الرئيسية » , , » وهم العزلة .. الشعر بين وهم المؤامرة و التاريخ

وهم العزلة .. الشعر بين وهم المؤامرة و التاريخ

Written By علي المضوني on الجمعة، 11 مارس 2016 | 6:58 ص

منذ البدء أنوه إلا أن محفّزي الأهم لهذه الكتابة، هو ما دار ويدور في الأوساط الثقافية العربية وهوامشها حول عزلة الشعر والشاعرعن الناس والحياة مع الإشارة إلى أن ملامح هذه الكتابة تنتمي إلى المفكّر فيه منا ومن غيرنا، من قبلُ.. ومن بعدُ.. 
أما وجهة نظري فتفترض طرح السؤال الآتي:‏ 
من هم اليوم قرّاء الشعر.. وما هي أعدادُهم..؟وكمن استيقن علماً ،سأجيب بسرعة ووضوح بأن الشعراء وبعض المهتمين هم فقط من يقرؤون الشعر اليوم وهذا لايعيبه ولايقلل من شأنه ودوره وطبيعته ‏.
إن اتهام الشعراء العرب المعاصرين بمسؤوليتهم بتدهور الشعر وعزلته هي اتهامات لازمت الشعر والشعراء في كل زمان ومكان ،وإنها في عصرنا الحاضر بالذات تُطرح في المراكز الحضارية المتقدمة بشكل أكثر حدة من طرحها في بلداننا بسبب معاناتهم الأشدِّ من وطأة الآثار السلبية للتقدم التقني الذي يحاصر الإنسان ويقلل من أهمية إشباع حاجاته الروحية والجمالية: وضمن هذا السياق يأتي كتاب (الشعر ونهايات القرن) للشاعر المكسيكي أو كتافيوباث وفيه يلاحظ المؤلف أن قراء الشعر سواء كانوا كثرة أو قلة لم يشكلّوا أبداً وعلى مرِّ العصور أكثرية في المجتمع.. والأمر نفسُه ينطبق على العلوم والفلسفة إذ إنها كانت دائماً من صنع الأقلية.. ولكنها الأقلية الهائلة...‏ 
ويؤكِّد أوكتافيوباث أن تاريخ الأدب في الغرب وفي العصر الحديث بشكل خاص قد كان تاريخ أقلية.. أنهم كتابٌ ونقاد وفنانون تمردوا على الأوضاع السائدة وابتكروا أشكالاً جديدة استعصت على الفهم في البدايات... ويخلص باث إلى أنَّ قراء الشعر سواء كانوا كثرة أو قلة يظلون هم رأس المجتمع وقلبهُ لأنهم نواتهُ المُفكِّرةُ والفاعلة..
كما يؤكد باث على مقولة الشاعر والناقد (بيير جمفيرير) إنَّ إحدى السمات البارزة في الشعر الحديث هي إصراره على أنْ يظلَّ فنَّ الأقلية.. كما ينقل لنا باث بعض الإحصائيات الهامة التي أوردها جيمفيرير ومنها:‏ 
إنَّ الشاعر الفرنسي (فيرلين) ورغم شهرته الواسعة في كل أوربا لم يستطع عام 1886 أن يطبع من أحد دواوينه أكثر من /600/ نسخة‏ .
