الرئيسية » , , , , , , , , , » حوار دونالد هول: بعد كتابة أول شعر ضعيف قررت أن أصبح ممثلا أو شاعرا

حوار دونالد هول: بعد كتابة أول شعر ضعيف قررت أن أصبح ممثلا أو شاعرا

Written By Gsm Egypt Server on السبت، 6 فبراير 2016 | 8:20 ص




حوار دونالد هول: بعد كتابة أول شعر ضعيف قررت أن أصبح ممثلا أو شاعرا


ولد الشاعر الأمريكي دونالد هول في عام 1928، في «نيو هفن، كونِّكتشاير». بدأ الكتابة وهو مراهق. تخرج من «هارفارد» في عام 1951، ثم أكمل دراساته العليا في «أُوكسفورد» عام 1953. نشر عددا كبيرا من المجموعات الشعرية، آخرها «تفاحات بيضاء وطعم حصاة»؛ مختارات شعرية تتضمن أعمالاً أنجزت ما بين 1946-2006. مجموعته الشعرية «السرير المطلي» الصادرة في 2002 ومجموعة «من دون» الصادرة في 1998 كتبتا بعد موت زوجته الشاعرة «جين كَنيون» جرَّاء اللوكيميا. إنه لمن الصعب تلخيص كل الأعمال والإنجازات والجوائز والتكريمات وشهادات الدكتوراه التقديرية لهذا الشاعر المذهل في أدبه وسياقات حياته. لكننا لا بد ان نذكر أنه الشاعر المتوج باستشارية الشعر لمكتبة الكونجرس الأمريكي في عام 2006؛ بما يعنيه هذا التتويج من قيمة اعتبارية في الأدب الأمريكي. من ضمن أهم أعماله مجموعته الشعرية «اليوم الواحد» الصادرة عام 1988، والتي فازت بجائزة الكتاب الوطني لحلقة النقاد، ومجموعة «الرجل السعيد» الصادرة في 1986، والتي فازت بجائزة «لينور مارشال» للشعر. مجموعته الشعرية الأولى بعنوان «نَفْيٌ وزيجات»؛ كانت كتاب الشعر المختار من  قبل أكاديمية «لامونت» لعام 1956، وحصلت قصيدة «نفي» على جائزة «نيو ديقيت» الانجليزية. 
لقد زامن دونالد هول في عمره المديد شعراء كبار، عاصر مدارس أدبية مختلفة، عايش تحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية هائلة، بما أنه من أمريكا الشمالية؛ مركز العالم المعاصر. في قراءة لمختاراته الشعرية الأخيرة «تفاحات بيضاء وطعم حصاة»؛ كتب «بيللي كولنز» في جريدة «ذا واشنطن بوست»: «تموضع دونالد هول لزمن طويل في التقاليد الشعرية لشعراء اللغة الريفية الخالصة. اعتماده على البسيط في أسلوب صلب يقصي المتلاحقات اللامنطقية في الجملة التقريرية يعطي شعره ثباتاً ويُشيع نغمة ذات سُلطة أصيلة. إنه نوع من البساطة ينجح في شَبْكِ القارئ من السطور الأولى».
 إن لغته سهلة تقارب لغة رجل الشارع. شعريته تنحو إلى الاقتصاد، متجنباً العوامل والأشكال غير الأساسية، بحيث يخلق تأثيراً عاليَ التوتر بأقل الكلمات والصور. قصيدته غالباً ما تتمحور حول حدث ما، تنبثق منها صور تأملية، ورؤيوية تبصر العمق الإنساني في لحظاته النشوانة أو بالغة الهشاشة. يعطي للبسيط واليومي –الذي نمر عليه مرور الكرام- مظهراً وشكلاً آخر، يعطيه دلالة، يعيده إلى حياتنا، بما تعنيه الحياة في أصلها. 
قصيدته النثرية هي ما شدّتني إليه حصراً، بكل سماتها المذكورة أعلاه. وجميع ما ترجمناه في هذا الملف هي قصائد نثر. وقصيدة النثر جزء أصيل من شعره، وتأخذ حيزا كبيراً في مجمل أعماله. حاولنا بقدر الإمكان البقاء أوفياء للنص الأصلي، بتراكيبه وشكله وتشطيرات الجمل وتمظهرها على الصفحة. إن الترجمة خيانة في الأصل؛ خاصة إذا كنا نتحدث عن الشعر وعن شاعر كبير، لكننا لم نقدر على كبح شهوة نقله إلى اللغة العربية العظيمة، لأنها أعمال فذّة في شعريتها وحيواتها. الحوار المترجم هنا يضيء لنا دونالد هول وهو في بيته، في مَعْمله. ويسهل علينا قراءة شعره بما يوفره من معلومات غزيرة عن حياته وفكره. سنلحظ كم هو شيق الحوار مع هذا الإنسان، وكم هو كريم هذا الشاعر، لا يبخل ولا يراوغ. إنه السهل الممتنع.
تقديم:
هذا الحوار مع دونالد هول أجرته: بات جيج وكالتين ماكين في عام 2010، منقول عن: Narrative Magazine.Com
g الشاعر دونالد هول عميد الأدب الأمريكي، يعيش في مدينة «ويل موت» من مقاطعة «نيو هامب شاير»، في منزل حقل ريفي اشتراه جده الأكبر عام 1865، حيث ولدت جدته وأمه، وحيث كان جده يربي أبقاراً وماشية، ويحصد شجر القيقب صانعا منه الشراب. وعبر عمر مذهل من الكتابة، أرّخ  دونالد هول لسيرة هذا البيت كمكان سُكْنى وعمل نموذجي لعائلة من انجلترا الجديدة.
البيت ذو الحجم المتوسط، الهادئ والمنعزل، جعل منه مكان إقامة مثالي لشاعر. الرواق الأمامي مظلل ويطل على الغابة والماء الساكن في «بركة النسر» التي جاءت منها تسمية الحقل المتعارف عليه من قبل الكثيرين من الأصدقاء والكُتَّاب، الذين يراسلونه منذ زمن طويل. إنه لا يستعمل الحاسوب، إنما مساعده هو من يقوم بالطباعة والإيميل، أو عبر الفاكس، الذي يفضله عن غيره من وسائط التواصل الإلكترونية. لكن ردود هول على بريده كانت كريمة على الدوام، بحيث إنه من المستحيل مجاراته في سرعة الرد وعنايته اللطيفه المبثوثة حتى في جملة قصيرة على بطاقة بريدية.
داخل البيت الريفي، الأثاث يعكس حب هول للشعر والفن والرياضة. فوق طاولة القهوة تتموضع تماثيل صغيرة لمشاهير لعبة البيسبول وتمثال آخر صغير من نحت «هنري مور». تجد لوحة «إليزابيت تايلور» والتي رسمها «وارهول» معلقة إلى جانب أعمال لـ«دي كوونينج» و«ماريسول»، وأعلى الموقد المصنوع من حديد الزهر الرمادي تُعَلَّق لوحة الممثل «تشارلز لوهتون». ذلك الموقد المذكور في أشعار هول وفي كتاب أطفال يتحدث فيه عن أمه بعنوان «طفولة لوسي»، كان قد أدفأ البيت لزمن طويل قبل أن يضاف عازل حرارة الى الجدران وقبل نظام التدفئة الحديث، وكان هول قد كتب أوائل أشعاره بقرب هذا الموقد. في هذه الأيام، فانه يعمل في مكتب كان زمن الطفولة غرفة نومه. 
أول قصيدة نشرت لهول كانت بعنوان «منجل يحصد» في مجلة صغيرة وهو لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، عنوانها مأخوذ من أجواء عمله في حقل «بحيرة النسر» الى جانب جده. هنا نتذكر «تولستوي»، الذي مات منذ أقل من عشرين عاماً على مولد هول، هو أيضا اشتغل بالمنجل، وروايته الأولى «آنَّا كَرينينا» تضمنت مديحاً للحصاد. أعمال هول، في جذورها الرومانسية والزراعية، مثلما هو شعره بعنايته الدقيقة بالشكل، يمثل جسرا بين القرن التاسع عشر والحادي والعشرين.
عندما كان عمر هول ستة عشر عاما طلب حضور مؤتمر «بريد لوف» للكُتَّاب؛ باقتراح من مدرس اللغة الإنجليزية في المدرسة الثانوية. المدعوون للمؤتمر كانوا فئتين؛ حضور يشاهدون القراءات وورش العمل، أو المشاركون بأعمال وقراءات. مساعد مدير المؤتمر قَبِل طلب هول، لكنه سيكون من بين النُدُل، وهي فئة أقل مستوى. رفض هول الدعوة، وأصرَّ على الحضور كمشارك، فقبل طلبه. 
في مدرسة «فيليب إكستر» الثانوية، لُقّب بشاعر الصف، لكن رغم هذا النجاح، لم يحب المدرسة. في قصيدة بمناسبة التخرج، نصح زملاءه بأن لا ينسوا أبدا: «كيف كنا بؤساء في هذا المكان».
بعدها بعامين، وخلال دراسته في جامعة هارفارد، كان ينشر أشعاره في مجلتها الأدبية. وكان يتردد على مكتبة الشعر الشهيرة في جامعة «كامبردج»، وفي جنوب «بوسطن» تجمهر على باب الحزب التقدمي بزعامة «هنري ولاس» المترشح للرئاسة الأمريكية حينها. وعمل كعضو في طاقم تحرير مجلة «هارفارد أدْفوكيت» إلى جانب شعراء مغمورين مثل «روبرت بلي»، «جون أشْبيري»، «فرانك أُوهارا»، و«كينّيث كوش»، وواعد الشاعرة «أدْريني ريتش»، التي كان ينشر لها أعمالها في صفحات المجلة. هول اعتبر هذه المرحلة ذات أهمية قصوى في تكوين هويته كشاعر وفي الصداقات الأدبية التي طورها. 
وبعد أربعة أعوام من تخرجه من هارفارد، عاد إليها كعضو في زمالة جمعيتها، مما وفر له الدعم والوقت، دون أن يكون مطالباً بعمل رسمي. في هذه المرحلة، وكعضو في زمالة جمعية جامعة هارفارد، التقى بـ«نابوكوف»، «تي أس إليوت» وغيرهم من العظماء، الذين تقبلوا الرجل الشاب في دائرتهم. في هذه المرحلة أيضاً، أصدر هول كتابه الشعري الأول بعنوان «نَفْيٌ وزيجات»، حيث حصلت قصيدة «نفي» التي جاء منها العنوان، على جائزة «نيو ديقيت» الانجليزية المرموقة، بينما كان قد تخرج من هارفارد وحصل على بعثة إلى جامعة اوكسفورد.
تبع ذلك مهنة التدريس، وفي عام 1969 التقى الشاعرة الراحلة «جين كِنْيون». تزوجا بعدها بثلاث سنوات، وانتقلا إلى «بركة النسر» ليعيشا في المنزل الشعري الى أن توفيت جين من جراء اللوكيميا في 1995. كثير من أشعار هول اللاحقة، التي ضمَّن معظمها في المجموعة الشعرية الشهيرة «من دون» سطعت كمراث تأملية، لتصبح قصة حبهما أسطورة أدبية.
في السنوات التالية لموت جين، كافح هول الاكتئاب، الذي منعه عن الكتابة لفترة. بينما الآن، ونحن قادمون لنجري هذا الحوار، كان هول يعمل، مُكَدّساً فوق مكتبه صفحات من الشعر منسقة في ملفات. 
خلال عمره الذي يناهز التاسعة والسبعين، عمل دونالد هول بشكل يومي دون استثناء.  منجزه يتضمن ثلاثة وعشرين عملا نثريا، خمسا وعشرين مجموعة شعرية، ثلاث مسرحيات، واثني عشر كتابا للأطفال. لكن قلب هول ثابت في الشعر. وكما يقول: «أُبقي مسلكاً إلى قمة الجبل». من خلال هذا الحوار، الذي استغرق يومين، أشركنا في إطلالته من على القمة.
 
