الرئيسية » , , , , , , » روي بيتر كلارك: كيف تكتب موسيقا؟ ترجمة: أحمد العتيبي

روي بيتر كلارك: كيف تكتب موسيقا؟ ترجمة: أحمد العتيبي

Written By Unknown on الجمعة، 29 يناير 2016 | 1:35 م

روي بيتر كلارك: كيف تكتب موسيقا؟
ترجمة: أحمد العتيبي

نوّع من الجمل كي تؤثِّر على سرعة القارئ.

     لطالما وجدت أنّ ألفاظًا مثل “الإيقاع” و “السرعة” غير موضوعيّة للغاية، ومتعلّقة بالنغمة إلى حدٍّ كبير، عن أنْ تدرّ نفعًا للكاتب، حتّى تعلّمت طريقة التنويع في طول الجُمَل طبقًا للغرض المستخدم. فالجمل الطويلة، التي أسمّيها بعض الأحيان “الجُمل الرحّالة”، تخلق دفقًا يجرف القارئ إلى تيّار الإدراك، وهو التأثير الذي يسمّيه دون فري “التقدّم الثابت”، بينما تنتهي الجملة القصيرة بشكل فجائيّ.

    ليس لزامًا على الكاتب أن ينتج جُملًا طويلة مرِنة، ولا جملًا قصيرة مشحونة بالتفاصيل لكي يضبط سرعة القارئ. تأمّل المقطع التالي من كتاب “سيبيسكت” للمؤلِّفة لاورا هيلينبراند الذي يحكي قصّة خيل سباق مشهور:

وحينما شرع القطار بالرحيل، هاج سيبيسكت بشكل مفاجئ. وبدأ يدور حول العربة جيئة وذهابًا تلوح عليه بوادر القلق. وبعد أن عجز سميث عن كبح جماحه، التقط نسخة من مجلّة كابتن بيلي ويز بانج وأنشأ يقرأها بصوت جهور. فأنصت سيبسكيت. وكفّ عن الدوران. وعندما أخذ سميث ينطلق في القراءة، استلقى الحصان على الأرض وخلد إلى النوم. فافترش سميث مقعدًا على الأرض وجلس بمقربة من الحصان.

دعني أحاول عمل بعض الإحصائيّات للكلمات. تتكوّن هذه الفقرة ذات السبع جُمل من معدّل 9.4 كلمات، على هذا الشكل التفصيلي (9.13.3.2.19.10.10). عندما نوائم بين طول الجملة ومضمونها، يصبح الإيقاع أكثر إمتاعًا. عامّةً، كلّما ازداد وصف الحركة، طالت الجملة أكثر، ولهذا السبب تستوجب هاتان الجملتان “فأنصتَ سيبسكيت” و “كفّ عن الدوران” أقلّ قدر من الكلمات.

     ينظّم الكاتب معدّل السرعة للقارئ، فيجعلها بطيئة أو سريعة أو بين بين، ويستخدم جُملًا متباينة الطول بغية إضفاء مسحة موسيقيّة وإيقاع إلى القصّة. وبالرغم من أنّ هذه المجازات في الصوت والسرعة قد تبدو مبهمة للكاتب الطّامح، إلّا أنّها ترتكز على أسئلة عمليّة. كم هو طول الجملة؟ وأين توضع كلٌّ من النقطة والفاصلة؟ وكيف يَظهر عددٌ من الفواصل في العبارة الواحدة؟

     يعيّن الكتّاب ثلاثة أسباب استراتيجيّة لإبطاء سرعة القصّة:

1- تبسيط العقدة.

2- خلق جوّ من التشويق.

3- التركيز على الحقيقة العاطفيّة.

