الرئيسية » , , , , , » روي بيتر كلارك: تسلَّق سُلَّم التجريد صعودًا ونزولاً ترجمة: رؤوف علوان

روي بيتر كلارك: تسلَّق سُلَّم التجريد صعودًا ونزولاً ترجمة: رؤوف علوان

Written By Unknown on الاثنين، 18 يناير 2016 | 2:07 م

روي بيتر كلارك: تسلَّق سُلَّم التجريد صعودًا ونزولاً
ترجمة: رؤوف علوان
 


تعلّمْ متى تعرض، متى تخبر، ومتى تقوم بكليهما معًا.

الكُتّاب الجيّدون يصعدون ويهبطون سُلّمَ اللغة. في الأسفل سكاكين حادّة وحبّات مِسبحة، خواتم زيجات وبطاقات بيسبول. في الأعلى كلمات تصل إلى معنى أرفع، كلمات مثل الحرية والمعرفة. احذَرْ من منتصف درجات السّلّم حيث تكمن رتابة البيروقراطية وروتين التكنوقراط. في المنتصف إلى الأعلى يشارُ إلى المعلّمين بمرادفات دوام-كامل، ويُطلقُ على دروس التعليم وحدات توجيهية.

سُلّم التجريد يبقى واحدًا من أهم النماذج المبتكرة نفعًا في التفكير والكتابة على الإطلاق. بدأت شهرته على يد هاياكاوا S.I. Hayakawa في كتابهِ اللغة في حركة عام 1939، تمّ اعتماد السُّلّم وتطويعه في مئات الوسائل ليساعد الناس على تأمّل اللغة والتعبير عن المعاني.

أسهل طريقة لنفهم هذه الأداة أن نبدأ من اسمها: سُلّم التجريد، إنه يحتوي على اسمين، الأوّل: سُلّم، وهو أداة معينة كما ترى، نمسكه بأيدينا، ونتسلقه. إنه يتطلّب مشاركة الحواس. بإمكانك استخدامه في أشياء كثيرة. كأن تضعه أمام شجرة لتنقذ دمية هرّ الفودو. يثبُتُ السّلُم على أرض اللغة الصّلبة. لهذا حين تسقط من السّلّم من علوّ شاهق، قد تنكسر قدمك. قدمك اليمنى. المزينة بوشم عنكبوت.

الاسم الثاني هو: التجريد. ليس له طعم ولا رائحة ولا يمكنك قياسه. وليس من السهل تفحّصه. لأن الحواس لا يمكن أن تشعر به، إنما هو يتبدى للفِكر والعقل. (إن التجريد) فكرة تتوق إلى التجسد.

يكتب جون أبدايك في مقالته عام 1964:“نحن نحيا في عصر الاختراعات التي لا مبرر لها والتطورات السلبية.” تلك لغة تجريدية، لكن ما هو البرهان الملموس الذي سيقدّمه أبدايك في خلاصة مقالته؟ الجواب يكمن في الجملة الثانية: “خذوا مثلًا علبة الجعّة.” ولكي أكون أكثر تحديدًا، يشتكي أبدايك من أن لسان فتح علبة الجعة هو اختراع أفسد التجربة الجمالية لفتح العلبة. إن لسان علبة الجعة تقع في أدنى السّلّم، وخبرة جمالية تقع في أعلاه.

تَعلّمْنا درسَ اللغة هذا في الحضانة عندما كنا نلعب (أخبرني ما هو) حين نعرض على الفصل بطاقة بيسبول لميكي مانتيل تعود إلى 1957، كنا عندها في أسفل قاع السّلّم. وعندما كنا نخبر الفصل كم هو عظيم الموسم الذي خاضه ميكي في 1956، نبدأ بتسلّق السّلّم باتجاه معنى العَظَمة.

 ها هو أبدايك مجددًا من روايته  تزوجني:

 خارج نافذة غرفة نومهما، بجانب الطريق، وقفَتْ شجرة دردار ضخمة، واحدة من القلائل التي نجت في غرينوود. الأوراق الجديدة كانت تنجدل بعد اللحظة التي فيها البراعم تتفتح، بألوانها الباهتة، المغبرة، بحجاب ليس كثيف بما يكفي ليُخفي تشريح الأغصان. أغصان مثنية، بهيبة، ثبات: اطمئنان مريح لعينيها. من بين كل الأشياء التي يناله بصر رُوث، شجرة الدردار كانت أكثر ما أقنعها تقريبًا بشعور كونيّ من السلام. لو طُلِبَ منها أن تتصوّر الله، سوف تتصورّه بشكل هذه الشجرة.

بينما أبدايك يهبط نزولاً على السلّم من “اختراعات لا مبرر لها”، إلى “علبة جعة”، يذهب هنا في الاتجاه الآخر، وصولًا إلى ارتفاعٍ من المعاني بتسلقه “شجرة الدردار الضخمة”، نحو “شعور كونيّ من السلام.”

كارولين ماتيليني، معلّمة كتابة مُلهِمة من جنوب كارولينا، علّمتني بأني عندما أكتب نثرًا لا يستطيع القارئ أن يراه أو يفهمه، فإنني غالبًا أكون محتجزًا في منتصف السّلّم. كيف تبدو اللغة من وجهة نظرها في منتصف السلّم؟ دعوني أجيب بقصة من أحد المدارس المفضلة عندي في فلوريدا، مدرسة مارجوري كينّان رولينغ الإبتدائية. المعلّمون فيها منذ عام 1992 وهبوا أنفسهم لمساعدة كل طفل على تعلم الكتابة. خلال ورشة عمل هناك، سألتُ المديرة إن كانت المدرسة لديها نشرة إعلان أو تصريح عن مهامّها. فأرسلتْ مساعدًا أحضر لي ورقة فخمة من عدة صفحات:

مَهمَّتنا هي تطوير جهد الطالب وبذاك نُعدُّ التلاميذ لتعليم متتابع في المرحلة المتوسطة والثانوية. هذا التعليم المجتمعي سوف يحقق هذه المهمّة عن طريق تطوير وتطبيق نظام تعليم عالمي. يتم فيه متابعة المنتسبين بتطبيقات مستمرة ذات جودة فائقة ومسؤولية تقابل تطلعات الزبون.