ان (مالارميه) لم يستطع في عام 1876 أن يطبع من أحد دواوينه أكثر من /195/ نسخة.‏ 
إنّ (رامبو) لم يستطع طبع أكثر من /500/ نسخة فقط من ديوانه فصل في الجحيم.. وهو الديوان الذي كان لـه تأثير هائل على الشعر في القرن العشرين.. أكثر من هذا فقد بقيت النسخ في مخازن الناشر لولا أحد هواة جمع الكتب الذي أنقذها عام 1900.‏ 
إنَّ أناشيد مالدورو للشاعر (لوتريامون) قد بقيت في مخازن الناشر ولم تكتشف إلا بعد سنوات من موت الشاعر.‏ 
إنّ (بابلونيرودا) ورغم شهرته الواسعة في كلِّ البلاد الناطقة بالإسبانية لم يستطع طباعة أكثر من /500/ نسخة لديوانه قصائد الحب الأولى عام 1926.‏ 
إنّ الشاعر الإيطالي المعروف (أونغاريتي) لم يستطع طبع أكثر من /80/ نسخة... فقط ثمانين نسخة من أحد دواوينه...؟‏ 
إنَّ (وايت وايتمان) ورغم شهرته لم يستطع طباعة أكثر من /800/ نسخة من ديوانه الشهير أوراق العشب (وللمزيد من التفاصيل بهذا الخصوص يمكن الرجوع إلى كتاب صوت الجوهر لنزار بريك هنيدي).‏ 
وعودة إلى بدء إننا إذا ما أمعنا النظر في تاريخ الشعر على امتداد العصور وفي مختلف الحضارات (باستثناء بعض المجتمعات البدوية) سنكتشف أنَّ مقولة العصر الذهبي للشعر في الماضي هي مقولة مبالغ فيها وهي لا تعكس سوى رغبة الشعراء وتطلعهم إلى مجتمع أكثر قابلية للتجاوب مع أحاسيسهم ومعاناتهم وأكثر تقديراً لفنهم وإبداعاتهم.0 وإذا ما استعدنا السؤال السابق حول قرَّاء الشعر.. واستعدنا الإجابةَ الأنفةَ الذكر مع الإحصائيات القاطعة ـ المانعة.. سنكون ـ برأينا ـ قد قطعنا نصف الطريق هاربين من مفازات الوهم ورماله المتحركة 0
والوهم لا ينسج شرانقه حول الشعر ومفاهيمنا الشعرية فقط ،بل هو يعشعش على جدران وأسقف وجودنا وموجوداتنا بامتداداتها العاطفية والاجتماعية والسياسيةوالتاريخية.. 
والوهم ـ كمحاولة لاستعادة كبرياء ضائعة ـ بدأ يتجلى بوضوح مع تشوشنا واهتزازنا الحضاري ـ التاريخي الأول... وتحديداً منذ دخول نابليون إلى مصر.. وكانَ من الطبيعي أن تظهر أولى أعراض هذا التشوش وهذا الاهتزاز على الجانب الأكثر أهمية وحساسية في حياة العرب، وأعني الشعر، كيفَ لا: والشعر ديوان العرب، وهم لم يبدعوا في أيِّ من الفنون مثلما برعوا فيه.. ولأنَّ للشعر هذه الأهمية في حياة العرب سيكون من الطبيعي أن تبقى الحروب على أشدِّها بينَ الشعراء وأنْ تبقى أبواب الصراع مفتوحة على مصاريعها بينَ تياراته المختلفة (رغم أنَّ التاريخ يسجَّل لنا حقائق عن حروب طاحنة كانت أسبابها تافهة كالبسوس وداحس والغبراء) كما أنَّ تجليات هذه الظاهرة الصحية (الصراع) ستبرز على أكمل أوجهها في المعارك الدائمة، والتي لن ينقشع غبارها أبداً بين القديم والجديد.. بين الثابت والمتغير.
بشجاعة أكثر يمكن القول بأنَّ ظاهرة الصراع ، هذه الفذَّة والخطيرة والقادرة على الانسحاب على مجمل أشكال الحياة، هي خاصة طبيعية ومستمرة بما تمتلكه من نواميس التطور ولا نملك إلا إذكاءَها حين نريدُ الرهان على الوجدان الشريف للحياة والضمير النقي للمستقبل مدركين أنَّ الحديث عن شروط تحقق آليتها (آلية التطور) يظلُ ناقصاً إنْ لم تُحدَّد مجالات فعله في احترام الرأي الأخر وفي الموضوعية وفي السعي الحثيث لوضع اليد على الحقيقة أو مشارفتها قدر الإمكان.‏ 
وللوهم بقيَّة 00 
فنحن قد فرض علينا التخلُّفُ الطويل التعايش مع الكثير من الأوهام التي نسجت حولنا شبكة قوية ونشيطة ضيَّقت علينا إمكانيات التفكير والتفسير والاختلاف والاختراق وصار الخروج منها يتطلَّب بطولة من نوع ما ربما يكون التمرد أهم أشكالها 0 
بلى تعايشنا مع الوهم.. والتعايش فلسفة ومعنى هو تلاؤم أو تشارك في معظم حالاته، حيث ينمو الشريك (الوهم) بيننا مُتحصِّلاً على زاده منا ومقدماً لشريكه (لنا) الطاقة الضرورية لننتفخ ونكاثر الخديعة وأشباه الحقيقة.. ونمارس الدعاوى والفتاوى 00ونراهن على حتمية السلالة والرسالة والكمال والأفضال التي لنا وفينا 00مُنسيِّاً إيّانا همَّ التفكير بأننا اليوم مرميون في العراء.. خارج التاريخ . 
