الرئيسية » , , , , , , » بول شاوول: كل مدرسة شعرية هي نوعاً ما اعتداء على التجربة الفردية

بول شاوول: كل مدرسة شعرية هي نوعاً ما اعتداء على التجربة الفردية

Written By Gsm Egypt Server on السبت، 27 فبراير 2016 | 2:14 م



بول شاوول: كل مدرسة شعرية هي نوعاً ما اعتداء على التجربة الفردية

بول شاوول شاعر خارج التصنيفات، يكتب عندما تتهيأ له تجربة استثنائية تتراكم فيها طويلاً الحالات والقراءات والتاريخ الشخصي والواقعي وتخضع مادة هذه القصيدة للتجريبية، فالشاعر الذي لا يجرب هو شاعر منته بنظره. الشاعر يرى وينتظر ولكن من فترة الانتظار يهيئ أدواته اللغوية جيداً حتى إذا جاءت الحالة يستطيع أن يصوغها والحالة بلغة في مستواه، هو شاعر يشتغل على القصيدة سنة أو سنتين وإذا اكتشفت أنها فاشلة يرميها دون أسى أو رحمة. في كل قصيدة له يختبر مادة شعرية جديدة لا تشبه الأخرى، فديوان أوراق الغائب مختلفة عن «موت نرسيس» والأخيرة مختلفة عن»كشهر طويل من العشق». «البيان» التقت الشاعر والمسرحي والمترجم في هذا الحوار:

* هل على الشاعر أن يكتب كل يوم حتى يرسخ حضوره؟

ـ إطلاقاً الشاعر ليس صحفياً وليس صاحب معطم، في رأي القصيدة مشروع يختمر في الداخل طويلاً إنسانياً واجتماعياً ولغوياً ثم يتحول إلى ورشة طويلة يسوغ بها عمله، بمعنى آخر كل قصيدة هي تجريبية لأن حين يكتب الشاعر كل يوم يقع في الاستهلاك اليومي ويقع في الوظيفة، فالذين يقولون أنهم يكتبون كل يوم لا أعقد آمالاً كثيرة على ما يكتبونه.

* يعني هل فقد الشعر العربي اليوم المغامرة التجريبية؟

ـ القرن العشرين كان قرناً إيديولوجيا سياسياً وفكرياً وشعرياً ومسرحياً، لهذا نجد أن القرن العشرين كان قرن المدارس الشعرية والفنية من الدادائية إلى السريالية وقبلها الرمزية والرومانطيقية، وفي المسرح أيضاً، كل مسرحي تحصن وراده نظريته الخاصة أي أيديولوجيته من أنطون آرتو ومسرح الملحمة إلى غروتفسكي والمسرح الفقير، تقابله في الفلسفة الوجودية والشيوعية والبنيوية واليوم التفككية، في ظل أنظمة شمولية من النازية إلى الفاشية.

القرن العشرون كان قرن الإيديولوجيا في كل اتجاه، وهذا يعني أن النظرية كانت تسبق التجربة، تأسرها سلفاً وتحدد حريتها ولغتها وامتداداتها، لهذا كل مدرسة شعرية كانت نوعاً من اعتداء على الشعر أي على التجربة الفردية، فالشعر عمل فردي وليس عملاً جماعياً، عندنا في العالم العربي انتقلت كل الأيديولجيات الغربية إلى العالم العربي من السريالية إلى الرمزية، زائد أن ارتباط بعض الشعراء بالأيديولوجيا كان يعني ارتباطاً بالسلطة التي تدعي تمثيل الإيديولوجيا وتالياً بالحاكم أو بالحزب. يصبح الشاعر جزءًا من أدوات السلطة أو الحزب أو الجماعة، وإذا اعتبرنا أن الشعر هو الحرية المطلقة فيعني أن كل ارتباط خارج متطلبات الشعر كان قمعاً للشعر.