الحوار مع دونالد هول
في السطر الأول من مذكراتك «تفريغ الصناديق»، قلت أنك بدأت كتابة الشعر وأنت في الرابعة عشرة من عمرك. كيف بدأ هذا؟

– كنت طفلا وحيدا، ولم أهتم كثيرا بالأطفال في مثل سني. لكن حين كنت في الثانية عشرة كتبت أول شعر ضعيف وقررت أني أريد أن أصبح ممثلاً عظيماً أو شاعراً عظيماً. كل شخص، أو معظم الناس يرغبون في أنْ يكونوا شيئاً عظيماً –«اوليفر ويندل هولمز» قال: «الرغبة في أن تكون استثنائياً هو أمر مألوف». بعدها وأنا في الرابعة عشرة تعرفت على ولد في السادسة عشرة من عمره في أحد اجتماعات الكشافة المدرسية، وكنا نتبجح أمام بعضنا، وذكرت شيئاً عن كتابة الشعر، فقال: هل تكتب الشعر؟ قلت: نعم، وأنت؟ فقال: هذه حرفتي. كان يعرف عن الشعراء الكبار لتلك المرحلة بينما أنا لم أكن أعرف «تي.اس.إليوت» أو «والاس ستيفن» الذي كان يسكن في شارع ليس ببعيد عنا. هذا الصديق الجديد عرَّفني على آخرين في الثامنة عشرة من عمرهم وأخذني معه لألتقي بهم في «ييل»، حيث كنت أجلس معهم ونتحدث عن الشعر. ادَّخرت مصروفي واشتريت بدولارين ونصف المجموعة الكاملة لأشعار «تي.أس.إليوت»، وجعلت والدي يشتريان لي الكتب كهدايا لأعياد الميلاد وعيد مولدي، كُتُب شعر في الغالب. هكذا قررت ان يكون الشعر حياتي.

 اتخذت هذا القرار وأنت في الرابعة عشرة. هل كنت واثقًا من خيارك؟

– لم أكن اعلم إن كنت سأُجيد. لم أكن أعلم اني سوف أنشر أعمالاً. لكني تيقنت من أني أرغب في أن أكون شاعراً. بدأت بإرسال قصائدي إلى المجلات، وتلقيت رسائل رفض من مجلة « ذا نيو يوركر» و «ذا نيو ريبابلك». أحد رؤساء التحرير كتب لي قائلا: «إن كنت حقا في الرابعة عشرة، فلا بأس بك». عندما كنت في السادسة عشرة، بدأت أنشر في مجلات صغيرة. ظننت حينها أنّ جائزة نوبل قريبة في المنعطف القادم، بعدها فهمت أنها كانت مجلات صغيرة وغير محترفة.

ألم تكن تحبط وتثبَّط؟

– كنت طموحاً جداً، ولم أهتم كثيراً للرفض. أُراجع القصائد المرفوضة، فإذا كانت لا تزال تعجبني، كنت أُرسلها إلى مجلات أخرى.