سعى أحد الكتّاب في صحيفة سانت بطرسبرغ تايمز إلى الاستيضاح في هذه القصّة غير المألوفة عن ميزانيّة الحكومة المحليّة:

هل تعيش في مدينة سانت بطرسبرغ؟ أتودّ أن تساعد في إنفاق مبلغ 548 مليون دولار؟

إنّه المال الذي دفعته على هيئة ضرائب ورسوم إلى الحكومة. وقد انتخبتَ أعضاء المجلس البلدي لتدبير الشؤون، وبما أنّهم يمثّلونك، فهم على استعداد لسماع أفكارك عن طريقة إنفاق هذا المبلغ.

اكتشف العُمدة ريك بيكر وطاقم العاملين معه الطريقة التي يرومون إنفاق المال بها. ففي الساعة السابعة مساءً من يوم الخميس، سيطلب بيكر من أعضاء المجلس البلدي أن يتّفقوا معه، وسيتناقش أعضاء المجلس عن أفكارهم.

ولك الحقّ أن تدلو بدلوك في الاجتماع أيضًا. فكلّ مواطن يحظى بثلاث دقائق لكي يخبر العمدة وأعضاء المجلس برأيه.

ولكن، لماذا يتعيّن عليك أن تقف منتصبًا؟

لأن الطريقة التي تنفق المدينة بها أموالها تؤثّر على الكثير من الأشياء التي يهمّك أمرها.


لا تكتب كلمات فحسب، بل اكتب موسيقا.

إنّ أسلوب الكتابة الحكوميّة هذا لا يثير إعجاب الصحفيين كلّهم، ولكّن الكاتب براين غيلمر يحظى بفضيلة تحقيق ما أسمّيه “الوضوح الجوهري”، فهو يتيح للقارئ أن يندمج مع القصّة باستخدام سلسلة من الجمل القصيرة. وبرغم أنّ جميع نقاط التوقّف تمنح القارئ الوقت والمجال للاستيعاب، إلّا إنّ ثمّة ميولًا مقبولًا نوعاً ما إلى استخدام أساليب المحادثة العاديّة.

    ليس الوضوح هو العلّة الوحيدة لكتابة الجمل القصيرة. لنلقِ نظرة على قوّة التشويق والقوّة العاطفيّة، وهي التي يطلق البعض عليها “عَبرة المسيح”، في سبيل التعبير عن حزن المسيح العميق عند علمه بوفاة صديقه لازاروس، وقد استخدم كاتب الإنجيل أقصر جملة ممكنة. كلمتين اثنتين، فعلًا وفاعلًا، “بكى المسيح”.

     تعلّمتُ قوّة تأثير الجملة الطويلة عندما قرأت المقال الشهير الذي كتبه نورمان مايلر “مصرع بيني باريت”. كثيرًا ما يكتب مايلر عن رياضة الملاكمة، وهو هنا يخبر بقصّة الأمسية التي حدث فيها مقتل بينّي باريت على يد إيميل غريفيث في حلبة الملاكمة، بعد أن شكك باريت في مثليّة غريفيث الجنسيّة. إن سرد مايلر ملفت للانتباه، كأنّه يضعنا بجوار الحلبة لمشاهدة الحدث المروِّع:

احتجز باريت في الزاوية. وفي محاولته لتجنّب الضربات، علق ذراعه الأيسر ورأسه في الجزء الخطأ من الحبل العلويّ. وكان غريفيث أشبه ما يكون بقطٍّ مستعدّ لأن يزهق روح فأر ضخم محاصَر. سدد له ثمانية عشر لكمة صحيحة على التوالي، وهو الحدث الذي استغرق زهاء ثلاث إلى أربع ثوانٍ، وكان غريفيث يصدر نشيجاً مكبوتاً كلّما تعرّض للهجوم، وكانت يده اليمنى تسدد الضربات كأنّها ذراع مكبس تهشّمت داخل المحرّك، أو كأنها مضرب بيسبول يحطّم كرة يقطين. 

