الرئيسية » , , , , , » سلاح القراء-تيم باركس | ترجمة أماني لازار

سلاح القراء-تيم باركس | ترجمة أماني لازار

Written By Gsm Egypt Server on الخميس، 7 يناير 2016 | 2:29 م


سلاح القراء-تيم باركس

عن النيويورك ريفيو أوف بوكس.


تخيل أنك سئلت عن تحول وحيد في سلوك الناس من شأنه أن يحسن الكثير من البشر أفضل تحسين. كم ستبلغ الحماقة بك لو أجبت: دعهم يتعلمون القراءة والقلم في أيديهم؟ لكني أعتقد جازماً بأن منافع هائلة قد يحققها مثل هذا التطور البسيط.

نضمر الكثير من الاحترام للنص المطبوع، والقليل جداً من الوعي للكلمات المؤثرة المعلقة فوق رؤوسنا. نسمح للعوالم أن تختلق من أجلنا مع اهتمام بالغ الصغر بتضميناتها. نغفل التناقضات الصارخة. نتساهل مع الجناس، السجع، والإيقاع. نبتهج بالقصص، سواء كانت خيالية أم ” توثيقية،” تلك التي لها مآلات تلاعبية بشكل فاضح، تخدم مصالح ذاتية، أو كلا الأمرين. عادة الاثنان على حد سواء. إذا ما أظهرت قطعة من كتابة سوءة الأدب-رموز، مجازات، رواة لا يعول عليهم، وجهات نظر متعددة، غموض بنيوي-نحملها صدقية لا محدودة. باستثناءات عرضية، “النقد” الوحيد الذي يتوجه لمثل تلك الكتابات ذلك الذي ينشد دراسة روعتها، وفطنتها، إبداعيتها. كان أكثر ما فاجئني عندما بدأت بنشر قصصي هو مدى قدرة الروائي على كل المستويات النجاة بفعلته.

هذا الاحترام المسرف، الذي بدا أنه بلغ ذروته في النصف الثاني من القرن العشرين عندما كان الحداثيون من جيل سابق مقدسين باعتبارهم قد حققوا المعجزة الأكثر صعوبة في منح الحياة بعض المعنى، وانعكس في التعامل مع الكتاب نفسه. لا ينبغي طي حافة الكتاب العمودية وكسرها، لا ينبغي أن تثنى الصفحات على شكل أذني كلب. لا ينبغي أن ترسم الخطوط تحت الأسطر، ولا الكتابة في الهوامش. يبدو جلياً، بالنسبة لبعضنا ممن تربى على كتب المكتبة والمقررات التي تعود ملكيتها للمدرسة (تحمل نسختي من براونينج اسم اثني عشر تلميذاً استعملوا النص قبلي)، كان هناك أسباب بسيطة ومعقولة تؤيد هذا السلوك. لكن التكريم ذهب أبعد من الاحترام الواجب لهؤلاء الذين سيقرؤون الصفحات من بعدك. حتى عندما كنت أشتري كتاباً، إذا ما أمسك أهلي بي وأنا أطوي غلافه ذلك الذي لا بد أن يكون مفتوحاً على المكتب، كانوا يصابون بالصدمة. كانت الكتابة مقدسة. في البدء كانت الكلمة. الكلمة دونت، على ورق من نوعية جيد كما نأمل. برزت الكثير من المقاومة للكتاب الالكتروني، من قبل الأدباء، كان لا بد لهم أن يفعلوا مع خسارة هذا التقديس، لماعون الورق الضعيف الذي يمكن أن يزدهر على ولائنا الوقائي.

أضحت الحاجة الحتمية للقراءة وقلم في اليد جلية بالنسبة لي بمشاهدة طلابي ونحن ندرس الترجمة معاً. كنت أعطيهم نفس النص بالإنجليزية والإيطالية وأطلب منهم أن يخبروني أي من النصين هو الأصل. أو أعطيهم نصاً دون أن أفصح فيما إذا كان ترجمة أو لا وأطلب منهم التعليق عليه. مراراً وتكراراً، سوف تردعهم السلطة المنقولة بواسطة الكلمة المطبوعة وهالة الثقافة أو إثارة الفعل الدرامي أو السياق المقنع للنقاش، عن ملاحظة أكثر الحماقات وضوحاً. سوف يقرؤون جملة مثل “كانت ماريا كاللعبة بين يديه لبعض الوقت، أباحت لنفسها أن تُجرد من ملابسها وأن تحمل إلى السرير دون أن تأخذ نفساً واحداً” من ترجمة ويليام ويفر لرواية روزيتا لوي Le strade di polvere) ويفتتنوا بالمحتوى الرومانسي ويغفلوا عن أنه لا يمكن للمرء أن يتعرى ويأوي إلى السرير دون أن يأخذ نفساً، إن تعرية شخص ومرافقته إلى السرير تستغرق وقتاً أطول مما يمكن فيه لأغلب الناس أن يبقوا على قيد الحياة دون تنفس. هذه ترجمة هزيلة لمزيج ايطالي من للاصطلاحات والابتكارات —senza emettere un fiato— أفضل ترجمة لها هي ” دون أن تندّ عنها ولو تنهيدة.”