قد قيل سابقًا أنّ النجاح يعتمد على الاستعداد للفشل. هل توافق على هذه المقولة؟

– لقد فشلت في أشياء كثيرة –كتب الأطفال والنثر، إلى جانب أشياء أخرى. لكنَّ الفشل يحملني إلى منطقة العمل بدل التثبيط، لذلك فإن الفشل جعلني أشدُّ توقاً. هذه ليست فضيلة مقصودة، إنها طبيعة.


هل كنت تعرض أعمالك على أحد قبل إرسالها للنشر؟ والديك؟

– لا لم أفعل، رغم أنهما كانا يعرفان أني أكتب. عرضت بعض أعمالي حينها لمدرسة التاريخ، كانت لطيفة، لكنها لم تعرف ماذا تقول، لم تكن مطلعة على الأدب، لذلك توقَّفْت. في المدرسة الثانوية كنت أعرض أشعاري للفتيات. أحد الأسباب لكتابتي الشعر هو أني كنت رياضياً فاشلاً. والطريقة الوحيدة لتكون جذاباً للفتيات في الثانوية هي أن تكون رياضياً، ولم أفلح في ذلك. لكني كنت مهووساً بالنساء ورغبت في مواعدة أحدهن. بينما كان حبي للشعر هو السبب لكتابتي إياه، لكن كنت أرغب أيضا أن أكون شخصاً جذاباً. أن تكون رومانسياً، شاعراً مبدعاً، أظن أنّ فتاتين أُعجبتا بذلك.

أنت تحب النساء. أقصد أن شعرك كله عن النساء. هذا يتجلَّى إلى الذهن بشكل واضح؟

– الشعر حِسّي، بشكل أكبر من النثر. في النثر لديك إيقاع يأتي من الكلمات وتراكيب الجمل. في الشعر لديك أيضاً إيقاع يأتي من التقطيع، تقطيع الجملة في سطور، أو يأتي من الوقفات داخل الشطر الشعري، ومن التأثير الإنفعالي للسجع مع تكرار الكلمات ذات الحروف الصائتة. 

 في مقالاتك يظهر وبشكل مباشر للقارئ أهمية الصوت بالنسبة لك؟

 أنا أقرأ الشعر لمتعة فمّية، فقلبي في فمي، والصوت الشعري هو الطريق إليه. أشعاري غالباً ما تخطر لي بإيقاع وليس كلمات. يمكن لبضع كلمات أن تأتي، دون أن تكون ذات معنى مكتمل أو مفهوم، لكن يوجد إيقاع مميز، صوت داخلي، يبدو أنه يقود العملية الابداعية. كثيرون هم من يرتبطون بالشكل الأكاديمي للشعر. مرة ألَّف «هيلين فندر» كتاباً عن «كيتس» ولم يأت أبداً على ذكر الصوت في شعره، بينما «كيتس» هو السيد والأستاذ في الصوتيات. أيضا «باوند»، و «تومس هاردي».
 لقد ذهب زوج أختي في «بنسيلفانيا» إلى رحلة على صهوة جواد. قال أنه بينما كان ممتطيا فكّر في الشعر إيقاعياً. وكان يتساءل إن كان الناس قبلنا كتبوا شعرا أجمل لتواصلهم أكثر مع إيقاع حركة الخيل. 
– حسناً، السيارة لا إيقاعات لها كما تلك التي عند الأحصنة. كان جدي يُنشد لي أشعاراً في كل الأوقات. لم تكن أشعاراً جيدة، لكنها كانت مضحكة -«كيسي أتْ ذا بات» سيكون المثل الأميز لهذه الأشعار- كان لها إيقاع أغنية «بَمْ بِتي-بَمْبْ»، كان لها توتر إيقاعي هائل.

يبدو أنّ الإيقاع في شعرك تغير عبر السنين؟
– كتابي الأول كان كله إيقاعاً وأوزاناً. لم أعد أحبه كثيرا، وهو إحساس مألوف لدى الشعراء. إصدار الكتاب الأول دائماً ما يكون مثيراً، ومع مرور السنين تكتشف فيه كثيراً من الأخطاء. لكني لا أستغرق في التفكير بما أنجزته سابقاً. أنا أكثر اهتماماً بما أفعله الآن.

 وكيف هو عملك الآن؟

– الصوت في أعمالي أكثر هدوءا عن ذي قبل، وأقل حِسّية، دون قصد مني. في كثير من شعري الأخير، شخصيات مُسِنّة، ومعظم أعمالي الآن في شكل قصيدة نثر دون أوزان. على هذه القصائد أن تحقق صوتها الداخلي، تكتمل به وتغتني فيه. تحدث « ييتس» عن طرطقة الغطاء –لها إيقاع ووزن، لكن لا بد من إيجاده بطريقة مختلفة عن «ييتس». هنا تأتي أهمية السجع وتشطير الجملة الشعرية.
معظم شعر النثر هذه الأيام أفقي غير مهتم بالصوت ولا بتقطيع الأشطر. إنه لمن المعتاد أن ترى سطراً قصيراً من شعر النثر بحيث يُكَوِّنُ كل سطر وحدةً نحوية وكل جملة تنقفل على سكتة. هذا ممل جداً. بدلاً من ذلك؛ بالإمكان ان تكتب سطراً أطول وتنوع في الوقفات الساكتة، أو أن تكتب جملا ذات تناظر كبير –لم أعد أفعل هذا كثيرا- أو ان تكتب سطراً طويلاً يليه سطر قصير دون توقف صرفي بينهما، حيث الكلمة الأولى والأخيرة تأخذ اهتماماً خاصاً. قصيدة النثر تتضمن  في تطورها عبر النص على خاتمة استدلالية تربط كل شيء. أسلوب آخر هو أن تبتدع منطقة استعارية مستقرة، أي أن الاستعارات تنبثق في شكل متواز، فإذا ما كنت تشتغل على استعارات جافة، لا تُدخل في وسطها استعارة تشي بعكس ذلك.

 هل تقرأ أشعارك بصوت مرتفع بينما أنت تكتب؟
– لا أقرأ بصوت مرتفع، لكني أَسْمَع. حتى وأنا أقرأ شعر الآخرين، فأنا أسمعه، دون قراءة عالية. أدائي لشعري أمام جمهور يصاحبه الصوت. لكن حين أقرأ لنفسي أكون صامتاً. وإن كنت أقرأ أجمل نثر من مثل أعمال «هنري جيمس»، فأنا أسمعها. هذه النوعية من القراءة قليل هم من يستخدمونها. عندما كنت أُدَرّس -مدخلا الى الشعر- كنت أقرأه بصوت عال وأتحدث عن شكله وتراكيبه. وعندما درست –مدخلا إلى الصوت- حاولت ان أزرع صوت الشعر في رأس طلابي، حتى يتمكنوا من استخدامه حين يقرءون.
معظم الناس لا يُدرسون الشعر بهذا الأسلوب.
 إنهم يدرسون الشعر كمناسبة لتفسير المعنى؟

– كأنما الشعر لغز وجوابه في نهاية الكتاب! رغبت في تدريس الشعر كشيء حسي في الفم. طبعا كنت أهتم بالجوانب الأخرى. وحين أنتهي من الحديث عن قصيدة، كنت أقرأها بصوت عال مرة أخرى.

