الرئيسية » » العاصمة | غياث المدهون

العاصمة | غياث المدهون

Written By Hesham Alsabahi on الخميس، 11 فبراير 2016 | 6:31 ص

ـ ما هي عاصمة الكونغو الديمقراطية؟
ـ أنتويرب.

صورة الشاعر غياث المدهون. تصوير كاتو لين

في هذه المدينةِ التي تتغذى على الألماس.
تنمو الأسلاكُ الشائكةُ في قصائدِ الشعراء.
تموتُ المواعيدُ في الرزنامة.
تتوقفُ يديْ عن لمسِ شفتيكِ.
يتوقفُ رجالُ الشرطةِ عن الضحكِ.
تتوقفُ سيارةُ التكسي التي قُتل سائِقُها برصاصةِ قناصٍ في دمشقَ أمامَ المحطةِ المركزيةِ في أنتويرب. 
يتوقفُ الإرهابُ في البلاي ستيشن.
وأنا أتأبطُ نفسي وأتوقفُ عن التوقفِ.
أفكرُ في المسافةِ بين شفتيَّ وجلدكِ.
كأنَّني لم أُولدْ في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينين في دمشق عام ١٩٧٩.
كأنكِ لم تُولدي في مجرة دربِ التَّبَّانة.


في هذه المدينةِ التي يمسحونَ فيها الدَمَ عن الألماسِ بنفسِ العنايةِ التي يَمسحُ بها الأطباءُ الدَمَ عن جرحِ مصابٍ قاموا بإنقاذِ حياتِهِ.
أمرُّ خفيفاً كما تَمُرُّ دبابةٌ على الإسفلت.
حاملاً قصائدي مثلَ بائعٍ متجول.
كُلَمَا سِرْتُ باتجاهِ البحرِ أكلتني الصحراءُ التي تَخرجُ من حقائبِ المهاجرين.
ومن جواز سفري الذي لم يعترفْ بهِ أحدٌ سواكِ.
أنا صاحبُ القصائدِ التي تتحدثُ عن الموتِ وكأنَّها تتحدثُ عن الأمل.
وعن الحربِ وكأنَّ الله موجود.
منذُ ماتَ أصدقائي أصبحتُ ذئباً وحيداً.
أحاصرُ الفرحَ في الزاوية وأدوسهُ كحشرةٍ ضارة.
أصدقائي الذين قُتلوا تحتَ التعذيبِ يجلسونَ بجانبي بكامل أناقتهم وكأنَّنا في حفلِ استقبال.
وأُمي تتفقدُني عبرَ الأسلاكِ.
لكي تتأكدَ أنَّني لا زلتُ أبولُ على هذا الكوكبِ.


لقد نظَّفتُ غرفتي من أيِّ أثرٍ للموت.
كي لا تشعري حينَ أدعوكِ إلى كأسِ نبيذٍ.
أنَّنِي ورغم أنِّي في ستوكهولم.
لا أزالُ في دمشق.