* نفهم أنك ترفض أن تكون داخل التصنيفات في المدارس الشعرية؟

ـ أنا خارج التصنيفات كلها، كل ديوان وتجربة وكتاب شعر لي ينفي الآخر أي لا يشبه الآخر، فبوصلة الدم تختلف تماماً عن وجه يسقط ولا يصل، وهذا الأخير يختلف عن كتاب «موت نرسيس» وهذا يختلف عن «الهواء الشاعر»، ويختلف عن كتاب «كشهر طويل من العشق». فإذا كنت أرفض أن أقع في تصنيف نفسي فكيف أقع في ما يصنفه الآخرون؟

* لماذا تغيّر موقف الذين كانوا ينادون بالقصيدة الإيدلوجية والسياسية إلى مرحلة ما بعد الإيديولوجيا؟

ـ هذا شيء جميل، لأن الشاعر لا بد أن يستجيب للتحولات، وأحيي كل الشعراء الذين خلعوا الإيدلوجيا وانتموا إلى الحرية ولكن ينبغي أن ننتبه إلى أن هنالك شعراء يركبون الموجات السياسية والإيديولوجية أي أن التحول يأتي من الخارج وليس من التفاعل الداخلي. بعض الشعراء تجار مواقف مثلاً عندنا في لبنان شعراء عديدين كانا إيديولوجيين تحولوا إلى شعراء طائفيين انضموا إلي طوائفهم وقبائلهم وعائلاتهم ومناطقهم، ثم عندما ضعفت الطوائف انتقلوا إلى نقيضها هؤلاء تجار «سماسر» بينما أتكلم عن الشاعر الذي يخضع لتحولات عميقة في داخله وفي علاقته مع العالم.

* هل يخطئ الشاعر الذي يقلّد نفسه؟

ـ هذه نقطة جديرة بالمناقشة هناك شعراء كبار كتبوا القصيدة الواحدة قبل «بودلير» وروني شار» و«أندريه دي بوشيه» وسواهم، هؤلاء عمّقوا القصيدة أو الطريق الشعرية التي بدأوها ووسّعوا آفاقها من دون أن يخوضوها، هناك تقليد الذات يأتي من باب الإبداع العمودي في التجربة الواحدة، هناك آخرون اكتشفوا طريقاً جديدة وظلوا يسلكونها طوال حياتهم دون تعميق بها، مثلاً سعيد عقل هو شاعر كبير جداً لكنه لم يتطور منذ خمسين عاماً وحتى نزار قباني وقع في هذا المطب مع أنه نوع تجربته من دون أن ننسى أهمي هذان الشاعرين الكبيرين.

هناك عشرات الشعراء الذين بدأوا جيداً وانتهوا سيئاً، أو بدأوا بصوت منفرد وانتهوا ببغاء أنفسهم في العالم العربي، لهذا يمكن أن نقول أول تجربة عند معظم شعرائنا هي الأهم. يقعون في الخمول وفي الكسل وفي السعي إلى التكريم والجوائز والمال والسلطة وهذه كلها ضد الشعر. أنا في رأيي أن يقلّد الشاعر الآخرين أفضل من أن يقلد نفسه، على الأقل في تقليده الآخرين قد يضيف جديداً.

* ماذا تغير حول مفهوم قصيدة النثر التي تعتبر أيضاً من روادها؟

ـ مفهوم الشعر بعد القصيدة وبعد قصيدة النثر، اتسع اليوم جداً بحيث تجاوز مفهوم قصيدة التقليدية وتالياً تجاوز مفهوم قصيدة النثر التقليدية، ليس هناك شيء اسمه قصيدة النثر، فاستبدلت كلمة القصيدة بالنص الشعري الذي يستوعب أحياناً القصة أو المقال الشعري أو الحوارية الشعرية أو التفعيلة، لهذا الكلام عن قصيدة النثر كلام ديناصوري لأنه ليس عندها مواصفات جاهزة والذين يتكلمون عن مواصفات جاهزة لقصيدة النثر ينفونها، فيعني أن هذه التسمية قصيدة لم تعد صالحة. نحن في مرحلة ما بعد الشعر في المفهوم التقليدي، هناك شعر بدون عواطف أو شاعر أو مشاحنة وهناك شعر آخر بغنائية من علمي إلى شعر ارتجالي يغني في الشوارع، هناك شعر لغوي، بحت، لم يعد هناك مواصفات ثابتة للشعر أو القصيدة.