 هل تحب أن تقرأ بصوت مرتفع وأنت خارج عملية الكتابة؟
 أنا حقاً أحب أن أقرأ بصوت مرتفع. قراءات الشعر كما نعرفها اليوم لم تبدأ إلا في نهايات 1950، مع «دايلان توماس». قبل ذلك كان يطلب من «تي أس إليوت» أن يحاضر في أمريكا لا أن يقرأ أشعاره. عندما قَدِم «ييتس» الى أمريكا في الثلاثينات كان قد عبر من ساحل إلى ساحل لكني لا أظن أنه قد طُلب منه ولو مرة قراءة أشعاره. كان يلقي محاضرات. كان «فيكيل لندساي» قد قرأ أشعاره كثيراً في العشرينيات، وأيضاً «روبرت فروست»، لكن ولوقت طويل لم يكن هناك سوى واحد في كل جيل. كان هناك «والاس ستيفنز» –وهو قارئ سيء- أو «ماريان موور» وهو أيضاً كان قارئاً سيئاً، ورغم ذلك وبشكل غير اعتيادي كانت تلك القراءات محببة. الآخرون من الشعراء المشهورين كان يطلب منهم القراءة مرة في العام. في أيامنا هذه من المقبول لشاعر جيد أن يقرأ يوميا طوال العام إذا ما كان يحتمل مشقة الترحال. 

ماذا يحدث مع الشعر في هذه الأيام؟
في الخمسينيات من القرن الماضي، عندما احتجت إلى ناشر، فإن كتاباً شعرياً كان يصدر بألف نسخة، أو ربما 750 نسخة من ذات الغلاف المقوى. إذا ما كان الكتاب ناجحاً، فسوف تباع النسخ في سنتين أو ثلاث سنوات. أما اليوم، فإن الإصدار الأول سيكون بعشرة آلاف نسخة. إنه لفرق هائل، يحدث خلال حياتي. هذا لا يعني أنّ الشعر صار أكثر شعبية، لكن جمهوره تزايد كثيراً.
إنه من الصعب قول شيء آخر. عندما كنت يافعاً، كان «رتشارد إبرهارت» في خمسينياته، حيث قال لي أنه ما عاد يَقْدر على الحكم على من هو جيد أو سيء من الكتّاب الجدد. الآن أقرأ أعمالاً معاصرة، أحياناً أتحمس، لكن غالباً ما أشعر أني منفصل. في شبابي كنت عاطفياً تجاه الكتّاب من جيلي –أنت تعرف هذا، تمتدح أحدهم وتنتقد الآخر- ولم أغير رأيي كثيراً تجاه الشعراء الذين عرفتهم حينها. الآراء القوية أفضل من لا رأي، لكن أصبح لدي القليل فقط من الآراء مقارنة مع ذي قبل.

هناك فرق واحد اليوم، ألا وهو ازدهار برامج م.ف.أ (ماجستير في الفنون الرفيعة والكتابة). ما رأيك في هذا؟
– لقد صار من المعتاد مهاجمة برامج م.ف.أ. كتابي «الشعر والطموح» كتبته منذ زمن بعيد. الآن كل واحد في الأغلب أصبح يفعل ذلك، مما جعله أقل جاذبية بالنسبة لي. مازلت أتفق مع النقطة الرئيسية لهذا النقد. إني لا أرى سبباً لتمضية الحياة في كتابة الشعر إلّا إذا كانت الغاية هي كتابة شعر عظيم. مازلت أصر على ذلك.

 هل تزداد صعوبة كتابة شعر عظيم مع التقدم في العمر؟
– لا فكرة لي إن كنت قد كتبت يوماً شعراً عظيماً. على الأرجح لا. وأنا في التاسعة والسبعين لا أظن أني سأكتب ما هو أفضل من منجزي السابق. لا أظن أن شاعراً أنجز أفضل ما عنده في السبعينيات أو الثمانينات من عمره. واصل «فروست» الكتابة حتى ناهز الثمانية والثمانين، حتى «توماس هاردي» تابع الكتابة لعمر متأخر، لكن أفضل إنجازاتهما على الأطلاق جاءت في عمر أبكر. لست عالياً في الأماني لكتابة أفضل منجز لي في هذه المرحلة، لكن أمانيَّ عالية في كتابة أشياء جيدة.

لم لا؟ ماذا اختلف؟
– لم تعد اللغة تثور تلقائياً معي. القصائد بالنسبة لي تبدأ بعبارة أو عبارتين. وربما لا أكون مدركاً كيف سيكتمل النص، لكن عبارة ما تنبثق، وتكون استعارية ذات صوت إيقاعي معين، ومن ثَمّ تنهال الأسطر على رأسي بينما أكون غافياً أو أقود في الريف. تأتي الكلمات أو الأسطر إلى ذهني، وتدريجيا أنجز المخطوطة الأولى للنص. الآن وبينما أقود في الريف، أفكر في المراجعات التي أقوم بها، لكن لم أعد أملك تلك القوة اللغوية المباشرة ذات الشعرية والحيوية من الوهْلة الأولى. ما ينقص الآن هو الوحي، وكتابتي تنحو إلى القصدية بشكل أكبر.

 هل تجد سببا لذلك؟ أهي الذاكرة؟
– لا، ليست الذاكرة. لست أشكو من ضعف في الذاكرة قصيرة المدى بعد. لكن هناك ما هو مفقود من ذهني كان يتواجد قبلاً. قبل بضع سنوات، لم أستطع الكتابة مطلقاً. أخيراً تمكنت من تفقد مخطوطات الأعمال التي أهملتها بعد وفاة «جين». لم أقدر على النظر إلى أكثر من نص أو اثنين؛ كان الوضع كئيباً. لكن أخيراً تمكنت من قراءتها جميعاً. تخلصت من معظمها، لكن أبقيت على ما يتضمن أصالة محتملة. هناك نص عن محاولة الكتابة لكني انتهيت باستخدام لغة رجل عجوز. يتضمن النص استعارات معينة، لكن تنقصه الألعاب النارية، اللغة الإبداعية، استعارة جديدة، وإلى أشباه ذلك. 
التحرير يجعل من الواحد قادراً على الذهاب أبعد مما يظن، على الرغم من ذلك توقفت في 1992 (عمل هول لسنوات كمحرر شعري للمجلة الباريسية الأدبية الشهيرة «ذا باريس ريفيو»، وحرر ما لا يقل عن اثني عشر كتاباً، والتحرير هنا يقصد به الإشتغال على نسخة أولية –لمُؤلّف آخر- وإعادة كتابتها لتكون صالحة للنشر -المترجم). لهذا السبب استمر «إليوت» في التحرير. لكنه كان صغيرا حين مات، في ستينياته. يا إلهي، كلاهما «أُودن» و«لُويل» ماتا وهما في الستين. أقصد أني عمرت عشرين عاما أطول. لم أَمُتْ، لكن «جين فعلت. إن هذا جنون. جنون. أقصد أنها كانت في السابعة والأربعين.

وكانت بالكاد في قمتها الأدبية؟.
– نعم، كتبتْ أشعاراً رائعة، وتمكنت من التعايش – بيعت كتبها وانتشرت بشكل كبير. ربما كانت ستتوقف في الخمسين من عمرها، من يعلم، لكننا فقدنا الكثير بموتها. أُصبتُ بالسرطان في 1989، بعدها في عام 1992 أزالوا نصف كبدي. كانت لدي فرصة 30٪ للبقاء خمس سنوات أخرى، وكنا أنا و«جين» نتوقع موتي القريب. لقد كتَبَتْ أشعاراً رائعة عن موتي القادم. (شُفي هول تماماً من السرطان، بعدها أصيبت زوجته باللوكيميا وتوفيت في 1995-المترجم).  

هل تعيش في فزع من الموت؟
– لا، لا أفعل، وما زلت أدخن. أرتعب من لحظة الموت، وليس الموت. كنت معتاداً على النظر لعشر أو ربما عشرين سنة إلى الأمام. لكن لم أعد أفعل ذلك وأنا في التاسعة والسبعين.