أجل 00ذات عصر قارس، فتحنا أعيننا على التاريخ فإذا بذواتنا عاريات إلا من قميص الشعر... التفتنا ـ آن هزَّنا برد الحياة ـ بعضنا إلى بعض لنسأل الأسئلة ذاتها.. ألسنا أمة شاعرة... أليس الشعر ديواننا وحافظنا وواقينا...؟ إذاً لماذا لم يعد يجدي نفعاً قميص الشعر هذا...؟‏ 
تباكينا.. تنادينا 00صرخنا في كل حدب وصوب.. الشعر في خطر ؟
وللحقيقة.. فقد بادر المخلصون من محيط الشعر إلى خليجه للبحث في الأسباب والحلول.. فعقدت الندوات المختلفة وتحت يافطات مختلفة: أزمة الشعر، الشعر والتغريب، غربة الشعر، الشعر والمتلقي، الشعر والسلطة، الشعر والحياة الشعر و.. 
ليس هذا فحسب فقد ملأ حبر المقالات والدراسات بياض المجلات والجرائد وبُحَّتْ أصوات المذيعين في وسائل الإعلام السمعية والبصرية وهم يتحدثون عن المشاريع الجادة، وغير الجادة شعرية ونقدية للخروج بالشعر من أزمته 00‏ 
أيضاً فقد صعد المحسنون إلى منابر الشعر ليعلنوا لجيوش الشعراء عن جوائز قيمة لمن يعيد الهيبة لقامة الشعر الهزيلة 00
فتحت الصحافة والمجلات صفحاتها للدم الجديد بغية تحسين نبض الشعر وتنظيم دقات قلبه 00
ربطت المدن والبلداتُ أمجادها الغابرات بالشعر فأعلنت عن جوائز بأسماء قدمائها من الشعراء فكان لكل مدينة شاعر وتماثيل 00
نافس أصحاب المطابع تجار الرقيق الأبيض ثراءً بعد أن صارت مطابعهم تلفظ يومياً عشرات الدواوين الشعرية على امتداد الوطن العربي حتَّى صار لكل عائلة شاعر .. 
شبكت المؤسسات الثقافية الرسمية والخاصة خَصْرَ الشاعر وهمست لـه: لا تحزن 00نحنُ نطبع لك.. وهكذا فتحت خزائن أموالها وشغلت مكائن طباعتها لتطبع على نفقتها دواوين الكثير من الشعراء المفلسين وغير المفلسين.. 
كل هذا.. والشعر في عزلة.. والشعر في خطر؟!‏ 
إذاً ثمة مؤامرة وثمة جريمة.. ؟
من هنا راح الكثير يبحث عن متهم ليلقى عليه تبعة الجريمة ويحمله دم الشعر المغدور والجميع متفق على الضحية ولكن الخلاف الأساسي دار حول تحديد ماهيَّة المتهم.‏ : ونحن ، وفي هذا المكان ، وبهذه العجالة سنحاول مناقشة الاتجاهات الاساسية التي حاولت ،ومن موقع الرائي ،اعطاء شهادة بأوصاف المتهم .. وربما بسجايا وأفضال الضحية :
فالحداثيون عموماً شعراء ونقاداً رأوا بأنَّ غربة الشعر وعزلته وأزمته تكمن في المتلقي الذي خربت الثقافة التقليدية ذائقته ومنعته من تطوير أدوات اقترابه من القصيدة الجديدة فظلَّ يجسها بأدواته القديمة... وبهذا فهم يفترضون بأنَّ القصيدة الجديدة تحتاج بالضرورة إلى قارئ جديد..‏ 
إذاً فالحداثيون.. عموما".. يتهمون المتلقين... عموما".. وفي هذا بعض الصحة وبعض اليقين الذي يُعقدّ المشكلة بدلاً من إيضاحها وتفسيرها فإذا كانت القصيدة الجديدة قد بدأت بالتمخض في أوائل هذا العصر مشيرةً إلى المأزق الذي تعيشه القصيدة التقليدية، فإنها قد وعت باكراً التغيرات الحاصلة في العالم مؤمّنةً نفسها ببناء شعري جديد مؤثّث بعلاقات لغوية جديدة وبموقف جديد من العالم: 
وبهذا تغيرت وظيفة الشعر وأتيح للشاعر أن يبحث ويُعمّق ويتقصّى.. أن يتحول من شاعر أغراض ومناسبات إلى شاعر رؤى.. ومن شاعر بلاط إلى شاعر أرصفة..
