الرئيسية » , , , , , » ألفريد جاري ـ وأنتونين آرتو والدعوة الى تحطيم النص | ليلى بن عائشة(*)

ألفريد جاري ـ وأنتونين آرتو والدعوة الى تحطيم النص | ليلى بن عائشة(*)

Written By Gsm Egypt Server on الجمعة، 8 يناير 2016 | 1:00 م

  

ألفريد جاري ـ وأنتونين آرتو والدعوة الى تحطيم النص

ليلى بن عائشة(*)
ظل التأليف المسرحي منذ عهود خلت يخضع لمبدأ المحاكاة الذي نادى به أرسطو حتى أواخر القرن التاسع عشر. فقد كان جل الكتاب يرون بل ويؤمنون إيماناً لا يشوبه شك بأن الأدب محاكاة للطبيعة والحياة على حد سواء، وأنه لا يعدو أن يكون مرآة تعكس لنا بأمانة شديدة صورة الواقع وكل ما حولنا من دون زيادة أو نقصان؛ ومن هنا كان هدف الكاتب المسرحي وغايته أن يوهم المتفرج بالحقيقة، وبأن ما يدور على خشبة المسرح ليس إلا صورة تحاكي بصدق لا متناهٍ ما يحدث في واقع الحياة. "على أن بعض المؤلفين بدأوا في أواخر القرن التاسع عشر يضيقون بالأنماط الواقعية للشخصيات والأحداث، وبما يكون في الواقعية أحياناً من عرض مباشر قد لا يتحقق فيه كثير من عناصر الفن، وأدرك بعضهم أن وجود الإنسان لا يتمثل في مواجهته الخارجية للحياة والمجتمع بقدر ما يتمثل في عالمه النفسي الباطني وفي رؤيته الخاصة للأشياء، ومن هنا بدأت طلائع الحركة "التعبيرية" في الفن والأدب على السواء". ومن بين الأسماء التي برزت مناهضة لما كان عليه المسرح في تلك المرحلة الفرنسي "ألفريد جاري" Alfred Jarry (1873 ـ 1907) فقد كانت أعماله التي أبدعها في النصف الثاني من العقد التاسع عشر بمثابة الشرارة التي أضاءت التجارب المبكرة الأولى في أوائل القرن العشرين. وقد انطلق في أعماله المسرحية من الرمزية التي ابتعد أو بالأحرى تخلى عنها في ما بعد ليمد مسرحه بصبغة ساخرة قربته الى العبثية بعد ذلك من خلال سلسلة مسرحياته (أوبو ملكاً) والتي فتحت الباب واسعاً أمام المسرح الدادائي والسريالي وكذا لمسرح العبث وكان لمسرح "ألفريد جاري" تأثير على عدد كبير من المسرحيين أبرزهم "أنتونين آرتو".

تعد مسرحيات ألفريد جاري البداية الحقيقية لمسرح العبث ومدرسته التي ازدهرت في الخمسينات ـ حسب ما يقول المؤرخون ـ. يقول هنشكليف أحد المؤرخين للمسرح المعاصر "عندما نطق الممثل فرمين جمييه أول كلمة في مسرحية جاري الأولى الملك أوبو تغير مسار المسرح الغربي تماماً". لأنه نحى به منحى آخر غير الذي كان عليه، على الرغم من أن رصيد ألفريد جاري الكتابي لم يكن به سوى ثلاث مسرحيات فقط ـ تدورحول شخصية واحدة هي شخصية أبو ـ إلا أنها حققت نجاحاً منقطع النظير وشهرة عالمية. وسنحاول في ما يلي أن نلخص فلسفة "جاري" المتفردة والتي أحدثت ثورة في المسرح الغربي، وكانت إيذاناً بميلاد حركات تحررية واسعة النطاق في المسرح الغربي. ويذكر أنه تم عرض أول مسرحية من مسرحيات "ألفريد جاري" في 10 ديسمبر عام 1896م وهي مسرحية (أوبو ملكاً) والتي "استطاع جاري.. (من خلالها) خلق نوع جديد من المسرح لا يقوم على مناقشة أو عرض الأفكار والقضايا الجادة، وإنما يهدف أساساً الى تفريغ جميع الأفكار والقضايا من جديتها، وإظهار عبثيتها عن طريق المعالجة المرحة الساخرة في الحوار، وأيضاً عن طريق تغيير شكل العرض المسرحي تغييراً جذرياً بحيث يصبح لوحة تتسم في آن واحد بالعبثية والهزلية". كما حاول "جاري" في هذه المسرحية أن "يجعل الممثل يستخدم ما أسماه بالإشارة أو الجملة المعبرة العالمية، بدلاً من الاعتماد على اللغة، وفضل استخدام الأقنعة على الماكياج المسرحي، كما فضل استخدام اللوحات المكتوبة للدلالة على المكان بدلاً من تغيير الديكور". ومن هنا تتضح دعوته الى نبذ اللغة المنطوقة وإحلال لغة الموسيقى والأقنعة والماكياج وغيرها محلها.