في هذه المدينةِ التي تتغذى على ألماسِ الدَمِ.
أتذكرُ عرسَ الدَمِ.
أتذكرُ النسيانَ.
أقفُ في منتصفِ صورةٍ جماعيةٍ بالأسودِ والأسودِ تجمعُ شعراءَ مرُّوا من هنا.
تُحيلني الهوامشُ التي تركتيها بجانبِ قصائدي إلى الحزنِ.
يتحولُ قلبي إلى فزَّاعةٍ خشبيةٍ لطردِ طيورِ هيتشكوك.
قلبي البريءُ الذي لا يحتمل.
يصبحُ قاسياً كالكلماتِ الصريحةِ.
ويتحولُ الشارعُ إلى دفترٍ.
أنتِ الوحيدةُ التي باستطاعتها تحويلُ الشارعِ إلى دفترٍ.
تمسكينَ ببراءةٍ يَدِيْ لكي نقطعَ رأسَ السنةِ.
فينهارُ البنك الدولي.
وتقفُ الطبقةُ الوسطى ضدَّ المُهاجرين.
يقفُ رجلُ الأمنِ مُسلحاً بالتاريخِ ليرسمَ سدَّاً بين الضواحي والفرح.
يقفُ لونُ البشرةِ مثلَ حاجزِ تفتيشٍ بيننا.
بين الميناء الذي يستوردُ الحرية.
والشارعِ الممتدِّ من المقبرةِ إلى غرفةِ النومِ.
لمْ تتعبْني الحربُ.
بل القصائدُ التي تتحدثُ عن الحربِ.
لم تتعبْني المدنُ الباردة.
لكنَّها أكلتْ أصابعي تلكَ القصائدُ التي تتحدثُ عن المدنِ الباردة.
وأنا لا أستطيعُ الرقصَ دونَ أصابعي.
لا أستطيعُ أنْ أُشيرَ إلى الشرقِ دونها.
سكتةٌ قلبية تقتلُ ساعةَ الحائطِ.
وأصدقائي يشهدونَ زوراً بأنَّ الحياة رائعة.
هذه المدينةُ تنهارُ إلى الداخلِ كأنَّها ثُقبٌ أسود.
أقصدُ ثقباً أخضرَ.
والشارعُ يركضُ خائفاً.
إنَّها المرةُ الأولى التي أَرى فيها شارعاً يركضُ في الشارع.
أنها المرة الأخيرةُ التي أرى فيها بيتاً يتكئُ على ضحكةِ المرأةِ الحزينةِ التي نسيتها في المطبخ ليظلَّ واقفاً.
وعلى رائحةِ التوابلِ التي بعثرتها القذيفةُ ليظلَّ حيَّاً.
الجيرانُ هربوا دونَ أنْ يُغلقوا النوافذَ المفتوحةَ على المجزرة.
دونَ أنْ يُغلقوا كتابَ فنِّ الطبخِ المفتوح على الصفحةِ رقم ٧٣.
عصافيرُ الشجرةِ المجاورةِ انتقلتْ إلى البيتِ.
سكنتْ في خزانةِ المطبخِ النصفِ مفتوحةِ.
ستقتُلها قذيفةُ هاون من عيار ١٢٠ ملم صُنعتْ في الاتحاد السوڤييتي عام ١٩٨٧لمحاربة الإمبريالية.
الكنارُ ماتَ من الجوعِ في القفص.
إنها الحرب.
تموتُ الكناراتُ من الجوعِ في أقفاصها حين يختفي سَجَّانُها.
سَجَّانُها الذي خرجَ من البيتِ ولم يَعُدْ.
البيتُ الذي انهارَ على قصائدِ الشعراءِ الذين خانتْهُم بلادُهُم.
بلادُهُم التي كانوا يبكونَ منها وأصبحوا يبكونَ عليها.
هاهم يقرأونَ حُزنَهم أمامَ الغرباء.
بقصائدهم يكسرونَ الوقتَ.
بأيديهم يقرعونَ الأجراسَ.
لكنْ لا أحد لديه الوقت ليسمعَ الصدى إلا بعضُ القتلى.
والنادلةُ في البارِ تفتحُ معي نقاشاً حول أحقيةِ السوريين في الموتِ بطريقةٍ لائقةٍ حيثُ يكونُ الجسدُ كاملاً.
قطعةً واحدةً.
وعن الوحدةِ.
عن أحقيةِ أنْ يجدَ المرءُ شخصاً ينامُ بجانبهِ في المساء.
وأنْ يتركَهُ نائماً حين يذهبُ إلى عملهِ في الصباح.
دونَ أنْ يَطلبَ منهُ الرحيلَ.
حسناً.
لِنُنْزِلْ عن ظهرنا هذا الكيسَ المليءَ بالحجارةِ.
ونصرخ بصوتٍ خافتٍ عن طريقِ الكيبورد.
نحنُ الموقعونَ فوقَ الإسفلتِ.
نُعلنُ أنَّنَا تعبنا.
وأنَّنَا بِغَضِّ النظرِ عن خلفياتنا التي أتينا منها.
فإنَّنَا نُعاني من نفسِ الخراء.
أنا أيضاً مثلكِ أسكنُ وحيداً في شقةٍ بثلاثِ نوافذ.
اثنتانِ تُطلانِ على أنتويرب.
أما الثالثة فهي شاشةُ كومبيوتري التي تُطلُّ على دمشق.
ـ هل زرتي دمشق؟
ـ لا 
ـ حسناً، سوفَ أحاولُ أن أصِفها لكِ، درجةُ الحرارةِ في الصيفِ ٣٧˚، إنَّها المدينةُ التي تتطابقُ فيها درجةُ الحرارةِ في الصيفِ مع درجةِ حرارةِ جسمِ الإنسان.
ـ هل زرتِ أنتويرب؟
ـ لا 
ـ حسناً، سوفَ أحاولُ أن أصِفها لكِ، إنَّها ألماسةُ دَمٍ تتلألأُ خلفَ الواجهاتِ المضاءَةِ بالأبيض، بريقُهَا يعكسُ ظلالَ رجلٍ أسودَ وجدَهَا في كينشاسا ثم وُجِدَ مقتولاً برصاصةِ صديقِهِ من أجلِ أنْ ترتدي امرأةٌ من مونتريال خاتماً فيه حجرُ ألماسٍ مصقولٌ في تل أبيب أهداهُ لها زوجُهَا المولودُ في بيونيس أيريس حين كانا في رحلةٍ إلى صحراءِ أريزونا لكي تسامِحَهُ على خيانتهِ لها مع صديقتها الجنوبِ أفريقية حين كان يغسلُ أموالهُ في دبي.
ـ هل تعلمينَ ما هو وجهُ الاختلافِ والتشابهِ بين الصحراءِ وغسيلِ الأموال؟
ـ لا
ـ الاختلافُ أنَّ الصحراءَ تحتاجُ إلى ماءٍ، أمَّا غسيلُ الأموالِ فلا.
ـ والتشابه؟
ـ التشابهُ هو أنَّ غسيلَ الأموالِ هو غسيلٌ جافٌ، جافٌ كالصحراءِ التي في أريزونا.