إذا كان كل هذا صحيح (حداثياً) فإنَّ الصحيح (تاريخياً)، وهذا ما تناساه الحداثيون أنَّ القرآن الكريم الذي هو الديوان الأدبي للحركة الإسلامية غزا أفئدة المسلمين ببيانه ولغته رغم (جدَّته) وأسكتَ قرائح بعض الفحول كلبيد بن أبي ربيعة الذي استبدل الشعر بصورة البقرة... وحوَّل وظيفة فحول آخرين كحسَّان بن ثابت من مداحين وهجائين إلى منافحين عن الإسلام والمسلمين... أي إلى شعراء موظفين في الدعوة الإسلامية.‏ 
تناسوا أنَّ الشعر الصوفي رغم نخبويّته ورغم التعتيم السلطوي عليه بقي الديوان الأدبي للرفض والاحتجاج والمعارضة.. وكيف يُنسى أيضاً أبو تمام وجديده.. فرغم أنَّ الذائقة التقليدية أعلنت بفزع ـ بادئ الأمر ـ أنه إذا كان ما يقوله أبو تمام شعراً فكلام العرب باطل.. إلا أنه انتشر انتشار النار في الهشيم حتى قيل بأنَّ أبا تمام قد قطع أرزاق الشعراء..‏ 
الأمثلة كثيرة.. وكثيرة جداً.. حتى في هذا العصر.. وهل جبران وكتابتُه الجديدة الرافضة وانتشارها بين قراء العربية إلا المثال الساطع والحي.. وهل نجاحُ قصيدة التفعيلة المجدِّدة وشعراؤها إلا مثال أخر في سطوعه.‏ 
أصحاب الحداثة يرون ـ وهم محقّون ـ أنَّ علة الشعر من داخله ومن خارجه:‏ 
من داخله حيث ضاقت أشكال التعبير التقليدية عن الإحاطة باتساع رؤى الشاعر وفساحة أحلامه وشساعة همومه.. ومن خارجه، إذ اتسعت الهوة بين الشاعر ذي الذات التي كبرت بالعلوم والمعارف الجديدة وبين المتلقي القانع بثقافته القديمة المستنفذة لأغراضها وطاقاتها، فظل حاملاً لذات صغيرة معيقة للتواصل.‏ 
بكلام آخر، فإنَّ جدلية الداخل التي يتبنّاها الحداثيون، ترى في المتلقي متَّهماً أسهم تاريخ طويل من التخلف في تخريب ذائقته، كما أسهمت مؤسسات المجتمع المعاصر في تكريس هذا التخلف وهذا التخريب... فيما ذهب المبدع في تطوره منفرداً على اعتبار أنَّ الإبداع نشاط فرداني لا تحكمه كثيراً قوانين التطور التي تخضع لها باقي فروع النشاط الاجتماعي كالاقتصاد أو التعليم أو الوعي الصحي..
إذاً سيتسع البون.. وتتسع الهوة بين الطرفين رويداً.. رويداً رغم مطالبات المخلصين بجسرها أو ردمها.. وهكذا من الطبيعي أن يفقد الطرفان الاتصالُ ببعضهما.. و أن تبدأ الاتهاماتُ.. وأن تحدث القطيعة. ‏ 
ولكن ثمة خلل في جدل الحداثيين رغم بريقه، وفي منطقهم رغم تماسكه وصلابته.. إذ كيف يفسّر الحداثيون عزوفَ المتلقين عن الشعربما فيه الشعر البسيط والمطمئن والأليف والمندغم معهم مستوى وفكرة ورؤية..