الشعر دائماً في المستقبل وليس في الماضي. نريد أن ننتهي من الثنائيات. قصيدة النثر يقابلها الوزن ـ الحداثة يقابلها التراث، الشرق يقابله الغرب، فليس هناك شرق أو غرب في الثقافة، ليس هناك تراث محض أو حداثة محض، كله متداخل هذه الثنائية صنعها القرن العشرين.

فالشعر هو كائن قديم نكتب بكلمات وجمل قديمة. العبقري بين الشعراء هو الذي يستطيع أن يحول هذا القديم إلى جديد، عواطفنا قديمة كالحب والكره والموت، قراءة التراث قراءة فردية وعندما تصبح قراءة ايديولوجيا أو جماعية تصبح قاتلة.

* هل لديك قصائد فاشلة؟

ـ نشرت عشرة بالمئة مما أكتب، هناك قصائد عملت عليها سنة أو سنتين ثم اكتشفت أنها رديئة، فرمتيها دون أسى. الشاعر ينبغي أن يحس أنه فاشل حتى يكتب قصيدة مهمة والشعراء الذين يحسون سلفاً بأنهم ناجحون غالباً ما يفشلون، أما ما نشرته فالحكم ليس لي بل للآخرين هم يعرفون إذا كان هذا الكتاب فاشلاً أو لا، وهذا شيء رائع ويعني التعدد في الآراء، مثلاً هناك من لم يحب «كشهر طويل من العشق» وهناك لم يعجبه «أوراق الغائب» وأعجبه مثلاً «موت نرسيس». فالشعر يقسم الناس ولا يجمعهم.

وكل شاعر جماهيري أشك في شاعريته، وكل شاعر لديه إجماع سياسي أيضاً أشك في شاعريته. لهذا أفضل وأريد أن أبقي رافضاً ومرفوضاً وضد أي تكريس لي.

* لماذا لا نراك في أمسيات شعرية سواء القليل المعدود منها؟

ـ هذا يعود إلى طريقة كتاباتي التي أعتبرها معقّدة ومركبة، لا تستوي إلا بالقراءة المتعددة والمتأملة وليس عندي شعر خطابي أو تقريري ولا عالي النبرة ولا مبسط حتى يصفق له في المهرجانات، أنا أعتبر أن المكان الأول والأخير للشاعر هو الكتاب والقراءة وليس المنبر. ففي لبنان لم أحيي أية أمسية وليس ولا أي نشاط ولا محاضرة ولا ندوة، أتجنّب في بلد طائفي من هذا النوع ومجتمع ثقافي فاسد أتجنب هذه الأمور.

هذا لا ينفي أنه كانت لي أمسيتان شعريتان في فرنسا إضافة إلى مهرجان «جرش» حيث أحييت أمسية شعرية جميلة.

* البعض تخلّى عن الشعر وانغمس في الحياة المادية السائدة واعتبر أن زمن الشعر قد ولّى؟

ـ الشعر يعيش عصره الذهبي اليوم، هناك من ينعي الشعر وهو شاعر، بعض الشعراء يقولون مات الشعر وفي الوقت نفسه يصدرون دواوين، هم الذين ماتوا والشعر لا يموت، فاليوم الشعر بعد عصر الإيديولوجيا أتحداه بالحرية، ففي الماضي كان الشعر الرديء يتكئ على قضية كبرى فيكرّس شاعراً كبيراً.

الإيديولوجيا الكبيرة والقضية الكبيرة لا تصنعان شعراً كبيراً. اليوم الشاعر بات حرّاً متحرراً من الإيديولوجيا والأفكار السابقة. صار الشاعر أمام الشعر إما أن يجيد الكتابة أو لا يجيدها، ليس هناك من يتكئ على عنصر خارجي غير شعري ليكرّس نفسه شاعراً.

بيروت ـ رانيا غانم


   



 



   


التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.