لقد اتسم "جاري" في أسلوب حياته بالغرابة الشديدة والمفرطة في ملبسه وتصرفاته، بل حاول التوحّد والحلول في الشخصية التي ابتكرها شخصية أوبو، كما أن رؤيته للعالم كانت رؤية وحشية لا يحكمها منطق أو عقل على حد تعبير أحد النقاد، ولكنها مع هذا حققت نجاحاً ولقيت صدى واسعاً، بل إنها ما فتأت أن شقت الطريق أمام سيل من التجارب والحركات المسرحية التي تركت وما تزال أثراً في المسرح المعاصر "لقد كان جاري يحاول عن طريق فلسفته هذه أن يستشف عوالم جديدة ومناطق وعي جديدة خارج العوالم المنظورة والنظريات الميتافيزيقية التقليدية. وكان متأثراً الى حد كبير بالرمزيين إذ لا يجب أن ننسى أن جاري بدأ حياته شاعراً رمزياً تحت جناح المدرسة الرمزية في الشعر التي بلغت أوج ازدهارها إبان حياته". والرمزية كما نعلم حركة تجريبية بحتة وضعت لدى ظهورها لبنة لتحوّلات جذرية في فن المسرح سواء على مستوى الكتابة أو الإخراج، على الرغم من أنها رفضت التركيز على العرض المسرحي، إلا أن أعمال أصحابها شكّلت محطة هامة في تطوير الصورة البصرية في العرض المسرحي. كما ركّزت على أداء الممثل؛ حيث كانت ترمي الى إعطاء حركة الممثلين على الخشبة طابعاً قدسياً، ومن هنا كان اقتراح ألفريد جاري العودة مجدداً لاستخدام الأقنعة واللجوء الى الإلقاء الترتيلي، ويذكر من مصادر إلهام ألفريد جاري مسرح الدمى. الذي استوحى من خلاله شخصية أوبو.

ملامح مسرح آرتو... مسرح القسوة:

لقد كان التجريب ولا يزال ثورة على كل التقاليد الموروثة، ودعوة الى التغيير على مستوى مفردات العمل المسرحي لإثرائها بإبداع الجديد وابتكار طرق حديثة تزيد من حركيته الفنية والإبداعية، ولا شك أنه محاولة دائمة ودائبة للخروج من ربقة "طرق التعبير المستمرة أو التي أصبحت قوالباً وأنماطاً، وابتكار طرق جديدة.. (لـ) إعطاء الواقع طابعاً إبداعياً حركياً". ثم إن التجريب استمرارية في البحث عن مواطن بكر كما أنه "عمل مستمر لتجاوز ما استقر وجمد، و.. تجسيد لإرادة التغيير، ورمز للإيمان بالإنسان وقدرته غير المحدودة على صنع المستقبل، لا وفقاً لحاجاته وحسب، بل وفقاً لرغباته أيضاً". والتجريب من جهة أخرى معادلة متوازنة للتواصل الدائم بين المبدع وحركة التغيير المثمرة "ذلك أن التجريبية لا تنهض وفقاً لما هو راهن، وإنما تنهض كتجاوز له، من أجل الكشف عن بديل أشمل وأعمق وأغنى".

ومن منطلق أن مذهب التجريب هو الاكتشاف والبحث عن بدائل تفي بالغرض الفني والإبداعي والفكري على صعيد آخر فإن ".. اكتشاف ما لا يعرف، يفترض أشكالاً جديدة كما يقول رامبو أي لم تعرف (بعد)". ومن هنا كان دأب المبدعين المجددين في مجال المسرح، وذلك بالبحث عن أشكال جديدة تستوعب المضامين الحديثة، ولا يتم ذلك إلا بهدم لأجل بناء جديد لا يضيق فيه كل عنصر من عناصر الفعل المسرحي بالآخر، وذلك إيماناً من المبدعين بأن "الكتابة الإبداعية هي التي تمارس تهديماً شاملاً للنظام السائد وعلاقاته ـ أعني نظام الأفكار ـ (وكذا نظام الأشكال)". والبناء على أنقاض كل هذا وذاك ما يليق بفكر المبدع وعصره، آخذاً في الاعتبار كل ما من شأنه أن يعضد فكره ويبرز قدراته على التجاوز والإتيان بالبديل الناجع الذي ينسينا ما سبق، ويبهرنا بما توصل إليه من إنجاز إبداعي وما اعتمده من تقنيات جديدة لها دورها الفعلي.