أكثر من ذلك أن المشكلة قد تأخذ شكلها المأساوي حين يتبدّى انفصام غريب في ذوات بعض الحداثيين الذين نراهم وقد تحولوا فجأة إلى متعاطفين ب - مظهر حيادي- مع نماذج من الشعر التقليدي، وأدلَّلُ هنا بمثال ليس ببعيد حدث مع قصيدة الشاعر الفلسطيني سميح القاسم في زيارته الأخيرة لدمشق.. المأساوي في الموضوع أن هؤلاء الحداثيين لم ينتبهوا وهم منتشون بقصيدة القاسم ـ المشغولة بعجلة والتي كما نراها ليست إلا صوتاً خافتاً في جوقة الشعر التقليدي ـ إلى أنهم بهذا يكيلون بمكيالين حين يرفضون أو يهملون قبل وبعد هذا نماذج جيدة من هذا الشعر لشعراء أقل انتشاراً بحجة عدم انتمائها إلى الشعر الطموح وشعر المستقبل.. وكيف أفسر ما يكتبونه بأقلامهم ثناء ومديحاً للجواهري وغيره من الشعراء التقليديين 0
وإذا كان معيار انفتاح الشعر على الناس هو إقبالهم على الشاعر وعلى قصائده فإنَّ ا لتجربة تُثبت بأن الحداثيين أبعد الناس عن بعضهم وأقلهم تواجداً في قاعات الشعر، حتى صار حضور أمسية شعرية بمثابة الضرورة أو الواجب الاجتماعي الذي تمليه المعارف الشخصية .
أما الجماهيريون وشعراءُ العقائد ونقادُها فيرون بأن الشعر قد ذهب بعيداً في الغرائبية والطلاسم، وابتعد عن هموم الناس اليومية وتطلعاتهم الإنسانية فانفضّوا عنه... وهم يفترضون بأن على الشعر ـ لكي يتصالح مع الناس والمجتمع ـ أن يعود إلى صياغة القيم والأفكار والتطلعات بلغة مفهومة تخاطب العقل والمشاعر .
وإذا افترضنا صحة هذا المنطق فكيف نفسّر شكاوى وتذمُّر شعراء الشعارات والخطابات من عزوف الناس عن قصائدهم..؟ وكيف أفسِّر الاستهجان العام للقصائد التعليمية والقصائد المبشّرة وقصائد العامل والفلاح السطحية والمبتذلة...؟ وكيف أفسّر أنه ورغم كلّ محاولات الستالينية تطويق مستقبلية مايا كوفسكي ظلَّ الأهم والأبرز والأكثر انتشاراً...؟ .
ويتقاطع هذا الاتجاه كثيراً مع الاتجاه الثالث الذي يعنى بشؤونه السياسيون من الشعراء والنقاد.. ((لا أفترض بأنَّ هذه الاتجاهات نهائية فثمة تفريعات داخل كل اتجاه.. كما ثمة إمكانية لتداخل الاتجاهات مع بعضها)).. والاتجاه السياسي هو الذي تنفتح قصائد أصحابه وهواجسُهم ودلالاتُ أفكارهم على آفاق الحلول السياسية وما يرتبط بها من حريات عامة واقتصاد وطني متين.. أصحاب هذا الاتجاه يرون بأن الشعر غائب بفعل فاعل وأن السلطات باختلافها وتدرجاتها تمارس أدواراً غير بريئة في تغييب الشعر عن ساحة الفعل الإنساني فغياب الديمقراطية يشلُّ قدرة المبدعين على الانتشار والبقاء.. كما أنَّ إهمالَ المؤسسات المعنية بالشأن الثقافي وتقصيرَها يحوّل المبدعين إلى كومة من اليائسين والمهمشين...‏ 
وبرأيهم أيضاً.. إنَّ الإمبريالية العالمية ، مسنودةإلى قوى محلية، تجهد لتخريب الثقافة الوطنية عبر التسطيح وتغليب الثقافة الاستهلاكية وتمرير مفاهيم العولمة.‏ 
وطبيعي أن يكون الحلّ في رأي أصحاب هذا الاتجاه هو في امتلاك المبدع لحريته عبر التغلّب على عوامل التخريب والتآمر الداخلي والخارجي وامتلاك القرار الوطني وتأمين الحياة الكريمة.. الخ.‏ 
ونحن سنرى بعض الحق في وجهة النظر هذه إذا ما دخّنا مع أصحابها تبغ السياسة.. فالسلطات وعلى مر العصور تسعى لتوظيف المبدعين في خدمتها وإبقائهم على رصيفها.. ولكن منذ عقدين من الزمن من يبالي بالشاعر أو بقصيدته..؟ قد يتم التدقيق بسيناريو للتلفزيون أو بلقاء إذاعي أو بمقالة في جريدة.. لأنها ببساطة أدواتُ تعبير جديدة أكثر فتكاً وأكثر خطراً لأنها أسرع وأكثر وصولاً إلى الناس.. ولكن لا أهمية كبرى ( سلطويا" ) لقصيدة شاعر أو لتهويماته .
