الرئيسية » » رواية سرير الرمان (10) | أسامة حبشى

رواية سرير الرمان (10) | أسامة حبشى

Written By Hesham Alsabahi on الجمعة، 1 يناير 2016 | 7:15 ص

(10)

سبع سنوات مضت، أقاسم البدوى حياة الصحراء، وأكتشف ماحولى متحداً مع كل مايحيط بى، وفى اليوم الأول للعام الثامن مع البدوى . كنا معاً  فى مركبنا وكان يحكى عن طفولته وعن أول صيد له، فجأة أحس البدوى بنغزة قوية، وأدرك أنه يُنتزع من لحظته وزمانه، مدركاً أن الشجرة تعجز الآن عن حمل فروعها. لذا طلب منى ألا أعود به إلى الشاطىء وأن أتركه بمفرده على المركب، لعل وعسى تفيض روحه هناك حيث مدينة الحلم "كاشان". كنت أعى أنه يحتضر، وكان يهذى مؤكداً أن العالم سيدخل حرباً عالمية ثالثة قريبا، وأن بلاداً ستمُحى من الأرض،وبلادا ستظل تحارب شيوخها من أجل خلاصها،وكثيرا ما أكد البدوى على خوفه من انهيار سوريا ومن استغلال اسرائيل  لهذا الإنهيار فى ضرب ايران، وكان يدعو أن تظل الصحراء هنا وكذا فى "كاشان"  وفجأة  شد على يدى وطلب منى العودة للشاطىء عائماً ، أخبرته أننى سأتركه حالاً، وذهبت روح البدوى  بعيداً وظل هو مجرد مجموعة من الأعضاء العاطلة التى مازالت تستمتع بالماء.
 أنا الذى لم أحزن مطلقاً لرحيل من عرفتهم، أبكى الآن البدوى. أحس البحربموت البدوى فتوقفت الأمواج، وصارت قطعة أسفلت متساوية ومستقيمة. السماء بدلت لونها من الأزرق المخلوط بالرمادى واكتست بعباءة اللون الأبيض الناصع، الشاطىء على البعد يتأمل الموقف فى حزن، كل شىء صامت، الجبال لونها  تحول إلى اللون الأبيض وكأنها جبال ثلجية. تأملت وجه البدوى وكأننى أراه لأول مرة فوجدت أنه يشبه السيدة العجوز فى بياض بشرته والنمش الكثيف بوجنتيه، الشعر الأبيض أسفل شاله يستنجد بى لرفع الشال وكأنه يرغب فى التنفس أو أنه شعر بالاختناق لموت البدوى لا أدرى؟ أزحت الشال، وبمجرد انتهائى من جمع الشال بيدى، وجدت شعر البدوى طويلاً ناعماً كشعر النساء بالرغم من بلوغ البدوى العقد الثامن من العمر. هذا الشعر الطويل يقف و يتضفر وحده فى جدائل وكأنه نسيج فى يد عامل ماهر يغزل السجاد ب"كاشان"، وبعد أن صارت كل مجموعة من الشعيرات فى خصلةٍ واحدة، بدأت الخصلات فى الارتفاع ومن ثم طارت فى الهواء، وكأن البحر كله مجرد لوحة من خصلات شعر البدوى، نظرت للرأس فوجدتها صلعاء وعليها جملة مختصرة هى"حان الرجوع ..إننى هناك"، تسمرت مكانى وأنا أنظر الرجل وشعره هناك حوله يودعه راقصا، مرت أمامى لقاءات البدوى بى منذ أن قابلته فى شريط يمر أمامى كلقطة فوتومونتاج  طويلة بالسينما ، الغريب أن "سرير الرمان" تحمل بصبر كل حركاتى المنفعلة على سطحه ، بدأت فى البكاء وجسدى ينتفض، وجسد البدوى ممدد فى نشوة غريبة. البدوى فى حياته هادئ وفى موته هادىء أيضاً، تذكرت رغبة العجوز فى تركه بمفرده فى المركب، فإنحنيت وقبلت جبهته وغُصت فى الماء سابحاً باتجاه الشط ، وأنا أختلس النظر ورائى كل بضعة أمتار، أنظر و ألمح الشعر يحيط بالمركب وكأنه يحرسه، وصلت إلى الشاطىء ونظرت إلى المركب، فوجدت أعضاء البدوى تتطاير فى الهواء راقصةً مثل خصلات الشعر من قبل ، كل عضو يتعقب الآخر، بدأ الأمر بيديه وانتهى بقدميه، هاهو البدوى يتوحد مع الطبيعة ويرحل عبر أجزائه هناك ، ربما إلى "كاشان"وربما إلى السماء .
        بدأت الشمس فى التيقظ ، والبدوى لم يعد موجوداً هنا قرب الشمس فى نهار جديد من صيف المدينة الصحراوية، كل مارأيت لحظة موته كان كافياً لإصابتى بالإغماء، وهذا ما حدث، وبعد ساعة صحوت من إغمائى فوجدت المركب يقترب من الشاطىء خاوياً، رحل البدوى وترك لى جملاً وماعزين وحصان، وفلسفة فى الموت والحياة.
التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.