"إن حركة الإصلاح المسرحي الكبرى التي أبدعت أجيالاً عدة من المنظرين والمطبقين المسرحيين تختلف في ما بينها اختلافات كبيرة في الأطروحة، والفكرة، والمنهج، والأعراف، والصيغ الخاصة بالتجريب، وهذه الصيغ بمثابة استمرار لكل إلهامات مجربيها".

فعلى مدار سنوات عديدة حاول كل مبدع أن يدلو بدلوه في مجال الإبداع الدرامي والمسرحي لتقديم الأفضل وللخروج من دائرة التكرار والجمود لتحقيق إبداع حقيقي، وترددت أسماء عديدة في مجال التجريب المسرحي وتجارب بعدد هذه الأسماء منها ما نجح ومنها ما أخفق، ولكننا نسجل للمسرح تفوقه دائماً وأبداً باستمرارية هذه التجارب ونبذ الإسفاف والأعمال الضحلة التي قد تسيء الى المسرح ولا تضيف إليه شيئاً متعللة في ذلك بالتجريب، فالتجريب يرفع التجارب الجيدة ويلقي أسفلاً التجارب الفاشلة فيبرز عيوبها ويظهرها عارية من كل جدية في الطرح والبحث فتسقط مباشرة من عين المشاهد ولا يلقي لها بالاً. ومن بين الأسماء التي يحتويها عالم التجريب في المسرح بكل حيثياته وتجلياته، وإن واجهت إخفاقاً على الأقل في عصرها اسم المسرحي الفرنسي أنتونين آرتو Antonin Artaud (1896 ـ 1948).

لقد كان مسرح أنتونين آرتو مثاراً للجدل بسبب ما حمله في طياته من بذور جديدة أراد أن يزرعها في تربة الإبداع المسرحي لتتفتق عن رؤى وآراء تضيف الى المسرح الشيء الكثير، وإن لم تلق آراؤه تلك قبولاً أو نجاحاً كبيراً إلا أنها كانت المنطلق بالنسبة للكثير من المبدعين الذين كان لديهم ظمأ لا ينتهي الى ابتكار الجديد. ويعد أنتونين آرتو ".. أكثر المجربين الذين أثاروا خلافاً حول مسرحهم في محاولته الوصول الى "مسرح القسوة" الذي ابتدعه، وبعد انكساره بسبب شعوره بالإحباط إثر عدم فهم أفكاره الإصلاحية، يعود الى البحث عن مصادر مسرحه، بسبب ثراء تجريبه واعتماده على خبرته المسرحية الطويلة، استطاع أن يبدع نظريته الذاتية حول "التجريب" بدت هذه النظرية ـ كما يؤكد الباحثون الفرنسيون والبولنديون المفسرون لظاهرة آرتو ـ مسرحاً وصل في تصميمه الى أبعد حدود التجريب الذي يرهص بالمسرح الجديد. وقد حاول هؤلاء الباحثون، بوعي متفاوت الدرجات، فك طلاسم فكرة إبداع آرتو البحثي ومؤشراته الإصلاحية، وتمثلت هذه المحاولات عند بيتر بروك (Peter-brook) ويوجينيو باربا Eugenio barba و.. جروتوفسكي Jerzy grotofski".

لم تولد آراء "آرتو" ونظريته حول مسرح القسوة من فراغ بل ثمة روافد أفاضت بالكثير على فكره إذ ترتبط آراؤه "بتوجهات المسرح الرمزي من جهة وبالحركة السوريالية التي انتمى إليها من جهة أخرى. كما يمكن أن نجد ما يشبه هذه الأفكار في طروحات الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه F.Nietzsche (1844 ـ 1900)، وفي توجهات المخرج السويسري آدلوف آبيا A.Appia (1862 ـ 1938) والمخرج الإنكليزي غوردن كريغ G.Craig (1873 ـ 1966) اللذين طالبا بإعادة طابع القدسية الى المسرح وبنسف المحاكاة وحذف النص".