 لقد كتبتَ عن «جين» كثيراً منذ موتها؟. أنا أفكر في «أحد عشر يوما»، ذلك الفصل من سيرتك «أجمل يوم أسوأ يوم» الذي نشرناه لك في «نرَّاتِفْ». كم استغرقك كتابة تلك القطعة عن أيامها الأخيرة؟
 – في العامين الأولين بعد موتها حاولت في كتابة قطعة نثرية عنها، ولم أقدر على ذلك. بعدها بسبع أو ثماني سنين نظرت إلى النثر الذي حاولت البدأ فيه، فأخذني لكتابة سيرتي الذاتية. ما زلت أشعر بها. أقصد أن خط يدها ما زال على دليل الهاتف…..نعم، إنها هنا. لكن بقدر أقل. في العام الأول لموتها كل ما استطعت فعله هو النحيب والصراخ والذهاب إلى قبرها وكتابة أشعار عنها كل يوم.

هل مازلت تذهب الى المقبرة؟
– نعم، لكن بشكل أقل، أقل بكثير. إنها تبعد تقريباً أربعة أميال ونصف على الطريق نزولاً إلى «أندوفر». بعد انقضاء عامين أو ثلاثة من سُكْنانا هنا، زاد عشقنا للمكان، وعرفنا حينها أننا سنبقى هنا إلى أن نموت، لذلك وكنوع من فعل ارتباط اشترينا مكاناً لنا في المقبرة. أولا دخلت فيه «جين» عام 1995، وإسمي موجود هناك على الشاهدة : 1928-…

 بماذا تشعر حين تنظر الى كل هذا؟
أتساءل عن الرقم الآخر الذي سينحت على الشاهدة، لكني لا أقلق لهذا.

بعد وفاة «جين» دخلتَ في مرحلة اكتئاب؟
– دخلتها بعد عام من موتها. أثناء مرضها كنت مليئاً بالقلق، لكن عملية الاعتناء بها بالكاد خلقت شعوراً جيداً. بعد موتها، استغرقت عاماً في البكاء، لكن لم أكن مكتئباً. حزنت لأربعة عشر شهراً، ثم وبشكل فجائي صرت مهووساً كما جهنم. كنت أنام لساعتين أو ثلاث في الليل، وكانت تصرفاتي خطرة جداً.

 هل كنت تكتب حينها؟
كتبت كثيرا عندما كنت في حالة الهوس تلك. هناك قصيدة اسمها «اقتل اليوم»، كتبتها في يوم واحد، صفحة بعد صفحة. لاحقا راجعتها مراراً. كنت في حالة هوس-اكتئابي، او أتنقل بينهما. بعد مرحلة الهوس دخلت في اكتئاب هياجي، مرحلة مليئة بأفكار عنيفة. وأنا أقرأ أشعاري في إحدى الأمسيات، استولت علي فكرة إطلاق بندقية رشاشة على الجمهور. كانت مرعبة. كان لدي الكثير من هذه الأفكار.
عندما كانت «جين» مريضة، كان لدي موضوع واحد –مرضها. بعدها صار لدي موضوع الحزن، الذي كان قاهراً، ومجموعة «من دون» نتاج هذه المرحلة. النصف الأول من مجموعة «السرير المطلي» يتكون من أشعار حزينة، والنصف الثاني يتضمن أشعاراً شبقية تتحدث عن الجزء الآخر من حياتي. هناك نص شعري بعنوان «لَوْعَة»، حيث تحول الحزن في السرير إلى شبق. سطوره الأخيرة تقول: «الشهوة هي حزن/انقلب فوق السرير/لينظر إلى الجهة الأخرى».

 حولتَ كل ذلك إلى شعر.
– هناك إحصائيات تقول أن الشعراء أكثر عرضة للاكتئاب الهوسي بسبعين بالمائة مقارنة بغيرهم. الشعراء يحتاجون الى البقاء متلامسين مع الحدود القصوى للأحاسيس. على الشعر أن يبقى وفيَّاً للطبيعة الإنسانية. لذلك فإن قصيدة سعيدة، أو قل قصيدة سعيدة وطويلة، مستحيلة. السعادة دائما ما تتضمن حزناً او خوفاً من شعور سلبي. مرة كتبت نصاً اسمه «ذَهَبْ»، بعد فترة فكرت: «إن هذا لا يمكن أن يكون جيداً، كله عن الحب والجنس»! ثم اكتشفت أني قتلت العاشقين بجملة واحدة في نهاية النص.

هناك فترة لم تكتب فيها أبداً. ماذا كنت تفعل حينها؟
– أقرأ، وهذا يبدو جيدا بالنسبة لي، لكن إن لم تقدر على فعل شيء آخر، فهو ليس بالجيد. أَقرأُ كل شيء في البيت مما لم أكمل قراءته من قبل. ثم أعيد قراءته من جديد. كانت هناك مرحلة من القنوط ظننت فيها أني لن أكتب مجدداً. لم أجرب هكذا اكتئاباً في احتدامه من قبل. أخيراً استطعت العودة إلى مكتبي. يوجد الآن عشرة أو اثنا عشر نصا شعرياً في عملية الاكتمال، وهو ليس بالكثير مقارنة بما كنت أكتبه. 

لقد كتبت الكثير جداً. ليس الشعر وحده. لقد كتبت عن النحت وعن «هنري مور». كيف بدأ هذا؟
– كانت رحلتي الأولى إلى انجلترا في 1951 ورأيت أعماله في مهرجان أقيم في مكان مفتوح. في 1959 عدت إلى انجلترا باحثاً عن عمل مستقل ومؤقت. وجدت مجلة تبحث عن من يحاور «مور»، لذلك قضيت عدّة جلسات حوارية قصيرة معه، وتواءَمْنا خلالها بشكل جيد. وعندما رجعت إلى الولايات المتحدة، نشرت أول كتاب نثري لي في «ذا نيو يوركَرْ»، وسألت حينها «ويليام شاون»، الذي كان رئيس التحرير، ان كنت أستطيع أن أكتب ملفاً عن «مور». فأجابني بنعم بعد أن تأكد من أنّ لا أحد كان قد كُلّف بهذه المهمة. لذلك عدت إلى انجلترا وقضيت وقتا طويلا مع «مور».  شاهدته وهو يعمل، وهو يلعب تنس الطاولة. قبل هذا لم أكتب قط ملفاً عن شخصية ما، لذلك كان نتاج ما كتبته عن «مور» ضعيفاً، فرفضته المجلة. بعدها نصحني أحد رؤساء تحرير دار كتب بأن أعيد كتابة الملف بحيث يدور كل فصل حول منحوتة معينة من أعمال «مور»، ففعلت ليظهر العمل متكاملاً، ونشرته «ذا نيو يوركَرْ»، ثم ظهر كجزء من كتاب عن «هنري مور».

سمعتُ أن «مور» أخبرك عن سر الحياة.
– نعم. كان في الثمانين حينها –وتوفي في الثامنة والثمانين- وكان قد أصيب بجلطة دماغية أعطبت قليلاً ذاكرته قصيرة المدى، لكنه كان يحب التحدث. قلت له: «حسناً، أنت في الثمانين. أخبرني بسر الحياة؟» قال لي: أن تمتلك رغبة قاهرة تتمركز في قلب حياتك، رغبة في إنجاز شيء يستحيل بلوغه. كان يعمل يوميا، كان يرغب في أن يكون في جودة «دوناتللو» أو «مايكل أنجلو»، وحين ينتهي، كان يفكر:»حسنا، ليس هذا ما أريده»، في اليوم التالي يصبح ليجرب من جديد.