إني لم أخترع هذا من عندي. لديّ الأصل في مكتبي إن شئت رؤيته. كيف انتهى به الأمر إلى مكتبي؟ بحركة من الشجاعة والتفاني من أجل الكتابة الجيدة، قمت بسرقته. قبل وقت ليس بطويل، أرسلَتْ لي المديرة بطاقة صغيرة تخلو من الرطانة واللغة البيروقراطية المملة. كُتبَ فيها: “مهمّتنا: تعلّم الكتابة، والكتابة بالتعلّم.” ولأنني أحمل الكثير من الودّ للمعلّمين والمديرة، أعلنُ بأن هذا أعظم تنقيح في القرن العشرين.


الاستعارة والتشبيه يساعداننا على فهم التجريد.

 توماس بوزويل واحدٌ من أبرع كُتّاب رياضة البيسبول، كتبَ في مقالةٍ عن الرياضيين والتقدم بالعمر:

عُمّال التنظيف يجيئون عند منتصف الليل، يتسللون تحت الأضواء الشبحية لملعب البيسبول الفارغ بمقشاتهم بطيئة الكنس وخراطيم الشطف النحيلة. طوال الموسم، يزيلون قمامة لعبة لا روح فيها. الآن، في الأيام المتلاشية لسبتمبر وأكتوبر، يجيئون لحصد أرواح كرات البيسبول. 

العُمرُ هو الكانسُ، والإصابة هي المكنسة. 

بين مزيج من دفق أكواب جعة وأغلفة ملطخة بالخردل متجهة نحو كومة نفايات، نجد أصدقاء قدامى أُرسلِوا إلى سلة مهملات تاريخ البيسبول. (من واشنطن بوست)

المعنى المجرّد لـ “قمامة لعبة لا روح فيها” يغدو واضحًا كما في “دفق أكواب جعة”، و”أغلفة ملطخة بالخردل”. وعمّال التنظيف بمقشاتهم الحقيقية وخراطيم المياه يتحولون إلى منظر مقبض لحاصدين يبحثون عن “أرواح كرات البيسبول.”

الاستعارة والتشبيه يساعداننا على فهم التجريد من خلال مقارنة أشياء حقيقية ببعضها البعض. “الحضارة نهرٌ بضفّتين”، يكتبُ ويل ديورانت في مجلة LIFE، مستخدمًا أعلى وأدنى نقطتين في السلّم:

“يمتلئ النهر أحيانًا بدماء قتل الناس، النهب، الصيحات، والقيام بأشياء يدوّنها المؤرخون عادة، بينما على الضفّتين لا يُكترث بالناس الذين يشيّدون البيوت، يمارسون الحب، ينشدون الأغاني، يكتبون الشِّعر، أو حتى ينحتون التماثيل. إن قصة الحضارة هي قصة ما يحدث على الضفّتين. المؤرخون متشائمون لأنهم يتجاهلون ضفاف النهر.”

 سؤالان سيساعداننا على الاستفادة من هذه الأداة: “هل بإمكانك أن تزوّدني بمثال؟” هذا سيقود القارئ إلى أسفل السّلّم. لكن: “ماذا تعنى بذلك؟” سوف يرتفع به إلى الأعلى.

تدريب عملي

اقرأ وميّز بين المجرّد والمحسوس في عقلك. كن منتبهًا إلى تلك اللحظات عندما تحتاج فيها لمثال، أو عندما تريد أن تصل لمعنى أسمى. لاحظ إن كان مستوى اللغة يتحرك من المحسوس إلى ما هو تجريديٌّ أكثر.
ابحث عن مقالات وتقارير بيروقراطية وإعلانات لسياسات إرشاد عامة تبدو محتجزة في منتصف سلّم التجريد. أيّ نوع من التقرير أو البحث سيكون من الضروري فيه التسلق نزولًا أو صعودًا، لمساعدة القارئ كي يرى ويفهم؟
أنصت إلى كلمات أغنية لتسمع كيف تتحرك اللغة على سلّم التجريد. كما في: “الحرية مجرد كلمة أخرى (لقول) بأن ليس لدينا شيء لنخسره.” أو: ” الحرب، ما الجدوى منها، قطعًا لا شيء.”  أو: “أعطني فتاة، لا أستطيع مقاومتها، فاصوليا حمراء وأرزّ لا ينقصها.”  لاحظ كيف للكلمات الحسية والصور في الموسيقا تعبّر عن معاني مجرّدة مثل: الحب، الأمل، الرغبة، والخوف.
اقرأ العديد من قصصك وابدأ بوصفٍ، من ثلاث كلمات أو أقل، عن ماذا تتكلم كل قصة منها حقًا، أهي عن الصداقة، الفقْد، الإرث، الخيانة؟ هل بإمكاننا جعل معانٍ رفيعة كتلك أكثر وضوحًا للقارئ باتخاذنا سبُلًا أكثر دقة؟

المصدر : تكوين

التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.