وإذا كان للخراب السياسي كل هذا الأثر وهذا التأثيرِ على الشاعر ومجالات إبداعه فكيف نفسّر ظهورَ شعر عظيم كتائية ابن الفارض في غياب الأمن والحرية والقرار الوطني كالذي كان في عصور الانحطاط ..وكيف نفسرُّ ظهورَ المتنبي العظيم في زمن التفكك والدويلات..‏ ؟ .
نعم.. قد يكون للسلطات رأيُها الذي لا يعجبنا في الثقافة.. وقد يكون لها دورها غير البريء في تخريب المناخات الثقافية وتهميش المبدعين.. وقد تقصّر.. وقد لا تبالي.. ولكن لو كان كل هذا معكوساً بمعنى أن ثمة سلطةً بين الأيادي شغلُها الشاغلُ هو الثقافة وما تمليه من ضرورات اجتماعية وسياسية وإنسانية، متبنية للثقافة والمثقفين من الباب إلى المحراب.. لو أن هذه السلطة موجودة.. هل سيفكك هذا عزلة الشعر..؟ .
أشك في ذلك..!‏ 
يروي فاضل العزاوي في كتابه (بعيداً داخل الغابة) أنه ذهب لحضور أمسية شعرية في إحدى المدن الألمانية.. ولاحظوا ((الألمانية)) .. فلم يجد في القاعة سوى الشاعر وصديقته...!!‏ 
فإذا كان هذا يحدث في ألمانيا التي لا غبار على المصداقية الثقافية لسلطاتها (على الأقل بالنسبة للشعب الألماني) فكيف هو الحال في بلادنا...؟‏ 
أنا أحلم بأن تطلّ علينا المذيعة بصوتها الرّخيم لتخبرنا بأننا سننتقل إلى قاعة الشعر في المكان الفلاني لنقل الأمسية الشعرية للشاعر الفلاني على الهواء مباشرة وعلى غرار ما يحدث في الرياضة أو الطرب.‏ 
أحلم بأن أشهد اليوم الذي تُخصص فيه قناة تلفزيونية تسمى بالقناة الثقافية وعلى غرار أقنية الرياضة أو الغناء، تعنى فقط بالثقافة وتبث على مدار ساعات برامج حية.. وميتة..
أحلم.. وأحلم.. ولكن هيهات..‏ 
وإذا ما تم هذا وتحقق فعلاً.. هل سيفكك هذا من عزلة الشعر..؟‏ 
الإجابة بالنسبة لي هي النفي، لأنه وببساطة شديدة لم تستطع السلطات على مر العصور أن تعزل الشعر والفن عموماً عن الناس، أمّا عن عزل الشعر فهو الحياة نفسها.. ومع هذا يصرُّ الشعراء السياسيون على اتهام السلطات الوطنية والإمبريالية والعولمة بدم الشعر...‏ 
نعم لقد خرّبَ الأمريكيون الفن عموماً بتخريب روح الحياة بمجملها عبر تكريس قيم البطش والقوة وأساليب النهب القذرة.. وبسعيهم الدؤوب عبر العولمة لتذويب أو تمييع الذي تبقى من معاني الثقافة الوطنية والفكر الإنساني وتسليع كل شيء.. كما تجهد السلطات دوماً بغية الحفاظ على امتيازاتها ومكاسبها لتوظيف الفن في خدمتها..‏ 
ولكن لو كانت الرأسمالية نظيفة إلى الحد الذي تكتفي فيه بإنجازاتها العملية والفكرية والتقنية التي قدمتها للإنسانية.. ولو كانت العولمة سعياً صادقاً لجعل العالم عائلة واحدة تسكن قرية واحدة وتحيا... متحابة.. متكاتفة.. متعاونة... متشاركة‏.. 