هل أثر «مور» في شعرك؟
– كل شيء قاله عن النحت حولته إلى شعر.  اقْتبسَ عن «رودان»:  لا تفكر أبدا بسطح إلّا كامتداد لحجم». استخدمتُ هذه المقولة في الشعر. الكلمات فوق شيء متفجر يحاول اختراق الكلمات. لقد قال «مور» أشياء كثيرة جيدة. كان فناناً بصرياً يُحسن استعمال الكلمات. عرفتُ «إليوت» و «باوند» قليلاً عندما كنت يافعاً. قابلت معظم العظماء وقضيت وقتاً معهم. قابلت «روبرت فروست». لكني تعلمت عن كتابة الشعر أكثر من «هنري مور».
المحاور: الوسط البصري، الطبيعة المادية للمنحوتة، توفر إيحاء، تقترح أفكاراً لا تأتي من الشعر بذاته.
في الشتاء الفائت قرأت في أمسية بمدينة «كنساس»، ثم ذهبت إلى متحف يحتوي على كثير من المجسمات الصغيرة من أعمال «هنري مور»، كان لها حجم ومقياس رسم محدد. الأشياء الكبيرة يمكن أن يكون لها حجم لكنها دون مقياس دقيق. المعمار يمكن أن يكون فكرة صغيرة لكنها كُبّرت. لكن القطع ذات الأحجام الصغيرة تكون مصقولة بمقاييس دقيقة تنتج الإثارة والجمال. رأيت ذلك في أعمال «مور» وحاولت تطبيقه في الشعر. كثير من النصوص تفشل لأن لها حجماً دون نِطَاق أو مدى تأثير معين. والنتيجة حالة من السأم أو الشعور بأن العمل هزيل. عمل منفوخ إلى حجم العظَمَة. عوضاً عن ذلك يمكن أن تكثف اللغة. كمثال؛ نص يتضمن وصفاً لمنظر طبيعي، عِدَّة صور أو جملة من الأسطر يمكن أن تصف المكان بشكل متواز وحَسن. لكن صورة واحدة أو سطراً واحداً يمكنه القيام بالمهمة كاملة أفضل من الجميع. 

النثر أقل تركيزًا من ذلك؟
– أقل كثافة، أكثر استرخاء. في النثر لديك مساحة للمراوغة والتنوع، بينما في الشعر عليك أن تصيب من المرة الأولى والأخيرة. هذا ما يستدعي العمل على الحجم ونطاق التأثير.

 كيف يلعب الحجم والنطاق في تكوين قصيدة طويلة، مثل قصيدة «اليوم الواحد»؟
– هذا صعب، لأن عليك أن تبقيها مكثفة على مدى زمني طويل. نحو المخطوطة النهائية، عملت بتركيز عال.  بدأت كتابتها قبل سبعة وعشرين عاما من اكتمالها. اشتغلت عليها على مراحل متعددة. في نقطة ما أقرأها على «جين» بصوت مرتفع، لأنتهي من قراءتها بشعور من العار. لم تكن جيدة. لكن بعدها بفترة قصيرة، توصلت الى كيفية الانتهاء من الجزء الأول، ثم ولفترة لم أستطع فعل شيء لبقيتها. لم أتمكن من تنظيمها. بينما كان لدي الكثير من المواد، الكثير من الأسطر، أخيرا اكتشفت كيف يجب أن يكون شكلها، فتمكنت من الاشتغال عليها بتسارع أكبر. لكنها كانت مهمة طويلة. كتبت جُلّها في مكتب بالطابق العلوي. لم أعد أصعد إلى هناك.

ألا تصعد إلى هناك؟ هل هو المكان الذي كانت تكتب فيه «جين»؟
– كانت «جين» تكتب في المطبخ –وكان لها مكتبها الخاص.  كان مكتبي في الجانب الشمال غربي من البيت، ومكتبها في الزاوية الجنوب شرقية. كنا أبعد ما يمكن ان نكون في ذات البيت.
المحاور: لماذا؟
كلانا صموتان وميَّالان للعزلة. أحياناً حينما كنا نعمل، ورغب كلانا في فنجان قهوة آخر، نلتقي عند منتصف الصباح في المطبخ، ولا نتحدث إلى بعضنا. نجتمع وقت الغداء، لكنها كانت سندويتشات خفيفة ولا نتحدث خلالها. كنت أقرأ لها بصوت مرتفع في الظهيرة لمدة ساعة. ثم ننزل إلى القبو حيث توجد طاولة تنس ونلعب لنصف ساعة قبل موعد العشاء. بعدها نقرأ أو نتحدث عن ما كنا نقرأه. كانت «جين» تقرأ بكثافة، بينما أنا كنت نَهِمَ القراءة. كنت أقرأ ما أقدر عليه من الكتب، أقرأ كل مراسلات «هينري آدمز» في ستة مجلدات، بينما هي لن تقرأ سوى «كيتس» خلال عام، «كيتس» وحسب. مراسلاته، شعره، سيرته.  كنت مقتنياً –كان علي أن أمتلك في حياتي قائمة بآلاف الكتب، بينما هي كله «كيتس».

 هل كانت تتحدث إليك عن هذا؟
كنا نبقي على اللا تنافسية بيننا. عندما كانت هي تقرأ أو تتحدث عن «كيتس»، كنت لا أقرأه، كنت أقرأ شيئاً آخر، «هينري جيمس» مثلا، وهكذا.

 ألم تتنافسا أبدا؟
– في بعض الأيام، عندما نستلم ظرفين في البريد، قل مثلاً أن أحدنا استلم رسالة رفض لنشر نصوصه، بينما الآخر باع قصيدتين إلى «ذا نيو يوركر». الذي يكون سعيداً بيننا لا يتحدث كثيرا في الموضوع. عملنا بشكل جيد لنبتعد عن التنافسية. عندما تزوجنا، استلمنا دعوة من أصدقاء لنا للقراءة في أمسية مشتركة، لكنها شعرت بقليل من السوء حين استحوذتُ على كل الاهتمام.

 هل كانت تقول لك ذلك؟
– نعم. كنا منفتحين على بعضنا وصريحين. لفترة توقفنا عن القراءة في أمسيات مشتركة. ثم وفي أحد المرات في «آن أربور»، كنا نقرأ في ليلتين مختلفتين، وفي ما بين الأمسيات التقينا مجموعة من طلاب الأدب، واستحوذت «جين» على ثلثي الأسئلة. كان قد بدأ الناس يعرفونها. فقالت لي: «بيركنز» أظن أنه يمكن لنا أن نشترك في أمسيات القراءة.  لتصبح حالة ممتعة –نقرأ معا، ونتبادل الأدوار.