1 ـ مسرح القسوة وقفة عند المفهوم والجذور:

تعزى هذه التسمية الى مبتكر هذا اللون من المسرح الفرنسي أنتونين آرتو AntoninrArtaud (1896 ـ 1948). وقد صاغ نظرته حول هذا المسرح في كتاب له بعنوان (المسرح وقرينه)، كما وردت الكثير من المعلومات حول المبادئ أو الأسس التي يقوم عليها هذا المسرح ضمن محاضرات له ألقاها بين 1931 و1933م نشرت في الأعمال الكاملة له، حيث طرح "آرتو" ضمن مسرح القسوة مفاهيم جديدة وأعطى لهذا المسرح بعداً فلسفياً "في محاولة (منه) لإعادة صفة القدسية الى المسرح الغربي الذي وصل برأيه الى طريق مسدود حين ابتعد عن أصوله وأهدافه الاحتفالية، من هذا المنظور رفض آرتو المسرح الغربي القائم على المحاكاة، وطالب بتحقيق نوع من السحر والذوبان بين الممثل والمتفرج من خلال إزالة الحواجز بين المعاش والخيالي مستوحياً ذلك من الطابع الطقسي للمسرح اليوناني القديم والمسرح الشرقي التقليدي ومن طقوس شعوب المكسيك".

إن الهاجس الذي يتملك المبدعين من المسرحيين أمثال "آرتو" هو البحث الدائم عن أشياء جديدة تسمو بهذا الفن وبروح الإنسان المبدع والمتفرج معاً إلى عوالم ترق بروحيهما وذاتيهما إلى مستوى الأحلام أليس هو القائل "إن المسرح لن يجد نفسه ثانية إلا لو قدم للمتفرج المكونات الحقيقية للأحلام"، وذلك رغبة في التوصل الى تحقيق التطهير ولكن بمفهوم يختلف عما جاء به أرسطو، وهذا ما سعى اليه "آرتو" في تنظيره للمسرح حيث كان يرمي إلى "تحقيق التطهير بمنظور مختلف عن المنظور الأرسطالي. فبينما كان أرسطو يرى أن التطهير يخلص المتفرج من أهواء معينة ويحقق عودته إلى المجتمع، طرح آرتو التطهير بمنظور علاجي". وفي هذا الصدد ألقى "آرتو" محاضرة عام 1933م حول المسرح والطاعون و"استند.. في شرح فكرته عن صيغة المسرح الذي يدعو اليه إلى ما حصل أثناء الوباء الذي اجتاح مدينة مرسيليا في فرنسا عام 1730م وأدى الى نسف النظام والمجتمع والجسد فكان نوعاً من التطهير، بمعنى أن الطاعون.. نسف.. بنية الماضي (كلية) لخلق شيء جديد. وبناء على هذه المقارنة حدد آرتو وظيفة المسرح الذي يدعو إليه وشكله".

لقد بدا اعتراض "آرتو" على الدراما الغربية واضحاً من خلال آرائه، حيث صاح "معلناً أنها لم تستغل بدرجة كافية إمكانيات المسرح لتجسيد العطب الذي أصاب المجتمع الغربي، وبدلاً من ذلك، فقد فقدت الدراما الغربية كل صلة بالقضايا الجارية وذلك لانشغالها بالتفسيرات وبالتصريح اللفظي، وأصبحت تقريباً مجرد شكل للاسترخاء الممتع يتم فيه تقديم حلول ذهنية لمشاكل وقضايا سطحية بأساليب لا تغير الجمهور". وقام "آرتو" بمقارنة بين الدراما الغربية والدراما الشرقية من حيث العناصر والشكل وخلص الى أن "مسرح بالي Balinese th?atre، مثلاً، لم يكن كشفاً عن فكرة لفظية وإنما عن فكرة عضوية للمسرح، حيث تنحصر الدراما في حدود كل ما يمكن أن يحدث على الخشبة وذلك بالانسلاخ عن النص المكتوب"!.

لقد كان "لأنتونين آرتو" السبق في طرح فكرة العودة بالمسرح الى جوهره الأساسي كما كان في الماضي "وقد وجد.. في طقوس جزيرة بالي في أندونيسيا وفي المكسيك نموذجاً لما يمكن أن يكون عليه المسرح في حال بعثه من جديد وبمعطيات مختلفة، ويعتبر آرتو أول من حقق هذا التوجه فعلياً.. قبل ظهور المفهوم النظري".

2 ـ تحطيم النص ونسفه في مسرح القسوة:

لقد فقدت الكلمة في المسرح المعاصر هيبتها وسلبت منها سطوتها وأنزلت من على عرش لطالما تربعت عليه، ومع هذا الانهيار فقدت قدرتها على التجسيد الدرامي، وضاعت منها في زحمة التجديد سماتها التعبيرية لا سيما منها القدرة الفائقة على التصوير، والايحاء وإثارة الخيال، وأضحت إشارات تومئ بطريقة مباشرة إلى جانب من جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية وغيرها. وضمن حركة التجريب والتجديد رأى الكثير من المبدعين والمخرجين أن الأعمال التي تعتمد على الكلمة تبتعد بالمتلقي المتفرج عن الفعالية في التلقي والمشاهدة، وتنأى به عن المشاركة الفعلية في العرض المسرحي، وأصدق ما ينطبق عليها هو قول "شوبنهاور": "ان التماثيل الشمعية، رغم أن نسخ الطبيعة يبلغ فيها الحد الأقصى، لا تحقق تأثيراً جمالياً ولا يمكن اعتبارها نتاجاً فنياً، لأنها لا تقدم شيئاً إلى خيال الرائي".