لاحظ الإيقاع الذي نجح مايلر في تحقيقه بثلاث جمل قصيرة، متبوعة بجملة طويلة مضمّخة بالتشبيهات عن الحدث وأهواله. وكلّما أخذ مصير باريت يزداد تجليّا، تقصر الجمل التي يستخدمها مايلر أكثر:

قفز الطبيب إلى الحلبة. وانحنى على ركبتيه. وحدّق في جفن باريت المفتوح. نظر إلى مقلتيه التي ترنو بعيدًا. ثم أسدل أجفانه.. ولكنّهم أعانوا باريت بأقصى ما يمكن لينقلوه إلى المستشفى حيث ظلّ لبضعة أيام. كان في غيبوبة، لم يفق منها قطّ. ولو كُتب له عمر،  لصار إنسانًا مجنونًا. فقد سُحق دماغه سحقًا.  

هذه الأحاسيس المثيرة، وهذا التأثير العاطفيّ الخالص، جميعها تمخّضت من هذه الجمل القصيرة.

     في كتابه “مئة طريقة لتحسين أسلوبك الكتابيّ”، أنتج غاري بروفوست هذا العمل الإبداعي بغية وصف ما يحدث للكاتب عندما يقوم بتجربة جمل متباينة الطول:

تحتوي هذه الجملة خمس كلمات. وهنا أيضًا خمس كلمات أخرى. لا ضير في الجمل المكوّنة من خمسة كلمات. ولكنها تصبح مملّة إذا تواترت بنفس النسق. أنصت لما يحدث. تصير الكتابة أكثر مللًا. فيستحيل صوتها سمجًا. وتسرف في تكرار ما قد قيل. إن الأذن تستجدي بعض التغيير. والآن أنصت. إنّي أكتب جملة مختلفة الطول، فأبتدع الموسيقا. إنّها الموسيقا، الكتابة تصدح، ولها وزن وإيقاع وتناغم يبعث إلى الطرب. إني أستخدم الجمل القصيرة، كما أستخدم الجمل متوسطّة الطول. وبين الفينة والأخرى، عندما أستيقن أنّ القارئ نعِم بالراحة، أشدُّ انتباهه بجملة طويلة طولًا ليس بالهيّن، جملة تتأجج بالطّاقة وتنشأ بالحماسة عينها التي تنشأ بها الموسيقا تدريجيًا من الهدوء إلى الصخب، بالقرع المتواصل على الطبول، أو بجلجلة آلة الصّنج، بتلك الأصوات التي تصيح قائلة: أنصت إليّ، إنّه لأمر مهمّ.

هكذا، اكتب بطريقة دمج الجمل القصيرة والمتوسّطة والطويلة. اخلق الموسيقا التي تطرب مسمع القارئ. لا تكتب كلمات فحسب، بل اكتب موسيقا.

ورشة عمل

1- راجع عملك الأخير، وتفحّص طول الجمل فيه. أسس أفضل إيقاع يتلائم مع انطباعك وموضوعك، سواءً عن طريق دمج الجمل مع بعضها البعض، أو تقسيمها بالمناصفة.

2- إبّان قراءتك لمؤلّفك المفضّل، ركِّز اهتمامك على طول الجملة. حدد الجمل القصيرة والطويلة التي تجدها جملًا مؤثِّرة.

3- يعتقد معظم الكتّاب أنّه بمقدور مجموعة من الجمل القصيرة أن تزيد من سرعة القارئ، ولكنني أرى أنها تبطئ من سرعته، لأن جميع الفواصل بينها هي علامات توقّف. ناقش هذا التأثير مع أصدقائك، وتفكّر، أتراك ستجد رأيًا واحدًا متّفقًا عليه بالإجماع؟

4- اقرأ بعض الكتب الخاصّة بالأطفال، لاسيّما تلك الخاصّة بصغار السنّ، لترى إن كان بوسعك أن تقيس التأثير على قارئ الجمل المتباينة الطول.

المصدر | تكوين

التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.