لو كانت السلطات.. كل السلطات منبثقة من ضمير الجموع ومن تطلعاتهم..‏ 
لو كانت كل هذه حوادث حقيقيةً في وجودنا البشري.. هل سيختلف اتجاه التطور الحاصل في مفاصل الحياة؟.. وهل سيأخذ العلم وتطبيقاتُه المعقدةُ مناحي جديدة غير التي نعرفها اليوم.. وهل سيختلف تأث ير كل هذا على فهم وأدوار ووظائف التعبير أدوات وأشكال وطاقات واتجاهات وحمولات...‏ 
أنا شخصياً أرى بأنه في عالم مشبع بالقيم النظيفة ستكون الحياة أجمل بلا أدنى شكل، ولكن مسار التطور لن يكون إلا هكذا.. أي أن الحياة لن تفرض انزياحات كبيرة ومختلفة في أشكال التعبير أو في وظائف المبدعين.. 
منذ سنوات طويلة لم أسمع أو أقرأ عن شاعر جلد أو طرد من وظيفة أو سجن لفترات طويلة بسبب قصيدة إلا في حالات قليلة تعود أسبابها إلى غير الشعر كماهية فنية..‏ 
أجل ربما قد يكون هذا قد حصل في زمان أبعد قليلاً بسبب وظيفة الشعر الخطيرة آنذاك أما اليوم فما هي وظيفة الشعر.. ومن يقرأ الشعر..؟‏ 
ليس واهماً فقط الشاعر الذي ما زال مقتنعاً بأنّ قصيدته ستقيم الدنيا ولا تقعدها. وإنَّ الجماهير تنتظر كلمةً منه أو من غيره لتخرج إلى الشوارع.. ليس هذا الشاعر واهماً فقط.. بل إنهُ مخادع كبير... فالشعر لم يعد بياناً سياسياً ولم يعد قادراً على حمل الشتائم والشعارات على ظهره.. الشعر شيء آخر.. شيء أراه جلياً بالنسبة لي.. شيء يسعى لتطوير الذائقة في إطار مشروع متواصل لإعمار الإنسان.‏ 
ثمة اتجاه أخير يمثله الشعراء والنقاد التقليديون وهم رغم كثرتهم الأقل اهتماماً ومشاركة في إيجاد الحلول لأزمة الشعر رغم مشاركتهم في قذف التهم يميناً وشمالاً وفي وجه الجميع .
أصحاب هذا الاتجاه يشعرون بنوع من الطمأنينة ولا يلتفتون كثيراً إلى قلق المجدّدين.. وهم مقتنعون بأنَّ ثقافة السلف قد أحاطت بكل شيء وأنها وصلت إلى درجة من الكمال والإحاطة والدراية بكل الأزمنة والحوادث والكائنات لذا فإنَّ نصيحتهم الذهبية دائماً هي الامتثالُ لقوانين هذه الثقافة والدورانُ في فلكها، فما ضياعُ هيبة الشعر اليوم وعزلتهِ (برأيهم) إلا لأنَّ الشعراء أفلتوا عروة الشعر الوثقى وخرّبوا مرافئ المعلّقات والمسمِّطات.. وثقّبوا قوارب الأوزان والقوافي.. وغادروا مياه العربية بما فيها من بيان وسحر وجزالة وديباجة ليسبحوا في مياه الثقافة الوافدة.. ولن أقف كثيراً عند أصحاب هذا الاتجاه لقناعتي بأنني قد أجبت عليه بشكل غير مباشر في الصفحات السابقة...‏ 
وعودة إلى بدء.. أرى من الضرورة توضيحَ فكرة الوهم التي أطلقناها منذ الأسطر الأول :
بداية أقول:
إننا لسنا الشعب الوحيد الذي يمتلك تاريخاً عريقاً وطويلاً وثرياً بالشعر.. غثه وسمينه.. وإذا ما كان اتصالنا بتراث الشعوب الأخرى قد جاء متأخراً إلا أننا ـ في الحقيقة ـ لم نكلف أنفسنا الوقوف عند هذا التراث في فترات حياتنا المجيدة والواثقة لتأمله ودراسته ومقارنته، ولتقييمه وإعطاءه حقه، فالشعر.. كأي ظاهرة ثقافية أخرى يجب أن ينسب إلى المجتمع ودرجة تطوره.. بمعنى أنَّ المجتمعات الراقية ستنتج بالضرورة (رغم فردانية الإبداع) أدوات تعبيرها الراقية ذات الحمولات الإنسانية الكبيرة.. ومن هذه الأدوات حتماً سيكون الشعر...‏ 
هكذا فعل الصينيون واليونانيون والفرسُ والهنودُ وغيرُهم.. وهكذا فعل العرب.. ورغم هذا مازلنا إلى اليوم، وبعد أن ظهروبان علينا الذي كان خافياً من إرث الشعوب الأخرى ، نصر على أننا الأمة الأكثر والأغزر شاعرية إن لم نقل الوحيدة!!‏ 
أليس هذا هو الوهم بعينه..؟‏ 
أليس هذا انتفاخاً في أرواحنا المريضة تسببت به رئات القدماء والمعاصرين استعلاء أو نقصاً على حد سواء.