لقد بلغ التمرد اذن على التقاليد المسرحية في النصف الأول من القرن العشرين أشده، فظهرت حركات عديدة تنادي بإرساء دعائم وأسس جديدة للفن المسرحي، دعائم تتقوض أركانها في ما بعد ـ حسب قانون التجريب ـ لتكون هي الأخرى تقاليد وإرثاً مسرحياً، ولكنها تحقق على الأقل تغييراً يتناسب وروح العصر؛ ففي هذه الفترة "طالب المخرجون بالسيناريو بدلاً من النص حتى يخلقوا بأنفسهم "مجموعة" مسرحية. وأنزلت الكلمة من على عرشها لصالح طرق تعبير أخرى (فقد) ترك المخطوط مكانه للمقطوعة الموسيقية والقيادة المثيرة الى الايقاع، والقوة الصوتية والضوئية والمكانية في مجموع لا يغلب عليه النص".

وإذا ما تأملنا ملياً مسرح "آرتو" فإننا نجده يقوم على مبدأ أساسي وهو نسف النص وتحطيمه انطلاقاً من الرغبة الملحة في العودة بالمسرح الى منابعه الأصيلة والاحتفالات الطقسية القديمة، للتحرر من كل القيود والمكبلات التي تحيد بالمسرح عن منحاه التحرري الدائم التجدد، باسترجاع طابعه الاحتفالي والتحرر من الكلمة التي أثقلت كاهله؛ والتركيز على الحركة ولغة الجسد "فقد عرف مسرح القرن العشرين اهتماماً متزايداً بالحركة ودور الجسد، وتعددت اتجاهات التعامل مع الحركة ضمن الرغبة في تنضير المسرح والابتعاد به عن سيطرة النص والكلام. فقد ظهرت توجهات تنادي بالعودة بالمسرح لأصوله الطقسية الأولى حيث كانت حركة الجسد ذات طابع قدسي، وأهم من دعا الى ذلك الفرنسي انتونين آرتو".

لقد رأى "آرتو" بأن الكلمة حري بها أن تكون لصيقة بفنون أخرى، لأنها من منظور درامي جانب يثقل كاهل العمل المسرحي، وقد تغيب أشياء كثيرة، بل إنها تسهم أحياناً في التعتيم على المعنى والكنه الحقيقي لما يرد في الإبداع المسرحي، لأنها تنوء بحمل المعنى فلا تقوى على حمله وإبرازه، ومن ثمة تغيّب الجوهر الحقيقي الذي يسعى المبدع الى ايصاله الى المتفرج، أو رفع المتفرج إلى مستواه ليعيش تلك الحالة الشعورية والوجدانية السامية التي يرغب المبدع المسرحي في الوصول اليها. وتحقيق هذه الحالة لا يكون إلا بتضافر مجموعة من العناصر، من شأنها أن تحقق نقلة نوعية في المسرح المعاصر باتحادها في تقديم هذه الرؤية الحلم، وهذا ما سعى جاهداً الى تجسيده "آرتو" معبراً عن ذلك بقوله "إنني أزعم أن للحواس شعراً، كما أن للغة شعراً، هذه اللغة الحسية الفيزيقية التي أعنيها هي حقاً لغة مسرحية بقدر ما تستطيع أن تعبر عن أفكار لا تطالها اللغة المنطوقة.. وكل شعور صادق هو في حقيقته غير قابل للترجمة.. والتعبير عنه خيانة له.. لهذا فكل صورة أو استعارة أو تكوين يسدل القناع على ما يمكن أن يسفر عنه لهو أغنى بالدلالة الروحية من وضوح الكلمات وقدرتها على التحليل.."

ومن منطلق أن مسرح المستقبل مسرح رؤى، لا مسرح مواعظ، أو مسرح حكم أو قصائد على حد تعبير "كريج" أعلن "آرتو" صراحة تمرده الواضح على النص والأداء البلاغي واللغة المنمقة التي كانت سائدة في عصره حيث "كان يهاجم المسرح الفرنسي الذي كانت تسيطر عليه الكلمات وتقديس المؤلف، وبدل شعر اللغة اقترح آرتو شعر المساحة أو المكان مستخدماً وسائل مثل الموسيقى والرقص والرسم وفنون الحركة والأداء الصامت والايماء والغناء والتعاويذ والأضواء والأشكال البدائية".

