الرئيسية » , » ناصر مؤنس يكسر أطباق الكلمات في 'دفتر بغلاف معدني' | عماد الدين موسى

ناصر مؤنس يكسر أطباق الكلمات في 'دفتر بغلاف معدني' | عماد الدين موسى

Written By Hesham Alsabahi on الثلاثاء، 9 فبراير 2016 | 12:53 م


ناصر مؤنس يكسر أطباق الكلمات في 'دفتر بغلاف معدني'


مع تخلصه في قصيدة النثر من المكبلات البلاغية والشكلية، بات الشعر أكثر انفتاحا وقدرة على استيعاب عصره وتوظيف الفنون الأخرى لصالحه، فبات علاوة على استعماله للسرد وغيره من تقنيات الكتابة الخارجة عنه، يتوسل فنونا أخرى كالتشكيل مثلا، وهذا ما ينتهجه الشاعر العراقي ناصر مؤنس الذي يذوّب التشكيل في الشعر، ويمزج البصري بالمسموع وبالمكتوب.



ناصر مؤنس يمزج البصري بالمسموع وبالمكتوب
يعدّ الشعر بالنسبة للشاعر والفنان العراقي المغترب ناصر مؤنس مشروع حياة حقيقيّا، إذ يعمل منذ فترة على إصدار العديد من المجموعات الشعرية جلّها لشعراء من أبناء بلده الذين تشردوا في المنافي؛ يعمل كمؤسسة في شخص، مؤسّسا لدار مخطوطات للنشر في هولندا، حيث يقيم منذ سنوات، ينضّد القصائد ويصمّم الأغلفة ويشرف على الطباعة دون كلل أو ملل، لكن الجديد في مشروعه هو إصداره لمجموعته الشعريّة “دفتر بغلاف معدني” بعدما خبّأ قصائدها -ككل الذكريات الحميمة- في صندوق قرابة ثلاثة وعشرين عاما وغادر البلاد، ومنذ ذلك الوقت ظلّت القصائد حبيسة ذلك الصندوق، ليفرج عنها في زيارته الأخيرة.
مجموعة “دفتر بغلاف معدني”، الواقعة في أربع وسبعين صفحة من القطع المتوسط والصادرة حديثا عن دار مخطوطات بهولندا، تضمنت اثنتين وعشرين قصيدة متفاوتة الطول، إضافة إلى مقدمة طويلة ومسهبة تسرد ظروف كتابة القصائد وتشرح أسباب اختفائها، وكيف عادت لترى النور من جديد، “جرس الذكرى يقرع ليذكر أن لهذا الدفتر حكاية تروى”.

تشبه قصيدة ناصر مؤنس إلى حدّ ما روحه، بل هي مرآة حقيقيّة لتلك الروح الرقيقة للشاعر والفنان المغترب. نجد فيها من شعريّة قصيدة النثر وتقنياتها، بقدر ما فيها من الفنّ التشكيليّ وجماليّاته.

في قصيدة “الشمس دمية منسيّة في الليل”، نقرأ منذ العنوان بورتريها تشكيليّا بلغة شعريّة هادئة تشف حدّ التداخل والاتحاد ما بين ثنائية “الشعر والتشكيل” من جهة، وثنائيّة “السمع والبصر” من جهة ثانية، حيث يقول “الشمس دمية/ تمزج جسدها الفاتر/ برغبة الصبح المشتعلة/ وأنا أحلم/ أحلم بلص يتسلق عمود الهاتف/ ليسرق صوتي/ فأقفز/ من النافذة/ مثل مرآة متشظية/ ترسم سماء مليئة بشموس شاهدتها في الحلم”.

وفي قصيدة “ماكيت للسيد أوريست” ثمّة حكاية أخرى وبورتريه آخر، حيث نقرأ عن دكتاتور يطلب من أشهر رسامي المدينة أن يرسم له ما يضحكه، في إشارة إلى ما حل بالإبداع والمبدع من تهكم وسخرية، وكأن وظيفة الفن تكمن في التهريج.

وفي قصيدة “رجل مجهول” ثمّة حوار صامت بين رجل وامرأة، يختزل ما آلت إليه تلك العلاقة الحميمة بين الكائنات إلى الفتور والروتين اليومي الممل “رجلٌ مجهولٌ/ يلتقي/ امرأة مجهولة/ ويتجهان نحو غرفة مكفنة بالحزن/ في شارع وحيد مهجور”، لتنتهي إلى الصمت وحده “لم يكن للحديث مكانٌ بينهما/ سوى عناق صامت/ وأنفاسهما/ وضمير الخاطب/ أنتِ/ أنتَ”، الصمت لا بوصفه سكونا بل كحالة من الإدهاش، الصادم والمؤثّر.

اللغة المشهديّة لا تفارق أجواء مجموعة “دفتر بغلاف معدني”، وتكاد تكون الثيمة الأكثر بروزا وفي معظم قصائدها. المشهديّة بجمالياتها البصريّة وسرديّتها السلسة، عدا شحنها بمزيد من الصور الشعرية المكثفة والمختزلة ضمن الإطار المقطعي، ومن ثمّ الانتقال التصاعدي من مقطع إلى آخر حتى الوصول إلى الدهشة المرجوة في النهايات، وهو ما نجده في قصيدة “مشهد رقم 4”، حيث يقول “امرأةٌ مجنونة/ تقف في وسط الشارع/ وتوقف سيارة/ فيها رجل يبكي/ عاش مع امرأة لا تخشى البرق./ المرأة مجنونةٌ/ والرجل يبكي./ ويبقى المشهد هكذا”.

مجمـوعـة “دفتـر بغـلاف معـدني”، وهي التاسعة للشاعر ناصر مؤنس، بعد “تعاويذ للأرواح الخربة”، “هزائم”، “حيل ميكانيكيّة”، “عزيزي فيلليني- تعال لرؤية الكرادلة”، “التعاويذي”، “بازبند/ حبر ما لا اسم له”، “الملك”، و”الكتاب الوثنيّ”.

فيها يضيف مؤنس المزيد من الحكايا الشعريّة الأسطورية على غرار ملاحم شعرية خالدة من مثل الإلياذة والأوديسة، وهي عبارة عن قصائد قصيرة ومكثفة، فيها من الحكم والعبر بقدر ما فيها من شعريّة السرد والحدث، بطلها الشاعر نفسه، إذ “يصبح الشاعر جزءا من أسطورة، وتستوعب بنية صنع الأساطير هويته الذاتية” على حدّ تعبير سوزان ستيتكيفيتش.

“هذا الدفتر هو الكيس الذي خبأت في داخله أحلامي الأولى، وفعلت ذلك بصمت وسريّة تامة”، يقول مؤنس.


عمادالدين موسى
العرب
 في 09/02/2016
التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.