الرئيسية » » مدنٌ منزوعة الروح | شيخة حسين حليوى

مدنٌ منزوعة الروح | شيخة حسين حليوى

Written By Hesham Alsabahi on الأربعاء، 10 فبراير 2016 | 12:59 م



مدنٌ منزوعة الروح


  


-         المرّة الأولى هي القاتلة ولا شيء يؤلم بعدها. صدّقيني. انزعي منك شيئا ما وادفنيه في مكان ما... وانسيه.
-         مثل ماذا؟
-         خوفكِ، خجلكِ، روحكِ مثلا.
كان عليها أن تنزع روحها. هي التي تعترض طريقها كلّ صباح وهي تحاول سحب أطفالها الثلاثة إلى الشارع الكبير. نزعتها ذات صباح حينما تكوّر أولادها كالجوع في زاوية الخيمة. كانت جارتها في الوطن واللجوء قد ماتت في نفس الصباح وتركت أطفالا خمسة مع جدّة نصف ميّتة. وأولادها عندهم جدّة ميّتة وأبٌ لا يشبه الآباء.
وجدت لها زاوية في شارع أنيق تصطادُ منها شفقة المارّة. تترك نفسها وأولادها فريسة القذارة وتعتني جيّدا بملامح الحزن المعلّقة على وجهها، ثمّ تمدُّ يدا خجولة سرعان ما صارت يدا جريئة وقحة تغتصب ضمير المارّة وجيوبهم.
تتساقط القطع النقديّة في يدها. تجمعها في منديلها وتدسّها عند التقاء ثدييها. تعود آخر اليوم وقد مضغت الجوع وبصقته في أطراف المخيّم. زوجها الذي اكتفى في البداية بدور المراقب من بعيد، يكتفي الآن بدور القوّاد؛ يدعو لها في الصباح أن يرزقها الله وأطفالها ويعود لنومه.
بعد عام ونصف في الشارع الأنيق تعلّمت لغة جديدة وأصنافا ملوّنة للموت الآدميّ.
غدا صباحا ستحملُ أطفالها وترحل إلى مدنٍ بعيدة، إنْ حالفها حظّ المحزونين ستعمل في تنظيف البيوت، وقد يحظى أولادها بمدرسة وبيت، أو بيتٍ ثمّ مدرسة.
يدها ستروّضها على أعمال أخرى.
في القطار زاحمت الرّكّاب. لم تجد مكانا، فافترشت الأرضَ مع أطفالها. داهمها النوم والحلم. استيقظت بعد حلمين لتجد يدَ صغيرتها ممدودة وعامرة بالقطع النقديّة.
بعد محطّتين غطّت طفليها جيّدا وتركت في عنق طفلتها الكبيرة حجابا هرّبته معها إلى اللجوء. ودلفت من باب القطار. خفيفة جدّا وخالية من كلّ شيء.
وهي تحاول بذاكرتها السمكيّة أن تستعيد متى وأين نزعتْ روحها؛ داهمها سؤال ملحٌّ: أيُّ قطار سيوصلها الآن إلى مدنٍ بلا روح؟







التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.