ستيفن كوتش: تكتبُ كلّ يوم؟ | ترجمة: نهى الرومي

Written By Gsm Egypt Server on الثلاثاء، 22 مارس 2016 | 8:14 ص

ستيفن كوتش: تكتبُ كلّ يوم؟
ترجمة: نهى الرومي

أنت لا تستقي من النبع مرة واحدة، بل كل يوم.

سينصحك العديد من الكتّاب بالكتابة يوميّا، كما كان تشيخوڤ ينصح نوفيزيس بالعمل كل يوم. وكنت لأنصحك النصيحة ذاتها لو لم أكن أعرف عددًا من الكُتّاب الناجحين والمنتجين الذين لا يكتبون كل يوم، إلا إنني أحبّذ الكتابة اليومية.

توماس مان كان يعمل كل يوم دون استثناء، ويتضمن ذلك إجازات نهاية الأسبوع والعُطل والأعياد، هل يبدو هذا كئيبًا؟ نويل كوارد أحد أكثر الأدباء الممثلين تألقًا في القرن العشرين، كان يعمل على آلته الكاتبة في غرفة منعزلة، من الثامنة صباحًا وحتى الواحدة ظهرًا، من الإثنين إلى السبت، كل أسبوع طوال حياته المهنية. ثم في الواحدة تمامًا، يخرج من محرابه، من معزله الإبداعي، ليكون نويل كوارد، النجم.

“إذا ودَدت أن تصبح كاتبًا، عليك أن تكتب كل يوم” – والتر موزلي. الاتساق والرتابة والثقة، كل التقلبات والمشاعر محاطة بهذا الروتين اليومي. أنت لا تستقي من النبع مرة واحدة، بل كل يوم، لا تتجاهلُ إفطار طفلك ولا تنسى أن تصحو صباحًا، النعاس يزورك كل يوم، وكذلك القريحة.

إلا أن هنالك استثناءات، إن كنت موظفًا ولديك أطفال، في أيام كثيرة، لن تجد في يومك ولو نصف ساعة. تقول توني موريسون:

“لا أستطيع أن أواظب على الكتابة، ويرجع السبب غالبًا إلى أنني موظفة من التاسعة حتى الخامسة، فإما أن أكتب خلال هذه الساعات على عجل، أو أن أستقطع الوقت من عطلة نهاية الأسبوع أو من فترة ما قبل الفجر. والكتابة بعد العمل صعبة.

فحاولت التغلب على عدم وجود مساحة من الوقت المنهجي، باستبدال الإكراه بالانضباط، ذلك حتى إذا طرأ أمر ما، كمشهد ملهم أو مفهوم، أو كانت الاستعارة قوية كفاية، أضع كل شي جانبًا وأكتب لفترة زمنية كافية دون انقطاع.”

سوزان سونتاغ لا تكتب كل يوم، إلا أن أسبابها تختلف عن أسباب موريسون.

“أنا أكتب على دفعات، أكتب عندما أضطر لذلك، حين تزداد الضغوط وأمتلئ ثقة بأن الفكرة قد نضجت في مخيلتي وعليَّ أن أكتبها. لكنها حين تكون تحت الإنشاء، لا أشعر برغبة في فعل أي شيء آخر، لا أخرج وفي كثير من الأحيان أنسى أن آكل، وتقل ساعات نومي، وهذه الطريقة بعيدة كل البعد عن الانضباط، وتعيق الإنتاجية، لكنني متعددة الاهتمامات، والكتابة تتطَلّب الكثير من الانفراد بالذات، لا أكتب دائمًا حتى أخفف عن نفسي قسوة اختياري للكتابة. أحب التنزه، وهذا يشمل السفر، ولا أستطيع أن أكتب في السفر”.

إدموند وايت لا يحتمل قاعدة الكتابة كل يوم:

“يقول الكتّاب أشياء غير منطقية، إن على الشخص أن يلتزم بجدول يومي. وماذا لو لم تكن تخرج بأشياء جيدة؟ لم تكمل عليها إذن؟ لا أرى هذا الطحن مفيدًا”.

لقد عرفت أساتذة ومعلمين روائيين منجزين لا يكتبون طيلة العام الدراسي، وبينما آخرون ينعمون بالعطلة الصيفية، يتحولون هم إلى عبيد للوح الكتابة. ومتى يأخذون إجازة؟ في الواقع، لا يأخذون إجازة مطلقًا.

جِد وتيرتك، تعلم أن تعمل في أي مكان وارمِ بكل العوائق عرض الحائط. وكما يقول همنغواي:

“تستطيع أن تكتب في أي وقت دون أن يقاطع أحد عزلتك، وإن لم يحدث ذلك، ستستطيع إن كنت صارمًا بما يكفي. عوّد نفسك على العمل في أماكن مزدحمة تحت وابل من ضجيج العالم، في غرف الأطفال بموسيقى صاخبة، وحتى والتلفاز يعمل”، واحترس من بريدك وهاتفك.

أنت على الأغلب كالعديد من الأشخاص في هذا المجال مزمن العزلة، تمتلك روحًا اجتماعية. كل كاتب أعرفه -تقريبًا- يحب الثرثرة.