ويرى "آرتو" أن أجمل تعبير عن المسرح الخالص الذي يدعو له، هو أنه مسرح يحذف المؤلف لصالح ما نسميه المخرج، ويستأصل من ذهن الناظر كل فكرة عن التصنع ومحاكاة الواقع محاكاة تافهة، وهو مسرح نشعر فيه بحالة ما قبل اللغة؛ حالة تستطيع أن تختار لغتها موسيقى وحركات وايماءات وكلمات، وهو يرفض أن يكون المسرح مجرد انعكاس مادي للنص، ويرى أن الإخراج هو التجسيد المرئي التشكيلي للكلمة، باعتباره لغة كل ما يمكن أن يُقال والتعبير عنه على خشبة المسرح، وهو ـ لهذا السبب ـ يتحتم أن يكون فناً مستقلاً".

لقد كان "آرتو" يبحث عن الصدق والشفافية عبر المسرح الذي يعتبره فن الحياة بلا منازع، كما يرى أن قيمة المسرح لا تكمن في حل الصراعات والنزاعات والأزمات، وسبر أغوار الشخصيات وتحليلها للوقوف على علاتها وزلاتها، بل إن المسرح أسمى بكثير من أن يقف عند هذه الجوانب التي ربما تكون الكلمة أنسب لتحقيقها، وقد كتب في هذا الإطار يقول: "إنني أعي تمام الوعي أن لغة الحركة والايماءة والموسيقى أقل قدرة على تحليل مشاعر الشخصية أو الكشف عن أفكارها أو صياغة حالاتها الانفعالية بدقة ووضوح مثل لغة الكلمات، ولكن من قال إن المسرح قد وجد لتحليل الشخصيات أو لحل الصراع بين الحب والواجب، أو غير ذلك من الصراعات في القضايا ذات الطابع المحلي أو النفسي التي تشغل كل مساحة من مسرحنا المعاصر؟...".

لقد حاول "آرتو"، جاهداً أن يبعد النص من دائرة العمل المسرحي، وإن كان حقيقة لا بد منها، فإنه يقلل من أهميته ومن شأن الكلمة بحيث لا يتعدى دورها أن تكون رمزاً أو فكرة "لأن النص برأيه يتوجه الى وعي المتفرج وذهنه ويهمل لاوعيه من هذا المنطلق تحول النص لدى آرتو الى نوع من الصراخ وتلاوة التعاويذ السحرية، كما تحولت الكلمات الى ما يشبه التمتمة في الأحلام".

وإذا ما توقفنا عند المسرحة كأسلوب ومدى استثمارها وتوظيفها من قبل "آرتو"، فعلى اعتبار أن المسرحة كمفهوم ظهرت في الغرب بداية القرن العشرين تعبيراً عن الحاجة الملحة في تلك الفترة للابتعاد بالمسرح عن نطاق الأدب والكلمة، واعتباره كفن له سماته وخصوصيته المشهدية التي تميزه عما سواه من الفنون، والتي تبدو جلية في العرض، ونجد أن "رولان بارت" يعرف المسرحة بأنها "المسرح بدون نص".

ودون أن نتورط في الخوض في المفهوم الواسع للمسرحة نشير فقط الى أنها تزامنت مع الدعوة الى العودة بالمسرح الى أصوله الطقسية التي انبثق منها. فقد "اعتبر... آرتو... أن ماهية المسرح تكمن في الحركة وليس في الكلمة، ولذلك دعا الى مسرح يتخلص من سيطرة النص ويتحول الى ممارسة طقسية لها بعد ميتافيزيقي والى وسيلة تعبير تتجاوز اللغة والحوار كوسيلة للتواصل".

ثم ان "أنتونين آرتو" لم يقف عند حد محاربة سلطة النص والمؤلف المسرحي بل إنه دعا الى عدم الاستسلام لسحر هذه السلطة وهيمنتها التي امتدت منذ آماد بعيدة في حال وجودها، بل يجب أن يقف المبدع المسرحي للنص بالمرصاد حتى لا يتمثله كلياً، وحتى لا يستسلم إليه طواعية أو بالأحرى بطاعة عمياء، طاعة الانقياد للنص وصاحبه ويقول في هذا الصدد: "يجب أن نطبق النص على أنفسنا، ناسين ذواتنا، وناسين المسرح، ونبقى فقط بانتظار تلك الصور الموجودة بداخلنا، عارية، باذخة، ويجب أن نمضي مع تلك الصور حتى النهاية".