 هل كنتما تنظران إلى أعمال بعضكما بينما لم يكتمل العمل بعد؟
– على الرغم من أن بيتاً واحداً كان يجمعنا، لم يقترب أحدنا من مكتب الآخر وقال: «خذ وانظر إلى هذا…» . في اللحظة التي يُقرأ فيها عملك من قبل شخص آخر لا يصبح ملكك بشكل كامل. لذلك كنا ننتظر، ونقرأ أعمال بعضنا مرات قليلة في العام. كانت تقول: «بيركنز» هناك بعض المواد على مكتبك. وإذا ما ترك أحدنا عملا ليقرأه الآخر، فإنه يختبئ ويختفي. كنت دائماً ما أعود إليها قائلا: «هممم، هذا سيكون عملا جيدا»، فترد: «هآ، سيكون..؟ كنا لطيفين لا نقسوا على بعضنا: «آآه، شكرا جزيلا». كانت معتادة أن تقول لي وهي صاعدة إلى مكتبها: « بيركنز لا يلتقطها أبدا»

هل تعملان باقتراحات بعضكما؟
– لم يأخذ أحدنا باقترحات الآخر. كلانا كان لا يحبذ شيئا محددا في كتابة الآخر. لم تكن «جين» تحب تكراري لكلمة ما. تعلمت التكرار من «ييتس»، الذي كانت لديه طريقة في التكرار رائعة. لعشرين عاما من حياتي كان «ييتس» في المركز. وفي الجانب الآخر، كنت أنتقد خياراتها في تصريف الأفعال.

 هل كنت تعرض عملك على أي شخص آخر؟
– لم يكن هناك أحد في المنطقة نعرض عليه أعمالنا وهي في مرحلة التكون. كنت أكتب لصديق أثق به. كان «لِيَمْ ركتور» أفضل قارئيَّ؛ كان رائعاً، وكان أحياناً يقترح جملاً كنت أستخدمها. في مرحلة أسبق، قرأَ لي «روبرت بلاي» وكان يضيف سطوراً ويشطب أخرى، وكنت أحياناً أقبل بتعديلاته.

 هل تراسل كثيراً من الناس؟
– عدد ضخم. هناك على الأقل مائة رسالة في الأسبوع.

 مع من كانت أطول مراسلاتك؟
– مع «روبرت بلاي». كنا أصدقاء في الجامعة.
المحاور: هل كانت معظم المراسلات عن الشعر؟
نصف مراسلاتي على الأرجح كانت إلى كتّاب وعن الكتابة، أما الباقي فكانت إلى أصدقاء. أنا و «روبرت بلاي» تبادلنا عشرين ألف رسالة. جميع المراسلات مأرشفة في مكتبة جامعة «نيو هامشاير».

 هل أوراق «جين» مأرشفة أيضاً في مكتبة جامعة «نيو هامشاير»؟
– نعم. رغبتْ في أن تذهب أعمالها إلى هناك. استغرقتُ عاماً لأتخلص من ملابسها بعد وفاتها، وعامين لنقل مخطوطاتها. كان ذلك صعباً. كأنما كانت تموت من جديد. أول أمس فقط وجدت ثلاثة صناديق أخرى من موادّها، أرسلتها إلى «نيو هامشاير».

 ألم تقرأها؟
– نظرت إليها، لكن من الصعب علي قراءة أي شيء. لا أقدر على قراءة مخطوطاتها. أقرأ بضع صفحات، ثم أشعر كأنما أغزو على خصوصيتها. لا يُسمح لأحد بقراءتها الآن. بعد موتي، الجميع يستطيع.

سيكون هناك الكثير لقراءته، بين أعمالك وأعمالها.
– حسنا، لِسِتة وخمسين عاماً كنت أكتب يومياً. دائماً كان هناك شيء ما يجري.
 كل يوم لِسِتة وخمسين عاماً؟ 
– دائماً ما التزمت ولو بقليل من العمل يوميا –حتى في يوم عيد الميلاد. الكتابة يومياً تبقيك على التَماس. أراجع كل شيء، أنت تعرف، خمسين، ستين، مائة مرة. انا لا أكتب شعراً جديداً كل يوم.

 كيف تبقي النصوص التي تشتغل عليها قريبة ومنظمة؟
– أحتفظ بمخطوطات كل قصيدة على حِدَة في ملف، وأرقم المخطوطات من المخطوطة الأولى للقصيدة إلى آخر مخطوطة توصّلت إليها، حتى أتمكن من الرجوع إليها جميعاً لأرى إن كنت قد تخلصت من شيء أحتاجه حقاً.
المحاور: إذن أنت تراجع أكثر من أن تكتب.
المراجعة هي الجزء الأساسي.

 عن ماذا تبحث وأنت تراجع؟
-حين أصل إلى المخطوطة التسعين أو المائة، أكون أراجع تخصيصا الصوت والإيقاع. وهذا يعني الترقيم وتقطيع الأسطر. ما أحاول الوصول إليه يذهب في سياق فكرة موسيقية. الوقفات والنبرات تخلق مركز جذب. عندما تكون لدي جملة نحوية، تتكون على سبيل المثال من حرف جَرّ وصفة واسم، أتساءل إلى ماذا أريد شَدَّ الانتباه؟ إذا ما قطعت الجملة عند الاسم فإن الصفة لن تأخذ اهتماماً كبيراً، وإذا ما رغبت في التركيز على الصفة، فإني أقطع العبارة عند الصفة مما يخلق وقفةً بين الإسم والصفة. أُجرب وأُدوّر مواضع الكلمات، ثم أعيدها إلى شكلها الأول. أستمر في التمحيص والتبديل. تأخذ قصائدي في السنوات العشرين الأخيرة مظهراً غير متناسق على الصفحة. وأنا أراجع، أشتغل على الشكل البصري للنص. إذا ما كان هنالك عشرة جوانب مهمة في قصيدة، فإن الشكل البصري سيكون العاشر، لكنه يبقى مهماً.

 هل تفكر في هذه الجوانب وأنت تنجز المخطوطة الأولى؟
– ليس كثيراً. أدعها تنسكب خارجا عني. لا وقت لأفكر في خيارات السطر الثاني من النص، إن فعلت فَسأُفوت السطر الثالث أو الرابع. الشعراء الآخرون يشتغلون بطرائق مختلفة تماماً، اعتماداً على مزاجهم.

هل تهتم بأساليب الآخرين؟
– نعم، دائماً ما كنت مهتماً بعملية تطور النص أثناء كتابته. لقد كتب «كيتس» قصيدة « غنائية لملاك الليل» دفعة واحدة. راجعها كثيراً، لكنها كُتبت دفعة واحدة. كان «دايلان توماس» يكتب سطراً أو اثنين كل يوم. كان يستعمل صفحات كثيرة ليصل إلى سَطْرَيه. كان يقضي ساعات يومياً من أجل سطرين. يبدو من غير المعقول أن هيكل القصيدة كاملة كانت في رأسه بينما يكتب سطرين كل مرة. نظرت إلى بعض مخطوطاته ورأيت أنه كان يطورها تدريجياً. حقاً لم يكن لقصائده شكلًا في المخطوطات.