والوهم يدخل إلينا من أبواب أخرى كإحساسنا بالاكتفاء غير مبالين بمستجدات العصر ومتغيرات الحياة.. فالشعر هذه الشعلة الإلهية التي سُرقت من أجلنا أو أهديت لنا وحدنا تكفينا لإضاءة أيامنا وأرواحنا إلى الأبد..!!‏ 
والوهم ليس إلا نتاج الخيبات الطويلة والدوران في الفراغ.. فراغِ الوجود... فراغِ الغد... فراغِ السياسة.. وفيه.. في هذا الدوران تخربطت أوضاعُنا واختل توازننا فأيقظنا الأخيلة المريضة بدلاً من ايفاظ الوجدان النقي للحياة. 
اذا"..لابدَّ من تضحيات وإن كانت جساماً.. فالفلاح العربي، مثلاً، بقي حائراً واجماً، أمام المحراث الحديث، بقي طويلاً يراقب بأسىً محراثه القديم.. هذه القطعة العزيزة التي سقى فولاذها بدمه وعرقه وهوينسحب رويدا" رويدا"من تاريخ العمل وعلاقات الانتاج .




وبواقعية (فظّة بعض الشيء) أريد سحب هذا المثال على الشعر (المحراث القديم) الذي كان يعمل في أرض( البشرية) عقلاً وروحاً ووجداناً، لنرى أين المشكلة في قدوم محاريث جديدة (أشكال وأدوات تعبير) لحراثة أرض الإنسان..؟
أين المشكلة مادام المطلوب هو حراثة الإنسان الدائمة بغض النظر عن شكل المحراث؟.
لا مشكلة باعتقادي إذا ما حافظت الأدوات والأشكال الجديدة على تلك الروح الخاصة.. تلك الشاعرية.. تلك التي ندعوها بروح الفن.‏ 
ان مشكلتنا اليوم هي في فقرنا.. في عدم امتلاكنا لبدائل الشعر.. ذلك المحراث القديم..ذلك الذي كان يعمل في أرض البشرية 0 
في كتابه (الميديلوجبا) وهو عبارة عن محاضرات في علم الإعلام العام يبيّن(ريجيس دوبريه ) بأنَّ التاريخ البشري قد مر بثلاث حقب أو محطات أساسية:‏ 
الحقبة الأولى كان مجالهُا الكلامُ وركيزتُها المخطوطةُ سمّاها بعصر الإنتاج الخطي.‏ 
الحقبة الثانية كان مجالها الخطُّ وركيزتُها الكتابة وسماها بعصر الكتابة...‏ 
الحقبة الثالثة وهي التي نعيشها اليوم ومجالها الإنتاجُ السمعيُ والبصريُ وركيزتُها السينما والتلفاز والكمبيوتر والإنترنت.. وفي هذه الحقبة انحنت الثقافة بفروعها وأجناسها للإعلام وصارت جزءاً من سلطة الصورة المهيمنة..‏ 
أليس حقيقياً إذاً هذا الفزع وهذا الرعب الذي ينتاب الكتّاب والناشرين جراء التهديدات الجديدة التي يتعرض لها و جودُ الكتابة نفسهُ.. بل وجودُ صناعة طويلة.. عريضة.. عريقة.. اسمها الوراقة..‏ 
هكذا تتهاوى الثقافةالتقليدية أشكالا" وأساليب وأدوات وأولويات 00
هكذا يتهاوى عصر التأمل..
وهكذا ينزاح الشعر والشاعر..
أجل.. لقد عُزل الشعر.. ولكن بالأيادي نفسها التي توجته ذات يوم..‏ 
بأيادي التاريخ.. وأيادي الحياة.‏
التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.