الرئيسية » » وجوه عديدة لـ (صحّاف) واحد | بشير عاني

وجوه عديدة لـ (صحّاف) واحد | بشير عاني

Written By Gsm Egypt Server on الخميس، 10 مارس 2016 | 2:49 م

سقط "القذافي".. هذا باختصار ما يمكن قوله بعيداً عن التشدق والجعجعة والتفاصيل الحربية والعسكرية والسياسية وغيرها.. وهو أسلوب مفضل في السياسية الإعلامية الغربية يذكرني بالخطاب الذي ألقاه الرئيس الأمريكي جورج بوش بعد تحرير الكويت إذ خرج إلى شعبه ليقول له بضع كلمات فقط ((لقد انتهت العمليات الحربية وقمنا بتحرير الكويت))، ليغادر المنبر بعدها غير آبه بجعجعة الإعلام العراقي وقتها ونبرة التحدي التي كان يطلقها "صدام حسين" وتصريحاته (المظفرة) التي كان من خلالها يحاول إيهام شعبه بأنهم كانوا هم المنتصرين وإن خسئ الخاسؤن. 
هذا بالضبط ما يفعله اليوم "القذافي" وما تبقى معه من جهاز إعلامي ومن (صحّافين) لم يعد بمقدورهم الانفكاك عنه، ففي الوقت الذي يطارده (الجرذان)، وهو الوصف الذي ما انفك يطلقه على الثائرين عليه، ظل هذا الطاغية يخطب في الليبيين مستنفرا إياهم لدحض المتمردين واعدا بنصر قريب، وهو الوعد الذي لازمه في خطاباته على مدى ستة أشهر..
"القذافي" الذي يتخفى حتى هذه الساعة كـ(جرذ)، هارباً مع عائلته من ملاحقة الثوار لم يستطع حتى الآن التصديق بأن عاصمته طرابلس سقطت هي الأخرى بيد الثوار وأن (الملايين) التي كان يهدد ويتوعد خصومه بها لم تعد معه وإن أعداداً هائلة منها قد انضم للثورة وصارت ضده بما في ذلك كبار مسؤولي جهازه السياسي والعسكري، وهاهو يخرج منذ ساعات، لينذر خصومه، بما في ذلك الناتو، بأن الجموع والكتائب تزحف عليهم لتذيقهم الموت والهزيمة..!!
قبل سنوات كان المشهد نفسه يتكرر في بغداد، ففيما كان الأمريكيون ومن معهم يستولون على المدن العراقية ويدمرون قدرات الجيش العراقي في طريقهم إلى العاصمة العراقية كان "صدام" و(صحّافوه) يبشرون العراقيين بتحطيم المشروع الامبريالي- الصهيوني على أسوار بغداد التي تجهزت بـ(ملايين) المقاتلين والمتطوعين ومنهم الحرس الجمهوري وجيش القدس والمتطوعون العرب، لكن المفاجأة، تماماً كما حصل في طرابلس اليوم، أن ملايين بغداد انفضت عن النظام العراقي كما انفضت ملايين طرابلس وكتائبه عن القذافي، وهو الأمر نفسه إلى حد ما الذي وجد فيه الرئيسان "مبارك" و"بن علي" نفسيهما فيه، وهو الأمر الذي سيجد فيه العديد من المستبدين الآخرين أنفسهم فيه ما لم يقرؤوا التاريخ بروح جديدة ليدركوا أن الشعوب العربية عازمة بكل جدية على تغيير المناخ السياسي وجعل ربيع ثوراتها أطول مما كان يعتقد.
الاستبداد هو أصل المشكلة، وهو داء الشعوب على حد تعبير "الكواكبي"، كما أنه هو الذي يعبّد الطريق للمحتل كما يرى "مالك بن نبي"، وعلينا أن نتذكر، أن الحشود المليونية التي يتباهى الحاكم العربي باستعراضها أمامه ويزهو بهتافاتها المؤيدة له ليست سوى ملايين ستعود إلى بيوتها في أحسن الأحوال تاركة إياه يواجه مصيره بنفسه في أزماته الكبرى، هذا إن لم تنقضَ عليه هي الأخرى لتثأر من سنوات تدجينها وعبوديتها، ولن تنفعه حينها أبواقه و(صحّافوه) ومحاولاته اليائسة والبائسة لاستعادة الشعوب إلى صفه، ومن منا ينسى أن أحداً من الثمانية عشر مليون شيوعي الذين كان يتباهى الحزب الشيوعي السوفييتي بانضمامهم تحت لوائه لم يطلق أي منهم طلقة واحدة دفاعاً عن هذا الحزب عند اتخاذ قرار حله الذي أعقب حل الاتحاد السوفييتي، بل أن لسان حال الأغلبية منهم كانت تقول، جراء القمع وكبت الحريات: ارحل بلا أسف عليك!!
الشعوب "بنت كلب ولئيمة"، هذا ما قاله ذات يوم الشاعر المصري "أحمد فؤاد نجم" ويقيني أنه كان يقصد القول أن ذاكرة الشعوب حية على الدوام وهي لا تنسى مضطهديها، كما أن قدرتها على المناورة والتربص بأعدائها وتحين الفرص للإيقاع بهم حاضرة هي الأخرى، وهنا يحضرني ما قاله "الفرزدق" لـ "الحسين بن علي" بعد أن صدفه وهو في طريقه إلى الكوفة لأخذ البيعة من أهلها، وكان "الحسين" قد سأله: كيف تركت أهل العراق..؟، فأجابه "الفرزدق": قلوبهم معك وسيوفهم مع بني أمية..!!
أجزم بأن قلوب الشعوب العربية لم تكن يوما مع المستبد العربي، بل هي دائمة التربص به، تتحين فرصة للانقضاض عليه بسيوفها، وإن تظاهرت بغير ذلك.
بالمقابل تبقى الحرية القراب الآمن الذي يصنعه الحاكم إن أراد إغماد سيف الشعب درءاّ للتمرد والفتنة، وهي أيضاَ مياه المحبة التي يصبها في البلاد إن أراد غسيل قلب الشعب من الأحقاد، فهل يفهم الحاكم العربي ذلك.. وهل يفهم أن مارداّ كبيراّ يتمطى اليوم في المدن والأرياف العربية رافضاّ الاستبداد والاستعباد..؟ 
ما هو حقيقي اليوم أن عِقد الاستبداد العربي الرسمي قد انفرط وأخذ خرزه يتناثر على بلاط التاريخ الذي تغسله الشعوب اليوم بحنفيات مفتوحة من الدم الطاهر..
اليوم تطلق الشعوب العربية صرختها بعد قرون من الإخراس والتغييب والتظليل والفتاوى الدينية والعقائدية، صرختها المدوية في حقها بالعيش الكريم ورفض الذل والاستعباد.

التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.