الرئيسية » , , , , , , » روي بيتر كلارك: اعرف الفرق بين التكرار والحشو! | ترجمة: ريوف المطوع

روي بيتر كلارك: اعرف الفرق بين التكرار والحشو! | ترجمة: ريوف المطوع

Written By Gsm Egypt Server on الأربعاء، 10 فبراير 2016 | 8:36 ص

روي بيتر كلارك: اعرف الفرق بين التكرار والحشو!
ترجمة: ريوف المطوع

التكرار الهادف يربط المقاطع.

 يعد التكرار (الإعادة) من الأدوات الكتابية الفعالة، والتي تترك أثرًا انفعاليًّا في النص إذا استُخدِمَت بعناية وبشكلٍ هادف.

فتكرار الكلمات المفتاحية، والعبارات والأفكار في سرد القصة سيخلُق إيقاعًا في النص، وتواتر اللفظة في السياق، وسيضبط بناء الجملة، سيُحدث توافقًا، تماسكًا نصيًّا يعزز الفكرة الرئيسية في العمل الأدبي.

ستجد التكرار في تأليف المعزوفات الموسيقية، في النصوص الأدبية، في الدعاية والإعلان، في إطلاق النكات، في الخطابات السياسية وفنون الخطابة والبلاغة، في التعليم، في الخطب الدينية والمواعظ، في التوبيخ الأبوي. وحتى في جملتنا هذه، كررت الكلمة (في) عشرة مرات.

التكرار يُحدِث انسجامًا وتناسقًا في تسلسل المحادثة وصياغة الحوار، فالتكرار يترك أثرًا انفعاليًّا في نفس القارئ فيساعده على فهم المشهد الأدبي تمامًا كالمواقف الحقيقية، وبالأسلوب الذي يتحدث به الناس.

روي: إني أحتضر، جو. ورم خبيث.

جو: يا إلهي.

روي: أرجوك، دعني أُنهي حديثي. قلة من الناس تعرف عن مرضي، وأنا أخبرك به فقط لأن.. لأني لا أخاف الموت! فلا أعتقد أن الموت سيجلُب أمرًا لم أواجهُّ مسبقًا؟ فأنا عشت حياتي: وما أسوأ الحياة. (يحاكي نفسه، بسخرية). أنصت لكلامي، جو. وافهم الآتي. فأنا فيلسوف. يجب عليك ذلك. يجب، يجب، يجب. الحب؟ مجرد خدعة.  المسؤولية؟ أيضًا خدعة أخرى.  أنا أقول لك هذا، كنصيحة أب لابنه: الحياة مليئة بالشرور، لا أحد ينجو منها. لا أحد.. انتبه لنفسك. مهما كانت الصعوبات، مهما كانت الاحتياجات، مهما كانت التهديدات.. واجه! ولا تخف كالبشر. لا تخف من العيش وحيدًا، عاريًا أمام الرياح الباردة.  على الأقل، تعلم الآتي: اعرف مؤهلاتك. ولا تجعل أحدًا يعيقك، لا تجعل أي شيء يقف في طريقك.

 

هذا الحوار الرائع الاستثنائي اقتُبِس من المسرحية الملحمية (ملائكة في أمريكا) للكاتب توني كوشنر. التكرار ترك أثرًا على مسامعي، فالنص بدا لي كالحقيقة. تأمل الكلمات التي اختار أن يكررها كاتب المسرحية، استخدم التكرار بهدف التوكيد في مقطع مكون من 126 كلمة فقط: (الموت، الحياة، يجب، خدعة، لا أحد، مهما كانت، الخوف، العيش).

التكرار مفيد في الجمل، والفقرات وأيضًا له أثر فعال في تتبع سرد قصة ما. لنأخذ هذا المشهد من مذكرات مايا أنجلو في كتاب (أعرف لماذا يغرد الطائر الحبيس):

اندفع راكضًا من جانب المتجر، مبتلعًا كلماته حيث سمعناه يقول لأمي:  “آني، أخبري ويلي أن يختبئ الليلة، من الأفضل أن يبتعد عن إحداث المشاكل، فهنالك زنجي مجنون تهجّم على امرأة بيضاء اليوم، وسيأتي بعض الصبية هنا في وقت لاحق. “.

حتى بعد مرور كل تلك السنوات، ما زلت أذكر مشهد الرعب الذي أحكم فمي بالهواء الجاف، الحار. وأشعل رهبة جسدي.

“الصبية؟”  أصحاب وجوه الإسمنت ونظرات الكره، تلك النظرات التي قد تتسبب في إذابة الملابس على جسدك في حال رأوك تتسكع في الشارع الرئيسي في قلب المدينة، في أيام السبت.

