الرئيسية » » ما هي حظوظ الأصوليات الدينية في سورية..؟ | بشير عاني

ما هي حظوظ الأصوليات الدينية في سورية..؟ | بشير عاني

Written By Gsm Egypt Server on الخميس، 10 مارس 2016 | 2:51 م

دأبت الأنظمة الرسمية، كلما تصاعد الاحتجاج الشعبي في بلدانها، على تخويف الناس بقدوم السلفيين المتشددين، إن هم رحلوا عن الحكم.
هذه الأسطوانة المكرورة قد سمعناها جميعنا تتردد في شوارع الجزائر واليمن وتونس ومصر وسورية والمغرب وغيرها من البلاد التي شهدت، وما زالت، انتفاضات شعبية تطالب بالإصلاح السياسي والاقتصادي والمزيد من الكرامة والحرية.
وإذا ما كان صحيحاً أن الأصوليات الدينية قد نمت وانتشرت في عموم المنطقة العربية خلال العقود الثلاثة الأخيرة إلا أن هذا لم يكن ليحدث أبداً جراء قوة هذه التيارات فقط أو بسبب قابلية المجتمعات العربية لاحتضانها، على العكس تماماً إذ حصل هذا لأن النظام الرسمي العربي، وفي حربه الشرسة مع المجتمع لإطالة أمد حكمه، قد قام بتصفية التيارات العلمانية والتنويرية والديمقراطية، مانحاً في الوقت نفسه بعض الرشى للتيارات الدينية كفتح الجوامع وإقامة الحلقات الدينية ذات الصبغة الصوفية وترويج الكتب التي تكرس الجهل والشعوذة وغيرها، وكان المثال الساداتي في مصر (والذي كان هو نفسه ضحية له) خير شاهد على هذا الانقلاب السياسي الذي سعى إلى تصفية ملامح التنوير والنهضة التي شهدتها المنطقة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
بمعنى آخر فقد وجدت المجتمعات العربية نفسها وجها لوجه أمام خصمين شرسين، متفاهمين على هدفهما، وإن بدوا على نقيض ذلك بسبب تناقض مصالحهما، ما ساهم في سحق تدريجي لقواها الحية، الحضارية والديمقراطية والتنويرية، وإجهاض المشروع النهضوي التنويري الذي ارتوى بدماء رجالاته ومفكريه من الكواكبي حتى حسين مروة ومهدي عامل وغيرهم، فالحاكم العربي سعى باستمرار إلى إفراغ السياسة من المجتمع فيما ساهمت القوى الظلامية بتعطيل العقل وحرف اتجاه الصراع والمسارات النضالية من الأرض ، حيث مكان المعركة، إلى السماء، بذريعة أن الوجه الحقيقي للصراع هو وجه ديني فقط.
بين هذين الخصمين ضاعت بوصلة الشعوب العربية لعقود طويلة وكانت أية احتجاجات، وإن كانت مطلبية، تواجه بالقمع أو بالتخويف من مغبة ضعضعة الاستقرار والأمن والسلم الأهلي، الذي لن يستفيد منه سوى السلفيين، المتربصين داخل المجتمع وخارجه.
ولكن، وإن كان هذا صحيح ظاهرياً، هل علينا تصديق كل ما يقال عبر اسطوانة التخويف هذه، وهل يمثل السلفيون ذلك البعبع المخيف، وما هو حجمه وقدرته على الفعل..؟
من نقطة جوهرية تبدأ إجابتنا، فالمجتمعات العربية، وإن بدرجات متفاوتة، لم تكن يوماً حاضنة تاريخية للتشدد الديني، وهي قد ضربت أمثلة عظيمة عبر آلاف السنين لمدى التعايش والتسامح الديني، وكانت مصر وبلاد الشام والعراق نماذج فاخرة لمجتمعات تجيد العيش المشترك بقدر إجادتها لصناعة الأديان ونشرها وحمايتها، لذا ليس غريباً أن تكون الأديان السماوية التي يعتنقها اليوم أكثر من نصف سكان الأرض هي صناعة هذا المجتمعات وهذه المنطقة بالذات، فهي التي صنعتها وهي التي نشرتها وهي التي حفظتها، وعليها حمايتها وتأمين مستلزماتها، ومنها توفير بيئات استثمارها وحرية ممارستها وطقوسها، وهذا لا يتم إلا بالتسامح ومتطلبات العيش المشترك.