3 ـ موقع المشاهد في مسرح القسوة:

إن ما أقدم عليه "آرتو" من تغيير في ملامح المسرح المعهود لم يكن بمحض الصدفة أو بحثاً عن تجديد مفرغ من كل آليات التجديد التي يتطلبها المسرح المعاصر، أو تجديد عقيم، بل هو سعي حثيث الى التجديد المثمر وتقديم البدائل لكل المرفوضات في قاموسه المسرحي، وبغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع ما جاء به فإننا نكبر فيه روح المغامرة بحثاً عن مفردات جديدة وتقنيات حديثة لإثراء العمل المسرحي وجعله إبداعاً فوق العادة.

لقد كانت رؤى "آرتو" متعلقة بالمتفرج، فهو عنصر لا يقل أهمية عن بقية عناصر العمل المسرحي لذا يوليه أهمية قصوى، وكل ما جاء به من تجديد كان لا يهمل فيه الجمهور، ويضع في حساباته كيفية إشراكه في هذا العمل، بل إن منطلق التغيير والتجديد الذي سعى إليه، كان أحد أسبابه المباشرة ـ في اعتقادي ـ هو الجمهور ونستشف ذلك من خلال قوله: "إذا أقلع الناس عن عادة ارتياد المسرح فذلك لأننا قد اعتدنا ـ طوال أربعمائة سنة، أي منذ عصر النهضة ـ على شكل روائي ووصفي للمسرح، مسرح يقوم على سيكولوجية رواية الحكاية...". إن ما يود "آرتو" الاشارة إليه أو بالأحرى دعوتنا إليه هو نبذ فكرة أن المسرح شكل حكائي يتطلب سرداً ووصفاً وكلاماً متواصلاً، فالمسرح برأيه حركة قبل كل شيء، وإذا كان البعض يرى بأن المسرح فرع من فروع الأدب، وأنه مجرد انعكاس مادي للنص، وأن الأسبقية هي دائماً للنص المكتوب لا للنص المجسد كعرض، بل إن البعض الآخر يرى بأن "كل شيء في المسرح لا يرد (أو لا يوجد) في النص ولا يلتزم بحدوده (ما هو إلا)... مجرد جزء من عملية "مسرحة النص" كما... (يظهر) أيضاً في مرتبة أدنى من النص"، فإننا من جهة أخرى نجد أن "آرتو" يعبر عن شكه العميق في المسرح الذي يقوم عمله أساساً على التصريح اللفظي Verbalisation، وذلك من خلال الكلمة ان المسرح ـ بالنسبة لآرتو ـ يقوم عمله على شيء أكثر بدائية Primitive وأكثر جماعية Collective، وحصر المسرح في مجرد الكتابة مسرحيات تتحدث عن أشياء ولا تدمج الجمهور في خبرة جمعية وغير لفظية ـ كل ذلك يرجع الى انحلال الغرب كما يشير الى كارثة مستقبلية محتملة، من هنا كان رد آرتو على هذا الوضع بمسرح القسوة".

وإذا كان بريخت يسعى عبر المسرح الملحمي الى عزل المتفرج وفصله عاطفياً عما يشاهد، ليتمكن من الملاحظة الجيدة فإن آرتو "يريد جمهوره محاطاً بالفعل والتجربة المسرحية بحيث يصبح غير قادر على التمييز بين الواقع والوهم حيث تبدو هذه الطريقة ـ من وجهة نظره ـ هي الطريقة الوحيدة التي يحقق المسرح من خلالها أثره التطهيري المطلوب"، تلك نظرة آرتو الى المتلقي المتفرج.

4 ـ موقف آرتو من الممثل:

لقد ترك راقصو جزيرة بالي أثراً عميقاً لدى "آرتو" في ما يتعلق بتصوره حول المسرح، فالمسرح خلق ابداعي في ذاته لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يحصر في مجرد التجسيد لنص درامي، لذا تعالت صيحات عديدة وتوالت الواحدة تلو الأخرى وكان الهدف منها هو الاستمرارية في الدعوة الى الأفضل والأسمى في فن المسرح وإن كانت بعض هذه الشعارات لم تصدر بشكل واضح عن "آرتو" إلا أن لبنتها الأساسية كانت عبر رؤاه وتصوراته التي تبلورت في شكل تجارب بل نظريات ومبادئ سعى المبدعون المسرحيون الى تجسيدها منها على وجه الخصوص "كيف يمكننا أن نعيش العمل الفني مرة أخرى دون أن نكتفي بتأمله؟...".