“تقود حياة مثيرة للاهتمام بشكل خطر”. قالت جويس كارول أوتس مرّة لزميلٍ موهوب وغير منتج. بكل الحماسة المكتنزة في حياة الكاتب، هي زاهدة ووحيدة، ستمضي معظم حياتك منزويًا في صومعة.

صحيح أن الوظيفة اليومية التي ستحتاجها غالبًا ستؤنس وحدتك، لكنها ستزيد ضغوطك سيتحتم عليك أن تحن لأوقات الكتابة من ثنايا إرهاقك وإهمالك لذاتك، وتحميها من التزاماتك اللا متناهية الأخرى، من عائلتك وأصدقائك، ومن دوافعك الوجدانية، ناهيك عن حمايتها من نزعتك الداخلية للهروب.

لن يفهمك معظم الناس، ولن يساعدوك كذلك. أحد النقاد الكاتبين لسيرة توماس مان الذاتية، أشار إلى أن أطفال المعلم الألماني كانوا يتسمرون ويرتعدون أمام باب غرفته المغلق. يستدعي ذلك أن الأبواب المغلقة ترمز إلى مَحْوَرة مان حول نفسه وإلى عقليته النرجسية.

يقول جون إيرفنغ حانقًا: “اطلب من الطبيب أن يكون طبيبًا لساعتين يوميّا” هذا ليس عدلًا، يبدو أن الكُتّاب وحدهم، يُتوقع منهم أن يطلبوا المغفرة لشغلهم وظيفة تستهلك الكثير من الوقت.

“إن عائلتك وأصدقاءك قد يريدونك فعلًا أن تفعل ما يحلو لك، لكنهم يريدونك أيضًا أن تفعل ما يريدون أن تفعله، يريدونك أن تفعل أشياء لأجلهم، والأدهى أنهم يريدونك أن تفعل أشياء معهم، أن تلبي دعوة غداء، أو تخرج لاحتساء مشروب، أو لمشاهدة فيلم. قد يتقبلون أن تخبرهم أنك لا تملك وقتًا هذه الفترة، لكنهم سيرغبون في معرفة مدة (هذه الفترة). وعلى الأرجح أنهم لن يتقبلوا جوابك حين تخبرهم أنها فترة طويلة، في الواقع، قد تمتد حتى الأبد”. – ديڤد برادلي.

الحقيقة المرة أنك لتمارس وظيفتك ككاتب، عليك أن تختار الأمور التي ستضحي بها، ولا شك أن الأولوية ستكون دومًا لأحبائك.
نادين جوردمير ترسم خطًّا فاصلًا بين متطلبات حياتها العائلية، وحياتها الاجتماعية. تقول:

“أعتقد أن الأدباء والفنانين حازمون جدًا، وعليهم أن يكونوا كذلك، ولا يروق ذلك للأشخاص الآخرين لكنني لا اعرف طريقة أخرى يمكننا أن ندير بها أمورنا. لن يفسح العالم مجالًا لك، عائلتي بدأت لتوها تتفهم ذلك وتحترمه”.

ومن التضحيات التي قدمتها -ولا أعتبرها تضحية بالنسبة لي- أن ضحيت بحياتي الاجتماعية. الكاتب لا يحتاج الوقت ليكتب وحسب، بل يحتاج الوقت ليفكر وليدع الحروف والكلمات تأخذ مجراها. ولا شيء يسيء إلى ذلك قدر ما يسيء إليه المجتمع، لا شيء يضر بذلك أكثر من وقاحة الآخرين وتأثيرها.

“لا عذر يسوّغ لك ألّا تعمل، عندما يفترض بك أن تعمل، تذكر أن عليك وضع الكتابة كأولوية مطلقة أمام الحياة التي تقودها، ولا أعني بذلك وقتك المستقطع، أو مساحتك الخاصة؛ إنما أعني المسؤولية التي تحملها على عاتقك تجاه الأشخاص الذين تبادلهم الحب، لا يحق لأي مجهود أن يشعل ولو ثانية واحدة من الوقت المخصص للعائلة”. -ريتشارد باوش.

في حين أن طبيعة يوم عملك، ستتغير بتغير مراحل مشروعك، من الأساسيات في كل مرحلة أن تحافظ على قوة الدفع. توقفك لعدة أيام أو أسابيع أو أكثر خلال فترة تنقيح مسودّتك قد يكون بمثابة مذبحة.

حافظ همنغواي على وتيرته بتوقفه عن الكتابة في لحظة يكون متأكدًا فيها مما سيكتبه لاحقًا. سومرست موم كان يترك مكتبه مع انتصاف جملته، وكذلك أندريه دوبو: “تعلمت من همنغواي أن أوقف عمل كل يوم في منتصف الجملة، بينما تزال مسترسلة وجيدة، ثم أمارس التمارين ولا أفكر بالقصة حتى أعود لمكتبي اليوم التالي”.

استرسال المشروع يجب أن يظل في حالة تحديث يومية، إن لم يكن كل ساعة.

تقول نادين جوردمير: “اعتدت أن أمضي حوالي ساعة في قراءة ما كتبته خلال اليوم قبل أن آوي إلى فراشي كل ليلة، مقاومة الرغبة في التعديل أو الإضافة، وأجدها عادة جيدة”.

لا تنحرف بعيدًا عن المهمة، و“كن منفتحًا دومًا للعمل الجاد”. -ريتشارد باوش.

المصدر: Modern Library Writer’s Workshop



التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.