الصبية؟ أعتقد أنهم لم يعيشوا الصبا! صبية؟ لا.  بالأحرى، كانوا رجالًا مغطون بغبار وعمر المقابر، بلا جمال ولا تعليم. إنه قبح وعفن ما أقدموا عليه من أعمال بغيضة.

حشت الكاتبة النص بلغة مثيرة للانتباه، عبرت في الحوار بلهجة محلية، بالإضافة لاستعارات من الكتاب المقدس. وتكرار كلمة (الصبية) ربطت بين أجزاء النص، حيث أحدثت تماسكًا نصيًّا.

الكُتاب يستخدمون التكرار كأداة للإقناع، والقليل منهم من يستخدمه بإتقان كالمتميز بسيرته في مجال الصحافة -مايكل غارتنر- الفائز بجائزة بوليتزر في الكتابة التحريرية. لنرى هذه المقتطفات المقتبسة من “الوُشوم والحرية”:

لنتحدث عن الوُشوم.

لم نرَ أَذْرُع جاكسون وورن، العامل في الخدمات الغذائية في جامعة ولاية آيوا، لكنها تبدو مقرفة، صليب معقوف (سافاستيكا النازية) على ذراع، و كي كي كي (كو كلوكس كلان) [i] على الذراع الأخرى.

أف! يا له من فعل بغيض..

حتى إدارة الجامعة تجده كذلك، لذلك استجابت لشكوى طالب ما، قاموا بإعادة تعيين وورن لوظيفة أخرى بشكل مؤقت، حتى يكون بعيدًا عن مرأى العامة.

أف! يا له من فعل مشين..

(من صحيفة دايلي تريبيون، أميس، ولاية آيوا)

تكرار غارتنر لكلمة “أف” و”بغيض ومشين” كانت لضبط الحوار، بهدف الحفاظ على حرية التعبير حتى وإن عُبر عن ذلك بطريقة بغيضة.

هل تذكر حارقي العلم في تكساس؟ والمتظاهرين ضد النازية في سكوكي؟ والمتظاهرين ضد الحرب  في كل مكان؟ حماية المواطنين، كلهم دون استثناء. بغيض أحيانًا، مشين أحيانًا، مهين أحيانًا أخرى.

لكن يصح ذكره، دائمًا.

الأداة الأساسية المستخدمة هي التكرار، التكرار، التكرار. ممزوجة بقليل من تغاير الألحان. وفي نهاية كلمة العدد للمجلة، يوضح غارتنر الرسالة التي يريد أن يوصلها من خلال صاحب الوشم للطلاب في الحرم الجامعي، الوشم الذي يبغضه الأغلبية:

الرسالة التي تحاول إيصالها واضحة:

هذه مدرسة تؤمن بحرية التعبير.

هذه مدرسة تحمي المعارضة.

هذه مدرسة تقدس أمريكا.

هذا ما يجب أن يقولوه المسؤولون في ولاية آيوا.

وبالنسبة لجاكسون وورن المُزَين بشعارات الكراهية، هو نفسه يجب أن يكون شعارًا للحرية.

 


التكرار في أيادي فناني الكتابة والشعراء له قوة في رفع مستوى الخطاب، وتفوقه لمستوى الأساطير والكتاب المقدس.

وكما أوضحنا في الأداة العشرين، أن عدد الأمثلة له معنى، وأيضًا هنا -يوجد معنى لعدد التكرارات، ثلاث تكرارات تترك شعور الانسجام الكامل للنص.. أما تكراران فهما للمقارنة وكشف التغاير.. كشعارات الكراهية مقابل شعارات الحرية.

بالنسبة لاستخدام غارنتر للتكرار فهو استخدام مدروس، وليس مجرد مصادفة.  “إنها لَازِمَة”[ii]  قالها غارتنر لتشيب سكانلان:

” التكرار الإيقاعي وإعادة الكلمات لكن بأثر مختلف كل مرة، إنها تكاد أن تكون آلة موسيقية.  أحب مسارح برودواي الموسيقية ولطالما رغبت أن أكتب مسرحية موسيقية. لم أفلح في تأليف الأغاني لكن أستطيع أن أكتب الكلمات، لأني أحب التلاعب بالكلام، القوافي، الأوزان الشعرية والإيقاعات. أحيانا، أعتقد أن هذه الكتابات هي كلمات أغنية لم تؤلف أبدًا”.

التكرار في أيادي فناني الكتابة والشعراء له قوة في رفع مستوى الخطاب، وتفوقه لمستوى الأساطير والكتاب المقدس.