حسناً، لا مجالَ للإنكارِ أنَّنِي أسبحُ فيكِ كما تسبحُ فراشةٌ داخل الماغما.
وأطعمُكِ كلماتي لكي تكبري ببطءٍ كما تكبرُ رقعةُ الدمارِ التي أحدَثَهَا ارتطامُ حزنكِ بأيَّامي.
لقد كانَ لوجودكِ في حياتي أثراً سلبياً على شِعْرِ ما بعد الحداثةِ في النصفِ الشمالي من الكرةِ الأرضية.
ويجبُ أنْ أعترفَ لكِ أنَّ الكثيرَ من قصائدي قد انتهتْ مدةُ صلاحيتها بسببِ الظهور المفاجئ لمجازاتكِ فيها .
وأنكِ ساهمتِ من خلالِ حملاتكِ الممنهجةِ لإضافةِ الهوامشِ إلى نصوصي في إحداثِ ثقبٍ في الخزَّانِ الذي يحفظونَ به اللغةَ العربية.
وأنكِ قمتِ بإحيائي مع سبقِ الإصرارِ والترصدِ.
وهذ جريمةٌ يُعاقِبُ عليها دستورُ الشعراء.
وأنَّ تفاصيلكِ المبعثرة في أرجاءِ منزلي تثيرُ شهوتي لكي أرمي التلفزيونَ من النافذة.
وأجلسَ لكي أشاهدَكِ أنتِ حين تقومينَ بقتلِ الوقتِ.
أعترفُ أيضاً أنَّ هناكَ الكثيرَ من الأشياءِ المريبةِ التي بدأتْ بالحدوثِ منذُ شممتُ رائحةَ نهديكِ.
على سبيلِ المثالِ:
كسرتُ العديدَ من كؤوسِ النبيذِ خلالَ الفترةِ التي انتقلتِ بها إلى منزلي.
أغلبُهَا انتحرتْ بالقفزِ من يَدِي خلالَ محاولتي غسلَهَا من بقايا أحمرِ شفاهِكِ.
سرقتُ بعض الوقتِ لكي أجعلَ يومي ٢٥ ساعة. 
زَوَّرْتُ ملامحي لكي أبدُو سعيداً.
أحببتُكِ.
قُلتُ في حوارٍ صحفيٍ بعدَ أنْ التقيتُكِ إنَّنِي لم أكذبْ في حياتي سوى مرتين.
وكانتْ تلكَ كذبتي الثالثة.
ورغمَ كلِّ التراجيديا السعيدة التي تمرُّ بها حياتي.
رفضتي أنْ تُطلقي رصاصةَ الرحمةِ على رأسي حين رجوتكِ أنْ تفعلي.
ومنحتيني حياة جديدة. 
تتهمينَنِي بعدمِ الموضوعيةِ في قصائدي، حسناً، لم أكنْ موضوعياً طوالَ حياتي، لقد كنتُ دائما منحازاً وأكيلُ بمكيالين، كنتُ منحازاً للسودِ أمام العنصرية، للمقاومةِ أمام المحتلين، للميليشياتِ أمام الجيوش، كنتُ منحازاً للهنودِ الحمرِ أمام الرجالِ البيض، لليهودِ أمام النازيين، للفلسطينيين أمام الإسرائيليين، للمهاجرين أمام النازيين الجدد، للغجرِ أمام الحدود، للسكانِ الأصليين أمام المستعمرين، للعِلْمِ أمام الدين، للحاضرِ أمام الماضي، للنسويةِ أمام البطريكية، للنساءِ أمام الرجال، لكِ أمَامَ النساء، لكافكا أمام الروتين، للشعرِ أمامَ الفيزياء.
الفيزياء.
لعنةُ اللهِ على الفيزياء.
لماذا يغرقُ المهاجرونَ وبعدَ أنْ يلفظوا أنفاسَهُم الأخيرة يطوفونَ فوقَ وجهِ الماءِ؟
لماذا لا يحدثُ العكسُ؟
لماذا لا يطفو الإنسانُ حين يكونُ حيَّاً، ويغرقُ حين يموتُ؟


