الرئيسية » » رواية سرير الرمان (17) | أسامة حبشي

رواية سرير الرمان (17) | أسامة حبشي

Written By Unknown on الأحد، 17 يناير 2016 | 9:08 ص

(17)


عادت كاثرين فى صباح اليوم التالى وحدها، محملة بحقيبة بها كم من الكتب الأدبية، وكم من السجائر والعصائر والسكر والشاى وقليل من الملابس، قررت كاثرين أن تقلل من طول شعرى، فجلست أمامها  على حافة البحر، وقصت شعرى، واحتفظت بالشعر المقصوص، الكثيف، فقد كان شعرى يتجاوز المتر بقليل. أستطيع القول أنها قصت نصفه فقط ،  أخبرتنى أن شعرى يعجبها أكثر وهو طويل،  وبدأت بعدها فى وضع الكتب وكأنها مكتبة صغيرة، الحقيقة بينما أتطلع لكتبها وجدت رواية" بالومار" باللغة العربية، هنا فقدت قدرتى على الإستمرار فى اخفاء حقيقتى ككاتب، وأفصحتُ بخبث عن قليل من سرى،وأخبرتها أننى أحفظ الرواية بالكامل وأننى أحب الأدب وتحديداً "دستويفسكى "و"كالفينو" و"سارماجو" وأضفت "كاواباتا". كاثرين تنظرى بفضول وفرحة، تعودت على وجود كاثرين وبدأنا نعيش حياتنا كزوجين متفقين فى كثير من الأمور، وكانت بيننا مساحات من الحرية، ينام من يشاء ويقرأ من يشاء ، وهى كل صباح تمارس رياضة الجرى، وأنا أمارس الصيد، وكثير من الأوقات ندرك أن الجسد يحتاج للإعتناء به من خلال الممارسة، أخبرت كاثرين عن عشقى لجسدى ولاعضائى، وهى أخبرتنى عن رغبتها فى رؤية خيمة البدوى، ذهبنا هناك ليلاً، فوجدت الابن الأكبر للبدوى قد نفذ وعدته، ووجدت مقاما يتوسط الخيمة،  كان المقام جميلاً وشامخاً وسطها، وجعل المقام كاثرين تستفيض فى الحديث عن مقام ابن الفارض بمدينة الحب  والجنون ، الليلة دافئة ، صوفية ، بدوية ، صحراوية، وبجانب البئر مارست مع كاثرين والغريب أن صوتاً صافياً أتى من عمق الصحراء ومن بطن الجبال منشدا شعرا لإبن الفارض، والغريب أن شعر البدوى الذى كان يحرس من قبل جسد البدوى بالسرير المائى جاء من بين الجبال كسجادة سحرية، ورقد بجانبنا، وفى حركة تمرغنا فى عمق الشهوة، وجدنا أنفسنا فوق السجادة الحريرية المكونه من شعر البدوى، الشعر هنا كان بالفعل سجادة حريرية من "كاشان" ، طافت بنا السجادة بطول البحر وليس بعرضه حتى بزوغ الشروق واليوم الجديد، ثم عادت بنا حيث المقام، لم نتفوه بكلمة وغُصنا فى صفاء الروح.
 بدأت كاثرين فى التذكر هى الأخرى، وكانت عكسى تتذكر من خلال الحكى بصوت عالٍ، حكتْ لى عن أول حب لها بمدينة هامبورج وعن أول عمل كنادلة ببار فى نفس المدينة، واستمرت ثلاثة أيام تحكى عن الجامعة، وتبكى والديها بحزن.
كنت عندما أريد العودة للتذكر أذهب وحيداً بين الجبال المحيطة بخيمتنا. حاولت كاثرين كثيرا أخذى لرؤية شقتها بالمدينة السياحية، لكننى رفضت، لا لسبب خاص، وإنما لسبب عام ألا وهو أن أننى لا أريد ترك نفسى أنجرف خطوة بعد خطوة لترك خيمتى.
 هناك أيضاً شىء مشترك بينى وبين كاثرين منذ لقائنا الذى يعود لعامين، ألا وهو الإشتراك فى  رغبة التذكر، واستعادة اللحظات. بالطبع فلسفة كاثرين فى التذكر ليست مثل فلسفتى، ولكن الهم العام للتذكر، هوهم مشترك بيننا. كان كل منا بداخله حزن ما وفرح بالماضى، ولكن كم تمنيت أن تدرك كاثرين أننى صنعت هذا الماضى لكى يكون مستقبلى كما هو الحال الآن بالنسبة لى، فالأفكار هى التى تبقى أما البشر فهم زائلون، وذلك مايعطى قيمة للأدب ولكل التراث الإنسانى عبر العصور. نعم بالتذكر نجلد أنفسنا ونكتشف أخطاءنا قبل مزايانا، ولكن بكل حق أعترف أننى إذا مت الآن قبل إنهاء روايتى التى لم أكتبها بعد فإننى راضٍ عن حياتى الماضية كل الرضا، رغم خطئى الفادح فى حق أسرتى
التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.