ولا شك أن العمل الناجح على الإطلاق هو ذاك الذي يترك أثراً في ذات المتفرج فيعيشه دون انقطاع لفترة ربما تكون طويلة أكثر مما يتصوره المبدع في حد ذاته، وهنا يكون هذا الأخير قد بلغ غايته التي يصبو إليها، وتحقق له جزء مهم من أهداف عمله الذي لا يقف عند حد التأمل الذي ينقضي بانقضاء العرض، وإن كانت هناك أهداف أخرى لم تولد بعد تنتظر ميلادها بتوهج فكر المبدع وذاك دأب التجريب في المسرح بحث مستمر عن الجديد.

ومما لا شك فيه أن الممثل عنصر من العناصر الفعالة في العرض المسرحي والذي تلقى على عاتقه مسؤولية كبيرة أثناء العرض، إذ يعوّل عليه في ترجمة الكثير من الأفكار والرؤى التي يسعى الى تجسيدها مبدع العمل المسرحي من خلال جملة من العناصر. فالممثل إذن عضو هام في العملية المسرحية ولا تقوم للعروض المسرحية قائمة إلا به، حتى التي توظف الدمى منها لا يمكنها الاستغناء عنه. ولكن في المسرح المعاصر الذي تحول من مسرح نص الى مسرح حركة طرأ تحول على وضع الممثل وتراجع هامش الحرية في الإبداع الذي كان يتمتع به مع هيمنة المخرج ولم يعد سوى أداة في يده، ولكن هذا الوضع لم يستمر طويلاً إذ "ضمن التوجه لتنظير المسرح في الغرب، عاد الممثل ليصبح أساس العرض، فقد اعتبر مؤديا خلاقا performer يمارس طقساً يصل به الى حالة النشوة أو الوجد Transe، وإنساناً يعيش المسرح كتجربة حياتية ومسرحية بآن واحد بحيث صار التدريب Training هدفه الأساسي وليس العرض". وكان ذلك موقف "آرتو" من الممثل في مسرح القسوة، بل إنه اعتبر جسد الممثل أساس العمل المسرحي؛ حيث يرى أن اللياقة الجسدية للممثل تسهم بشكل كبير في التأثير على المتفرج وتخلق لديه حالة الوجد أيضاً، كما تتحقق لديه النشوة التي يصل اليها الممثل؛ فالعدوى تنتقل من الممثل الى المتفرج لذا يعتبر "آرتو" الممثل وسيطاً في الطقوس السحرية. "من جهة أخرى اعتبر آرتو الممثل قرين المصاب بالطاعون.. مع فارق واحد هو أن على.. الممثل.. أن يظل مسيطراً على العنف الذي بداخله من خلال وعيه للنقاط الحساسة بجسده وسيطرته عليها مما يجعله يشع ويؤثر على المتفرج، فيكون بذلك المضحي والضحية.. في الوقت نفس، ضمن نفس الإطار الطقسي".

الخاتمة

"فلنقذف بالمسرح من جديد في قلب الحياة" صيحة أطلقها "آرتو" ذات مساء، ولكن هل فقد المسرح الحياة لذا علت هذه الصيحة؟ هل كان المسرح مفعماً بالحياة ثم فجأة انطفأ بريقه وأفل نجمه تدريجياً؟ هل المبدعون المسرحيون الذين يقفون على قمة الهرم بتجاربهم المستمرة هم من يحملون بين جنباتهم اكسير الحياة الذي يعيد للمسرح من جديد حيويته؟

إن التجارب المسرحية التي سجلها تاريخ المسرح تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أو الجدال أن المسرح كان فعلاً بحاجة الى التجديد الذي يبث فيه بين الحين والآخر الحيوية، فالضرورة الملحة لذلك هي التي دعت عدداً كبيراً من المبدعين الى رفع شعار التجديد والى جانبه شعار آخر هو شعار التحدي والايمان الصلب الذي لا يلين لإعادة البناء من جديد، فكانت النتيجة تجارب ـ من بينها تجارب الفرنسيين الفريد جاري وأنتونين آرتو ـ وعروض دمرت معاقل المسرح النمطي التقليدي، وهدت كيانه وأسلمته الى ماضٍ يبني على أنقاضه ما يليق بالفنان المبدع والجمهور المتفرج معاً في ثنائية يحكمها التجانس والتأثر والتأثير، تلك العلاقة الجوهرية الجدلية التي يتم بين الحين والآخر إعادة بنائها وفق مفاهيم ورؤى جديدة، وسيظل التجريب قائماً الى أبد الآبدين طالما أن هناك مبدع ومتفرج.

(*) باحثة جزائرية قدمت هذه المقابلة في الندوة الفكرية لمهرجان القاهرة للمسرح التجريبي 2005.


التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.