الرئيسية » , , » بثينة العيسى: ما هي المكتبة؟

بثينة العيسى: ما هي المكتبة؟

Written By Gsm Egypt Server on الخميس، 24 مارس 2016 | 7:29 ص

بثينة العيسى: ما هي المكتبة؟

تقف في المكتبة لتعرف بأن الكتابة.. لن تكفّ.

1

ما هي المكتبة؟

أمضيتُ الأيّام الماضية وأنا أتساءل..

كنت أجيء إلى هنا كل صباح، قبل موعد العمل بساعات، حتى يتسنى لي أن أجلس في الصّمت، وأتملى في الأرفف، وأتصفح الكتب. حتى يتسنى لي أن أفهم المكتبة.

2

ما الذي تعنيه المكتبة فعلًا؟ أين تبدأ وأين تنتهي؟ هل هي في العالم أم خارجه؟ ولماذا، كلما دلفتُ إلى هذا المكان، أحسُّني خارج الزمان، في أبديةٍ مُحكمة، عصيّةٍ على الاختراق.. كأنّها واقعٍ مفارق.

أحاول أن أفهم هذا المكان الذي تشتبك فيه الفلسفة، بالأسطورة، بالفن، بالعلوم. أي مغارةٍ سحرية هذه؟ وأيّ كنز؟

تدخل المكتبة، فترى عصارة العالم تمتزج في نسيج اللغة. تقف أمام الأرفف مدركًا بأنك واقفٌ، أو راكعٌ، في حضرة التجربة البشرية باتساعها، أنك تقف أمام ملايين الأشخاص الذين كابدوا في الكتابة، لكي يساعدوا أنفسهم على الوجود في هذا العالم؛ حرفًا بعد حرف، كلمة بعد كلمة، سطرًا بعد سطر.. في أوراق البردي، وألواح الطين، ورقاقات الجلدِ، وجدران الكهوف.  في الدواوين، والروايات، والرسائل، على جدران المباني، وفي بواطن الأيدي، في المناديل المنسية في المقاهي..

تقف في المكتبة لتعرف بأن الكتابة.. لن تكفّ.

3

كل كتابٍ تقرأه سيأخذك خطوة أعمق نحو فهم نفسك؛ مع مزيدٍ من القراءة ستجد أن الأمر في غاية البساطة. الإنسان كائن قارئ، يقرأ نفسه في الكتب، يقرأ الكتب في العالم، يقرأ العالم في نفسه.

4

قبل يومينِ، جلستُ وحيدةً أتأمّل الأرفف، والكتب المرصوفة على السطوح؛ في كلّ كتابٍ عالم، كتابٌ بعد كتاب، عالمٌ بعد عالم، عوالمٌ متوازية؛ منفصلة ومتّصلة بحبلِ اللغة السّري، عوالم متجاورة يقف واحدها بجانب الآخر، كتفًا بكتف، سؤالا بسؤال.. في تلك اللحظة شعرتُ بأنني أرى المكتبة، أفهم المكتبة. لقد عرفتُ، بالضبط، ما هي المكتبة. وكانت الغبطة تفيضُ من أعماقي وأنا أتحسس أغلفة الكتف وأهمس؛ إنها مصفوفة.. لقد عرفت! إنها مصفوفة!

رأيتُ المكتبة مثل مصفوفة مؤلّفة من عددٍ لا نهائيّ من الحجرات، في كل حجرة كتاب، في كل كتابٍ عالم أو.. عوالم. رأيت عالمًا في بطن عالم، عالمًا في جوار عالم. تلك هي المكتبة. إنها المكان الذي يتعطّل فيه الزمن، نسافرُ فيه عبر الزمن. إنها مكان الأمكنة؛ صحاري، جبال، أقبية، قصور، مناجم، سفوح.. إنها المكان بكل تضاريسه الممكنة.

5

عندما تدخل إحدى حجرات المصفوفة، فأنت لا تعرفُ أين سينتهي بك الأمر. إنك تدخل بصفتك ذلك المجهول الرياضي؛ شخصًا يحاول أن يعرف نفسه.

إنك تدخل إلى المصفوفة مجهولًا من قبل نفسك، وتغادرها معرّفًا.

تلك هي القراءة، إنها طريقة الإنسان في فهم نفسه.

وإذا كانت الكتابة هي محاولة للتصدّي لافتقار الكون إلى المعنى، ستصبح أنتَ، القارئ في المصفوفة، صانعًا أبديًا لهذا المعنى.

6

تتأمل في الأمر أكثر. ترى المصفوفة، حجراتها، جدرانها المؤلفة من ملايين المرايا المتقابلة، ترى نفسك في الترددات الأبدية كأنك الصّدى. كل مصفوفة هي متاهة من الانعكاسات الأبدية التي تضيء لك، طوال الوقت، طريقك إليك.

المكتبة هي المكان الذي ينبغي أن تضيع فيه، لكي تجد نفسك.

7

وإذا كانت المكتبة هي المكان الذي نتحرّر فيه من الزمن، هي أرض الممكن المطلق، حيث كل شيءٍ قابل للحدوث، إذا كانت المكتبة هي بلاد عجائب ألِس، وكوكب الأمير الصغير، وجزيرة نيفرلاند التي لا يكبر فيها الأطفال، وبطن الحوت الذي ابتلع بينوكيو، ومحيطات السندباد، وعوالم غيلفر، وحجرة نوم شهرزاد، وجزيرة حي بن يقظان، ودير رهبان أمبرتو إيكو، وكوابيس كافكا، وماكوندو ماركيز، وسديم بورخيس، وبراغ كونديرا، وبغداد فؤاد التكرلي، وكويت فهد العسكر، وجواشن قاسم حداد.. إذا كانت المكتبة هي المكان الذي هو كلّ الأمكنة، حيث تستطيع أن تكون أيّ شيءٍ على الإطلاق، حيث يتفق الفيزيائي والروائي بأنَّ المخيلة دائمًا على حق..

إذا كانت المكتبة هي كل ذلك، وأكثر من كلّ ذلك، ألا تكون المكتبة هي الجنة؟

بورخيس القارئ، الشاعر، المكتبيّ الكفيف الذي وهبه الله الكتب والظلام الأبدي، تخيّل الجنة دائمًا على شكل مكتبة. اليومَ فقط فهمتُ بأنها لم تكن استعارة شعرية مترعة بالعاطفة، لقد فهمت بأن المكتبة فعلًا هي الجنة، هي المكان الآخر، المفارق، الذي لا نشيبُ فيه، ونعيش معه آلاف الحيوات. إنها المكان الذي يجعلنا نرى، ونسمع، ونفهم. إنها المكان الذي نهتف فيه بنشوة من رأى الحقيقة. إنها مكان الخالدين، الأموات والأحياء معًا. إنها أرشيف التجربة البشرية منذ اختراع الكتابة..

المكتبة، هذه المصفوفة، هذه المتاهة المؤلفة من ملايين المرايا، في ظرفنا الراهن، هي الجنة الوحيدة الممكنة.

     * ألقيت هذه الكلمة في حفل افتتاح مكتبة ومنصة تكوين للكتابة الإبداعية، 10 مارس 2016.



التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.