هذه الكلمات، على سبيل المثال -من كتاب ليلة لإيلي ويزل- والمعلقة على جدار في المتحف الأمريكي لذكرى الهولوكوست.

لن أنسى أبدًا تلك الليلة، أول ليلة في المخيم، تلك التي حولت حياتي إلى حياةٍ أطول بسبع مرّات، لن أنسى أبدًا الدخان.

لن أنسى أبدًا وجوه الأطفال الصغيرة، أجسادهم التي تحولت إلى دخان تحت سماء صامتة.

لن أنسى أبدًا تلك النيران التي استهلكت إيماني إلى الأبد. لن أنسى ليل صمت المحرومين من الرغبة في عيش الحياة، للأبد. لن أنسى أبدًا تلك اللحظات التي قتلت إلهي وروحي، وحولت أحلامي إلى رماد.

لن أنسى أبدًا تلك الأشياء، وإن قضي عليّ أن أحيا حياة بطول عمر الإله نفسه.

أبدًا. 

التكرار قد يكون مؤثرًا جدًا، وأيضًا قد يكون مهددًا. وذلك حالة المبالغة في شد الانتباه وتوكيد معنى القصة. إذا كنت قلقًا من المبالغة في التكرار تستطيع أن تطبق هذا الاختبار:

احذف كل التكرارات، واقرأ النص عاليًا، بدون الكلمات المكررة. كرر الكلمات الرئيسية أو المفتاحية مرة واحدة، كررها مرة ثانية. إذا بالغت في التكرار سيتضح ذلك من صوتك، وتأثيره على مسامعك.

ورشة عمل:

1- اعرف الفرق بين التكرار وبين الحشو (والإسهاب الزائد عن الحاجة). الأول مفيد، فالتكرار مصمم ليحدث أثرًا معينًا أما الأخير فلا فائدة منه، مجرد استهلاك كلمات. اقرأ عملك بنفسك، ابحث عن أمثلة كررتها أو أسهبت في تكرارها. ماذا سيحدث لو قللت من الحشو وثَبّتّ التكرار؟

2- اقرأ مقتطفات من مختارات لخطابات تاريخية وابحث عن التكرار، عدّ قائمة لأسباب تكرار الكاتب للكلمات، ابدأ القائمة بهذا السبب: قد يكون التكرار ليساعدنا على التذكر، أو لإقامة حجة، أو لترك أثر عاطفي.

3- حاول أن تعيد كتابة نص إيلي ويزل، كتمرين كتابي. قلل بقدر ما تستطيع من استخدام كلمة “أبدًا”، لكن دون أن تغير المعنى. الآن اقرأ النص الأصلي والنص المنقح الخاص بك -بصوتٍ عالٍ-، وفكر بما توصلت إليه من نتائج.

4- التكرار لا يجب أن يكون بليغًا على نحو مبالغ فيه، على سبيل المثال، تستطيع أن تذكر أو تقتبس رمزًا أو صفة ما، ثلاث مرات في القصة، في المقدمة وفي المنتصف وفي الختام لتربط العناصر بإتقان. ابحث عن أمثلة لهذا الأسلوب من التكرار في القصص الجديدة.

5- ينصح الكاتب الإنجليزي جون روسكن ويقول: “قل كل ما تريد قوله بأقل عدد ممكن من الكلمات، وإن لم تفعل فإن قارئك حتمًا سيتخطى هذه الكلمات. قل ما تريده بأبسط الكلمات المتاحة، وإلا فإنه بالتأكيد سيفهمها بشكل خاطئ”. استخدام هذا المعايير (أقل عدد ممكن من الكلمات وأبسط الكلمات المُتاحة)  يساعدنا في تقييم التكرار في الأعمال المذكورة أعلاه.

[i] (كو  كلوكس كلان)*: Ku Klux Klan واختصارا تدعى أيضا KKK, هو اسم يطلق على عدد من المنظمات الأخوية في الولايات المتحدة الأمريكية منها القديم ومنها من لا يزال يعمل حتى اليوم. تؤمن هذه المنظمات بتفوق الأبيض ومعاداة السامية والعنصرية ومعاداة الكاثوليكية، كراهية المثلية وأخيرا بالأهلانية. تعمد هذه المنظمات عموما لاستخدام العنف والإرهاب وممارسات تعذيبية كالحرق على الصليب لاضطهاد من يكرهونهم مثل الأمريكيين الأفارقة وغيرهم.

[ii] عبارة تتكرر في مقطع قصيدة أو غنوة باستمرار.

المصدر: تكوين

التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.