حسناً.
فلنُسمي الأشياءَ بمسمياتِها.
الكتبُ مقابرُ للقصائدِ.
البيوتُ خيامٌ اسمنتيةٌ.
الكلابُ ذئابٌ ارتضتِ الذُّلَّ.
سجادةُ الصلاةِ تذكرُنِي ببساطِ الريح.
غرفتي وقعتْ بحبِ حذائِكِ الأخضر.
أنا أغرقُ فيكِ كما يغرقُ السوريونَ في البحارِ.
يا إلهي.
أنظري إلى أين أوصلتنا الحربِ.
حتى في أسوأ كوابيسي لم يخطر لي.
أنَّنِي في يومٍ من الأيامِ.
سأقولُ في قصيدةٍ.
أغرقُ فيكِ كما يغرقُ السوريونَ في البحار.

ــــ ــــ ــــ

كلُّ قذيفةٍ تسقطُ على دمشقَ إنَّمَا تُمَزِق صفحةً من كتاب ديكارت.


حينَ وُلِدْنَا.
كانتِ الحياةُ ملونةً.
وكانتِ الصورُ بالأسودِ والأبيض.
اليوم أصبحتِ الصورُ ملونةً.
وأصبحتْ الحياةُ بالأسودِ والأبيض.


[كُتبتْ هذه القصيدة لصالح مشروع "كتاب المدينة" "سيتي بوك" أنتويرب الذي يقام بالتعاون مع البيت
الفلامنكي الهولندي "ديبورين" الجيران.]
التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.