من جهة أخرى فقد أثبتت الأحداث المتسارعة في المنطقة أن التيارات الدينية، وإن بدت واسعة الانتشار داخل المجتمع المتدين أساساً، لا تملك تلك الفاعلية عندما تحاول ارتداء اللبوس (السياسي)، فهي مقبولة كدعاوى واجتهادات وأصول فقه وغير ذلك من الشؤون الدينية، إلا أن تأثيرها يقل كثيراً عندما تتحول إلى شكل سياسي، وقد شاهدنا جميعاً ما حصل مع الأخوان المسلمين في مصر، فهم لم يحصلوا من المجتمع المصري على ذلك التأييد (السياسي) المرجّى رغم مساهمتهم وبطولتهم ودورهم الذي لا ينكر في إسقاط نظام مبارك، كذلك هو صيرورة الحالة العراقية، فرغم ما يبدو على السطح من هيمنة للأحزاب والمرجعيات الدينية، إلا أن التململ صار يبدو واضحا على العراقيين الذين أدار الكثيرون منهم ظهورهم لهذه الأحزاب واتجهوا نحو تشكيل صيغ سياسية ديمقراطية وعلمانية وكانوا قبل ذلك قد ضاق ذرعهم بتنظيم القاعدة وطاردوا فلوله بعد أن صار عبئاً وخطراً على المجتمع العراقي، وما تشكيل (الصحوات)، السنية الطابع، إلا إحدى مهام ذلك الحراك الاجتماعي- السياسي الذي صار يتخلق داخل العراق التاريخي المشهود له بالتعددية والتشابك الاجتماعي بين مختلف مكوناته، هذا التشابك الذي فككته السياسات الغاشمة والمستبدة منذ صدام حسن مرورا بالخبث الأمريكي وانتهاء بالمطامع القومية الإيرانية التي باتت لا تخفى على أحد.
أما في سورية فإن الأمور لا تبدو مطمئنة فقط فيما يتعلق بضعف المخاوف من تنامي الأصولية الدينية، بل إن الخريطة الاجتماعية لمكونات المجتمع السوري تنفي وبشكل قاطع وجود أي فرصة لهيمنة دينية على المجتمع السوري، فبحسبة بسيطة سنجد أن الأقليات السورية (الدروز والمسيحيون والعلويون والأكراد والتركمان والآشوريون ) يشكلون ما نسبته 35 إلى 40% من المجتمع السوري، وهؤلاء جميعاً خارج حسابات السلفية الدينية، فإذا أضفنا إليهم، وبأسوأ الأحوال والظروف، نسبة القوى غير القابلة للانحراف نحو التشدد الديني كالقوى التقدمية واليمقراطية واليسارية والعلمانية والقومية والتنويرية وغيرها من التيارات ذات التوجهات غير الدينية فإننا سنكون أمام كتلة اجتماعية تتراوح بين 65 و 70% من المجتمع السوري وهذا ما سيقطع الطريق، في حال وجود نظام ليبرالي ديمقراطي، على كل احتمال بسقوط المجتمع ونظامه السياسي بين براثن الأصولية الدينية، ما يعني أن كل حملات التخويف من القادم (السلفي) هي غير صحيحة سواء في الحسابات أو النوايا.
ثمة ما يستحق القول أخيراً بهذا الصدد، فقد ارتكبت أجهزة الأمن السوري خطأ فادحاً منذ أيام عندما قامت باعتقال عدد من المثقفين والكتاب والفنانين والصحفيين في شوارع دمشق أثناء تظاهر لم يكتمل، وللمصادفة كان بعض هؤلاء من طوائف مختلفة، لا شبهة حولها بـ (الاندساس) السلفي ، وقد كانت هذه ضربة موجعة للجهاز الأمني والإعلامي الذي ما فتئ يتهم الحراك الشعبي في سورية بتورطه بأجندات خارجية، متعامياً إلى حد كبير عن الجذر السياسي للأزمة، هذا الذي كان يتغذى طيلة عقود على مفرزات الفساد والاستبداد، آملين أن يفتح الجميع عيونهم، في وقفة مسؤولة أمام الله والتاريخ، لإيجاد مخرج سياسي شجاع ينقذ البلاد من ذلك المجهول المريع الذي ينتظرها.

التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.