أو قد يقرؤون، ” ثم جاء القطار. ظهر في البداية مثل حصان، حصان صعدت عربته على حجارة وعرة” (من ترجمة ايزابيل كويجلي لقصة بافيزي القمر والنيران)، ووسط الموقف الدرامي لن يروا كم كانت متنافرة صورة العربة هذه “صعدت على أحجار وعرة”، كم من المستبعد أن تصعد عربة على الحجارة الوعرة. لقد كانت ترجمة رديئة لحصان وعربة على الحصى (un cavallo col carretto su dei ciottoli.).

لكن خلف هذه التقنيات الصغيرة، هذا النوع من التناقضات الداخلية التي قدمها شخص مثل بيكيت في أعماله ليوقظ القارئ (وثانية العديد من الطلاب لا يلحظون مثل هذه التناقضات المتعمدة)، سأجد أننا قرأنا صفحة من فرجينيا وولف معاً دون أن يدرك الطلاب أنه كان يتم تشجيعنا على التفكير إيجابياً بالانتحار، أو كنا لنقرأ لورانس بدون أن يكونوا واعين أن الكاتب كان يصرّ على أنه لبعض الأرواح قيمة أكبر مما لغيرها. أيضاً أتذكر صفاً دراسياً يقرأ هذا المقطع من هنري جرين (والمعروف أنه جزء من مشهد أكبر) بدون أن يلحظ أي طالب محتواه الجنسي:

لكن بالرغم من نداء السيدة ميدلتون، للفتاة، بقولها ” أنت هنا” انحنت على الزوج وفتحت البوابات اللؤلؤية على اتساعها. كانت أسنانها الرطبة طويلة وحادة، بياضها يكاد يكون شفافاً. كان اللسان مستدق الرأس أيضاً وكمن متلوياً نحو الطرف الأحمر أمام فكها السفلي، نحو اللثة الزهرية المعقمة. هناك في طريق العودة، الغائر، نحو الأحمر العميق، بدت لهاتها محجمة عنه.

علاوة على الإصرار المجرد، كما فعلت في السابق على مدى سنوات، على أن يكونوا أكثر حذراً، رحت أتساءل عن الوسيلة الأكثر عملانية التي يمكنني أن أتبعها لأقود طلابي ليقظة أعظم، تعليمهم أن يحموا أنفسهم من كل تلك الرسائل الضمنية التي يمكن لها أن تبدل سلوك المرء دون أن يكون واعياً لها؟ بدأت بالتفكير بالطريقة التي أتبعها لدى القراءة، بفعالية القراءة، بما تضعه فيها بدلاً مما هو موجود على الصفحة ببساطة. اختبر هذه التجربة، أخيراً قلت لهم: من الآن فصاعداً اقرؤوا والقلم بيدكم، ليس بجانبكم على الطاولة، لكن بالفعل في يدكم، جاهزة، مسلحة. ودوماً اكتبوا ثلاثة أو أربعة تعليقات على كل صفحة، على الأقل تعليق نقدي واحد، وحتى عدواني. ضعوا إشارات استفهام بقرب كل ما تجدونه مشبوهاً. وضعوا خطاً تحت أي شيء تقدرونه حقاً. كونوا أحراراً بكتابة “عظيم،” لكن أيضاً” لا أصدق كلمة من هذا.” وحتى “هراء.”

القلم ليس عصاً سحرية. القدرة النقدية ليست مستحضرة من الفراغ. لكن كان لافتاً كم من الطلاب طوروا أداءهم بهذه الحيلة البسيطة. هناك شيء ما سلبي، وقاس أيضاً، في قلم معلق على نص. مثل صقر فوق حقل، إنه يبحث عن شيء ما غير حصين. ومن ثم إنها لمتعة في الانقضاض وتثبيت الضحية بمنقاد حاد. الحقيقة المجردة في وضع يد متزنة مستعدة للقيام بالفعل يغير سلوكنا تجاه النص. لم نعد مستهلكين سلبيين لمونولوج أدبي لكن مشاركين ايجابيين في حوار. سيذكر الطلاب أن قراءاتهم تباطأت عندما أمسكوا بالقلم في يدهم، لكن في نفس الوقت صار النص أكثر كثافة، أكثر متعة، ماذا لو بسبب متعة محققة في متناول أيديهم بتفاعلهم مع الكتابة عندما لا يشعرون بأنها تستحق الإشارة إليها أو أنها جديرة فقط لكونها مشاراً لها.

