا وستكون الهوية الثقافية اقل تنافرا .
هذه الثقافة النائمة تم إيقاظها منذ عقود ( سياسيا ودينيا ) ، بعد اضطرام الصراع مع الكيان الصهيوني ، وتجهيزها بسرعة لإخراجها تحت جنح الريبة وقذفها بعيدا خارج البلاد والمجتمع والهوية .
الرواية محاولة أخرى لإنصاف الوحدة الثقافية لمجتمعاتنا العربية بكل أديانها وأعراقها وتنوعها ( باستثناء الجزيرة العربية التي جاهدت للحفاظ على اشتراطها المقدس بإبقاء المنطقة نظيفة من الأديان الأخرى ) ، وقد أكثرت الرواية من الإشارات التاريخية والأدبية للتأكيد على تحقق هذه الوحدة ، مجتمعيا وسياسيا وتاريخيا ، إلى الحد الذي اتخمها ، مسببا لها مرضا يسمى في علوم الأدب بالحشو وهذا ما قد أضعفها كبناء سردي وأخرجها مرارا من بهائها ورشاقتها اللغوية خصوصا مع إصرار المؤلف على الإكثار من التوثيق التاريخي و المعلومة السردية القسرية .
ورغم إن الرواية تبدو ظاهريا موزعة على أربعة خطوط درامية ، ( اليهودية كثقافة منبوذة – التحولات السياسية والفكرية الجديدة في سورية – التاريخ باعتباره شخصا وتجربة – الأنثى كمادة تقليدية للحب والاختراق ) ، إلا أن دمشق ( القديمة ) تظل البؤرة المركزية التي تخرج منها جميع هذه الخطوط لتعود إليها وتتجمع من جديد في حالتي ( جذب ونبذ ) طبيعيين مثّلا، في وقت ما ، أحد أهم خصوصيات عراقتها ونموها الثقافي والاجتماعي ، قبل أن تفقد في عقودها الأخيرة إحداهما ( الجذب ) لتقف تحت سفوح قاسيون ، عرجاء ، نابذة للجميع .
إذا دمشق هي الخط الدرامي الأول والنهائي ، وهي ليست واحدة :
فثمة دمشق التي أجهز الشرط السياسي على (عبقرية الالتصاق ) لدى أهلها ، بطوائفهم وإثنياتهم وحاراتهم ( العريضة ) الأمان وبيوتهم المفتوحة للهواء والأسرار .
وثمة دمشق التي أخطأت بمغادرة نفسها والركض بعيدا نحو( فقهاء الظلام ) غير آبهة بأحزان معاوية والحلاج وابن عربي ويوسف العظمة وصادق جلال العظم .
دمشق التي لم يجد ( أبو المحجن ) مكانا له فيها طوال مئات السنين رغم إن ابن تيمية كان يجوبها طولا وعرضا ، وإن ( أبناء لادن ) كانوا يتشهون التسلل إليها منذ قرون ؟..
ما الذي حدث اليوم كيما يدلي أبو المحجن قدميه في البركة الأموية ..؟
ما لذي حدث ليعلق الشطار والتجار والمغامرون مفاتيح ( الجنة ) في صدر ابن تيمية ، ذاك الذي لم تمنحه دمشق أكثر من قبر ومصلى ؟ .
وثمة دمشق التي لفها الجلال وحير بهاؤها الرومان واليونان والعرب والأتراك والفرنسيين ..
دمشق التي طالما هربت من الرمل ، لائذة بالماء ( قالت لعرب الجزيرة : شكرا لكم ، فعلتم ما عليكم ، ثم تناولت الراية منهم لتمخر فيها بعيدا فوق الماء ، بعيدا .. بعيدا ، نحو الأندلس ) .
إنها غريزة التاريخ ، دمشق المنذورة للماء ، ( كان علينا قبل التورط بالكتابة أن نقرأ قرطاجة جيدا ) .
أجل ، هي ذي دمشق التي تتفتت الأرواح بعيدا عن أحجار دروبها البازلتية السوداء وحيطان بيوتها الصفراء وحواريها الندية العابقة بالياسمين والأسرار ..
لا عليك .. سيعود كل شيء إلى حاله , فقط ارم بنفسك في الأزقة المتعرجة المتلاصقة واضرب بقدميك أحجار الطرقات ، وأصغ للهسيس الندي المتفلّت من وراء الجدران ..
لا عليك .. سيعود كل شيء إلى حاله ، ستفرز الروح أشواق ابن عربي ، تتلاصق كِسر التاريخ ، كقطع ملونة على ذراعي ( الجامع ) الأموي ، وتبدأ ، من جديد ، أسفار الوصال : ( كل شوق ينتهي بالوصل ، لا يعوّل عليه ) .
أخيرا ، قد نجد الكثير مما نختلف عليه في ( يوميات يهودي من دمشق ) ، وهذا احد أسرارها الجميلة ، ولكن مسافات الخلاف ستنكمش عند الحديث عن تحقق اشتراطاتها الفنية ، بنية وسردا ، سيما وان المؤلف قد أثقلها بما ليس لها أدبيا ، إنشاء وحشوا وتقريرا ، كما إن الاستعراض النرجسي للراوي ( المؤلف ) لم تمنح الرواية سوى تلك الرائحة الثقيلة التي لا ينفع معها فتح شبابيك التأويل والتفسير، رغم جهد اللغة ، برشاقتها وتماسكها وذكائها الأدبي ، لتبديد تلك الرائحة أو التقليل من شأنها . 






التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.