 عندما تحدث «دايلان توماس» عن شعره، كان يعطي انطباعا بأنه يعرف هيكل القصيدة وشكلها عندما يبدأ في كتابتها؟
– غالباً ما يكذب الكاتب ولو بشكل نسبي.
إنها الطبيعة البشرية.
– دونالد هول: إنها الطبيعة الشعرية.
دونالد هول:
«وحده موت «جين»
ما زال يزدهر»
إقرار
أنْ تكبر في العمر هو أنْ تخسر كل شيء.
أنْ تشيخ، الجميع يعلم ذلك.
حتى عندما نكون صغاراً
نلمحها أحياناً، ونَحْنِي رؤوسنا
حين يموت أحد الأجداد.
بعدها نُجَدّفُ لسنين في بركة صيفية
مُتَجاهِلين وقانعين. لكن زواجاً،
كان قد بدأ دون مكروه، يتبعثر
إلى حطام على شاطىء،
وصديقُ دِراسَةٍ يقع بارداً
من على جرف صخري.
لو أنّ حباً جديداً يحملنا
بعد منتصف العمر، فسوف تموت زوجاتنا
في ذروة القوة والجمال.
امرأة جديدة تأتي وتذهب. الكل يذهب.
عابرٌ هو العاشق الجميل الذي يعلن أنها عابرة. تلك المرأة الشجاعة،
في منتصف العمر، مقابل عمرنا العجوز،
تغرق في شجنٍ لا تحتمله.
صديقٌ آخر من عقود، يُقْصي نَفْسه
بكلمات تلوث ثلاثين عاما.
دعنا نَخْتَنِقُ في الوحل عند حافة البركة
ونُقِرُّ أنَّ هذا مناسب
وشهيٌ خسارة كل شيء.
ذهب
ذَهَبُ الجدران الفاتح، ذهبُ
قلبِ الأقحوانات، ورودٌ صفراء
في مزهريةٍ مُشْرِقَة. طوال اليوم
مستلقيان على السرير، يدِي
تمسد عميقاً ذهب فخذيك وظهرك.
نمنا وصحونا
داخلين ومستلقين
في الغرفة الذهبية معاً،
بأنفاسنا المتسارعة، المتباطئة.
مداعبة بتكاسل، يدك الناعسة
تلامس شعري الآن.
صنعنا في تلك الأيام
غرفتين صغيرتين، متماثلتين داخل
جسدينا اللذين سيجدهما
الرجال الذين سينبشون قبورنا
بعد آلاف السنين،
مشعة، وكاملة.
تفاحات بيضاء
حين كان أبي قد مات منذ أسبوع
صحوت
وصوته في أذني
قعدت على السرير
كتمت نَفَسي
وحدقت في الباب الموصد الشاحب 
تفاحات بيضاء وطعم حصاة
إذا ما نادى مرة أخرى
فسوف أرتدي معطفي وأنتعل حذاء المطر
نُحْضر الديموقراطية للأسماك
إنَّه لمن غير المقبول أن تفترس الأسماك بعضها.
لراحتها وسلامتها، سنحررها 
في مزارع سمكية، محمية بحواجز متينة
تُقْصي المفترسات. سنقدم عنايتنا
لأجل حريتها، صحتها، سعادتها، وتغذيتها.
بالتأكيد تحتاج جميع المخلوقات للإحساس بأنَّها مفيدة.
عندما تكبر الأسماك ستكتشف الغاية منها.
مطبخ صيفي
في ضوء حزيران العالي وقَفَتْ عند المِغْسَلَة
مع كأس نبيذ،
مُصْغِيَةً إلى طائر الأرز،
ساحقةً الثوم تحت شمس آخر النهار.
راقبتها من مقعدي وهي تطبخ.
زَمَّتْ شفتيها
بينما امتَدَّتْ يدها إلى آنية،
ثم تذوقت الصَلْصَةَ من على أطراف أصابعها.
«لقد جهز الآن. أقْبِلْ»؛ قالَتْ:
«أشْعِلْ الشمعة».
تناولنا الطعام، وتحدثنا، ثم ذهبنا إلى الفراش،
ورقدنا.  كانت تلك معجزة.
سَمَرُ ما بعدَ اللعب
في عشائنا الأول
نظرتُ إليكِ، إلى عينيك الخضراء البَهّية،
على نور شمعة.
ضَحِكْنا وسَرَدْنا مئات القصص،
تَبادَلْنا القُبَل وتعانقنا، ذهبنا إلى السرير.
«اشش، اشش»؛ قلتِ: 
«أرْغَبُ في أنْ أضُمَّ ساقيَّ حول رأسكَ».
عينان خضراوان، عينان خضراوان.
اضْطَجَعْنا على الأرض مع القهوة
ودخّنا سيجارة أخرى
على مَهَل
الرِفْقَة والإيروس اجْتَمَعا،
في سَمَرِ ما بعدَ اللعب.
متأخرةً على العمل الذي تحبين، قُدْتِ بعيدا.
عينان خضراوان، عينان خضراوان.

استعمال

عندما كنت مريضا في السابعة عشرة من عمري كانت هي مساعدة ممرض
في مشفى «سانت رافيل»- في السادسة عشرة، بريئة، ممشوقة، جميلة، وتعيش
في منزل بثلاثة أدوار. بعدما أُرسلتُ إلى البيت،
هاتفتها فتواعدنا لثلاث سنين، كل ليلة جمعة 
وسبت –نتبادل القبل، نتلامس، مكررين كم 
نحب بعضنا، مطلقين الأسماء على أطفالنا، وبحسرة
لا نكمل المشهد. في سنتي الجامعية الثانية،
تركتها، ورسينا ننتحب بدل التقبيل.
وأنا أقود عائدا إلى البيت، خَطَرَتْ جملة: «مَشَيْتُ خلالكِ حتى النهاية»
فوبَّخْتُ نفسي: استعملتُ بُؤْسَها لأجل قصيدة.
بعدها بخمسين عاما عندما توفيت زوجتي، كتبتُ عن دواء «سايْ تُو كْسانْ»،
عن تَشْعيع الجسد كاملاً، عن القيء، وعن الموت الأبيض. لم أقدر على التوقف عن الكتابة.
مرضها الطويل
مع مطلع الفجر حتى نزول الليل
جَلَسَ إلى جانب زوجته في المَشْفى
بينما تَقاطَر العلاج الكيماوي
من أنبوب إلى قلبها.
شرب القهوة وقرأ جريدة الـ«غلوب».
ذَرَعَ المكان جيئةً وذهاباً؛ اشتغل 
على أشعاره، دلّكَ ظهرها
وقرأَ بصوت مرتفع. وهما مغلوبان من الفزع،
انتحبا يُؤَكّدان على مواثيق حبهما، ودونما وعي،
جَدَّدا المواثيق مَرّةً بعد مَرّةٍ.  
عندما سقط الثلج في أحد الصباحات، حَدّقَتْ «جين»
في العَتْمَة المغشوة بالنُدَف.
دَفَعا بِبُطْء مضَخَّة المحلول الوريدي– التي أطلقت عليها «جين»
لقب المحارب- مرورا بمحطة الممرضات، 
وصولاً إلى الباب الخارجي
لتتمكنَ من تَنَشُّقِ الهواء الثلجي.

الصياد

بعد يومين من وفاة «جين»
تمشيت مع كلبنا «جاس»
في شارع كندا الجديد
تحت ظلال البتولا المخضرة
في نيسان، أتحدث بإلحاح،
محاولاً حمله على الفهم.
ابن عرس سريع تراكض
الى الأحراش، و»جاس»
اختفى في مطاردة.
ارتفعت برودة الهواء الرطب
بينما أُصَفّرُ وأنادي
حتى الغسق. ظننت أنه 
حاول أن يلحق
بها في الظلام. بعد ساعة يَئسْتُ
ورجعت إلى البيت
لأجده في الرواق،
متنبها، ومسرورا لرؤيتي،
مُثارا فُضولُهُ لغيابي.
لكن «جاس» لم يعثر عليها
عميقا داخل الغابة؛
لم يرجع بها
كغصن بين فَكَّيْه.

اختباء

أعلم أنها رَحَلَتْ إلى الأبد.
راقبتها وهي تموت، لكن «جاس»
غير متأكد. في غابة البتولا
يَبْحث، يُمْعِنُ، يشكو.
حين سِرْنا إلى البيت اليوم
أخذ يتشمم أريكتها.
«لن تعود»، قلتُ.
فصعد درجات العِلّيَةِ
وألْصَق كامل أنفه
تحت غطاء سلّة الرحلات،
كأنما، وحسب كل عِلْمِه،
أنها تَزَحْلَقَتْ الى الداخل واختبأت.
 
 
 

التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.