الرئيسية » » ما قبل مؤتمر "سميراميس" وما بعده.. | بشير عاني

ما قبل مؤتمر "سميراميس" وما بعده.. | بشير عاني

Written By Gsm Egypt Server on الخميس، 10 مارس 2016 | 2:53 م

العبرة بالنتائج، هذا ما قاله المعارض السوري البارز د. عارف دليلة على إحدى الفضائيات، قبيل ساعات من انعقاد مؤتمر المعارضة السورية في فندق سميراميس بدمشق، في رده على المتشككين بمكان انعقاده والكيفيات التي تم بها دعوة أعضائه.
في الحقيقة، ومنذ أن أعلن عن المؤتمر ومكان انعقاده (الشيراتون أولاً، قبل أن ينتقل إلى سميراميس)، اشتغلت ماكينة ضخمة من الإعلام غير المحايد، ربما إلى حد المعاداة، طالت منظمي المؤتمر والمدعوين له، بما في ذلك رموز وطنية لا يشك بدورها الفكري وعراقة نضالها وشجاعتها السياسية، والأثمان التي دفعتها من حياتها وراء القضبان في سبيل الإبقاء على جذوة السياسة مشتعلة داخل المجتمع السوري، مثل ميشيل كيلو ولؤي حسين وعارف دليلة وغيرهم..
هؤلاء جميعاً اتهموا بأنهم باتوا لعبة بيد النظام غرضها شق صفوف الثورة والالتفاف على أهدافها وخدمة مصالحه وتلميع صورته في المحافل الدولية.. الخ من قائمة التجريم التي تركت الشارع السوري متبلبلاً، منقسماً على نفسه، ووضعت (المؤتمرين) في حرج سياسي جعلتهم لأيام في وضعية المدافع عن النفس، وقد تابعنا جميعاً كيف كانت هذه (الرموز) مشغولة على الفضائيات، هنا وهناك، بصدّ الضربات التي تنهال عليها من الداخل والخارج.
هذا ما كان قبيل انعقاد المؤتمر، لكن الحال انقلب تماماً بعد ساعات قليلة من إعلان بيانه النهائي، فقد شكلت أفكاره ومضامينه ومقترحاته خيبة كبيرة لـ (أعدائه) في الداخل والخارج، فهو كان وفياً إلى أبعد الحدود مع تطلعات الشارع السوري في دولة مدنية ديمقراطية، كما اعتبر نفسه، كمعارضة، في خدمة الانتفاضة الشعبية، متماهياً مع أهدافها في التغيير السلمي.
أيضاً فقد بدأت تبرز أهمية هذا المؤتمر من خلال التوافق على وثيقة عمل غرضها بعث حراك سياسي جديد يصب في صالح الانتفاضة الشعبية كما تسجل له أيضاً محاولته إعادة الاعتبار للـ (مركز)، وهو دمشق هنا، عبر منحه دور سياسي هو الآن بأمس الحاجة إليه بعد أن شهدت الأشهر الماضية اقتصار الحراك السياسي على الأطراف، وهذا ما سوف يساهم مستقبلاً في منح النخب الديمقراطية والمدنية دوراً أكبر في عمليات التغيير.
من جهة أخرى أفرز المؤتمر حقيقة أخرى تمثلت بمدى (الاندماج) السياسي الذي تميزت به المعارضة السورية في هذه المرحلة ومدى انسجامها وتفاهمها على ما هو أبعد من الخطوط العريضة في الشأن العام، وهو الأمر الذي لم يكن متوفراً في الماضي، فقد شهدت العقود الأخيرة الكثير من الخصومات السياسية، إلى حد الجفاء، بين العديد من أطراف المعارضة، فعلى سبيل المثال كانت، كما يتذكر البعض، على أشدها بين حزب العمل الشيوعي وأحزاب التجمع الوطني الديمقراطي، علماً إن هذا الأخير، هو آخر الصيغ السياسية (المشتركة) التي عرفتها المعارضة السورية منذ مطلع الثمانينات.
بالمقابل، فإن حقيقة أخرى برزت، قبل وبعد المؤتمر، تمثلت بشراسة الحملات العدائية التي شنّها، وما يزال، بعض معارضة (الخارج) متهمين أعضاء المؤتمر بخيانة (الثورة)، فقط لأنهم يجتمعون في مكان عام من دمشق وتحت مرأى أعين النظام، وهذا لا يمكن أن يحدث، حسب رأيهم، إن لم يكن المؤتمر برمته خارجاً من عباءة النظام وبمباركته وموافقته، متناسين أن الشارع السوري يفرض اليوم على النظام، ليس فقط التغاضي عن انعقاد مثل هذا المؤتمر، بل التغاضي أيضاً عن الاعتصامات اليومية التي تشهدها معظم المدن السورية.
أجل، هناك هفوات وأخطاء عديدة ارتكبها هذا المؤتمر لا تبدأ بارتباك تحضيره وتنسيقه على شكل يليق بطموح وأهداف أصحابه، ولا تنتهي بالانتقائية واستبعاد العديد من الرموز السياسية الأخرى، خاصة تلك التي هي اليوم منخرطة بقوة في الحراك الشعبي، كما أنه، أي المؤتمر، لم يسلم من المزاجية والحسابات الشخصية، خاصة في توجيه الدعوات، إضافة إلى ضعف الرقابة ما سمح بتسلل بعض الشخصيات المعروفة بمواقفها المعادية للاحتجاجات.
كل هذه الأخطاء، وغيرها يجب أن ينظر إليها على أنها ضمن الأخطاء الطبيعية، بل من المتوقع أن تحدث، إذ ليست هنالك أية حالة سياسية في طور التشكل والنهوض، في سورية وفي غيرها، يمكن القول أنها كاملة أو معصومة، على العكس، فإن المنطقي والمعروف أن تحدث الأخطاء وأن يجري تصحيحها والتقدم نحو أهداف ومراحل جديدة، ورحم الله من قال: ليس من العار أن تخطئ، لكن العار أن لا تصحح أخطاءك.
برأينا أن المعارضة السورية، بعد هذا المؤتمر، تفرض شرعيتها وهذا ما سيمنحها قوة وديناميكية أكثر فأكثر، كما سيساعدها في غربلة التوجهات القادمة للانتفاضة السورية وتحديد أهدافها بدقة، عبر التأكيد على دولة مدنية ديمقراطية، سيما أن هناك نبرات تبرز أحياناً لتركيب حمولات على هذه الانتفاضة ملفوفة بشعارات من صنف ولاية وإمارة وخلافة وغيرها من القصص والاسطوانات التي مازالت تلقى لها رواجاً في المنطقة العربية.
هل يمكن لنا الإدعاء أن لمؤتمر "سميراميس" نكهة (التمارين الأولى)، تفوح من معارضة ترهّل جسدها السياسي والفكري إثر عقود من الاستراحة القسرية على مقاعد الوطن.
ربما.. وبهذا المعنى سيكون فندق "سميراميس" أول (ملعب) تهرول فوقه المعارضة السورية بعد ما يقارب نصف قرن من العطالة والغياب.

التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.