إذا ما نظرنا مجدداً إلى الصفحات التي قرأناها من قبل وأشرنا عليها، أو العودة إلى رواية بعد أشهر، وربما بعد سنوات، ظفرنا بمعنى قوي لمواقفنا فيما يتعلق بموقف الكاتب. حيث قال هذا النوع من الأمور، هذا كان ردي، حيث مس هذا العصب، تقلصت ركبتي بالتالي. لذلك خلقت وسيلة لمعرفة النفس، فما هي النفس إذا لم تكن موقفاً يتخذه المرء عادة في العلاقة مع أنفس أخرى؟  هذه الأيام، بالعودة لقراءة الكتب التي بقيت منذ أيام الجامعة، أرى ثلاثة أو أربعة من تعليقاتي، ربما بأقلام مختلفة الألوان. وأشعر كيف أن موقفي قد تغير. وكم تغيرت.

وفي هذا الصدد، قد تقول بأن فرصة التعليق على مقالات منشورة على شبكة الانترنت أمر ممتاز. وهو كذلك. أنا لا أتشاطر الرأي مع بعض الكتاب الزملاء بأن تلك التعليقات والانتقادات والاحتجاجات مرفوضة. غالباً سأجد تعليقات أدنى مقالة (أحياناً للأسف تحت مقالاتي) وهي أكثر فهماً، وحتى أفضل اطلاعاً، من المقالة نفسها. هذا مشوق، حتى عندما يكون مكدراً.

مع ذلك، التعليق على المقالات على شبكة الانترنت لا يشبه الكتابة في هوامش الروايات التي يشتريها المرء. يدلي الشخص على الانترنت برأيه لقراء آخرين. هناك خطر اللجوء إلى مواقف متحزبة، من استعمال المكان للتسلية، والتفاخر. غالباً النقاش يذهب بعيداً عن المقالة نفسها. وعندما تنتهي التعليقات من المستبعد أن يعود المرء لينظر فيها.  بالتأكيد ليس بنفس الطريقة التي يعود بها المرء بين الحين والآخر بعد سنوات إلى هيمنجواي أو سفيفو، أو كاثرين مانسفيلد، أو إلزا مورينتي، وحينها كم هو ساحر أن ترى ماذا فعلت ولم تره في الماضي. أنت انتقدت رأياً صار منطقياً الآن، صفقت لتفصيل يبدو الآن زائفاً بشكل مريب. ما الذي سأشعر به حول تعليقات اليوم على قراءتي التالية؟

سيخشى بعض القراء من أن القلم في اليد طريقة تنكر علينا تلك اللحظات الرائعة عندما نقع تحت سحر الكاتب، تلك اللحظات التي نستسلم فيها للأسلوب، سعداء في استسلامنا له، عندما يبدو لنا فجأة أن هذا هو الطريق إلى العالم، سواء كان أسلوب بروست أو وولف أو بيكيت أو بيرنارد، فهو حقيقة، على الأقل في الوقت الحالي، الطريق الوحيد الذي نهتم له، اللحظات التي هي بلا شك من أكثر اللحظات إثارة في تجربتنا كقراء.

لا، لم أكن لأرغب بتفويت ذلك. لكن إذا ما كان الكتاب في طريقهم لجذبنا إلى رؤاهم، دعنا نجعلهم يعملون على ذلك. لنقاوم الافتتان لفترة من الزمن، أو على الأقل لفترة وافية تكفي لامتلاك فكرة ما عما نحن منجذبون إليه. لأن القبول الغافل المستسلم لتصورات الآخرين عن العالم لا يمكنه إلا أن يأسرنا ويعيق نمونا الشخصي، يعيق إمكانية التحرك الإيجابي. في بعض الأحيان يبدو أن المجتمع برمته يتراخى تحت تأثير تخدير الأدب القصصي الذي تجرعه. ألم يكن هذا ما كان سرفانتس يشتكي منه عندما بدأ بدون كيشوت؟ إن قراءة الكتب الرديئة بمقاومة يقظة، أفضل من التهام الكتب الجيدة في افتتان غافل.






  

التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.