رواية سرير الرمان ( ٥) أسامة حبشى


(5)

  مضت ثلاثة أسابيع وأنا فى ضيافة البدوى، هو يتحدث وأنا أسمع وأحاول حفظ معلوماته عن المكان، قال كلاماً كثيراً يعود  إلى الحرب العالمية الثانية حتى الآن. كان البدوى مغرما بمدينته الصحراوية، يتغزل بها كمحبوب عاشق،  البدوى يتجاوز العقد السابع من عمره، يعيش بمفرده برغم كلامه عن أسرة تتكون من ثلاثة أبناء، أبناؤه الثلاثة كل فى ناحية من مدينة الصحراء، حيث السياح والمنازل التى بها الكهرباء على حد قول البدوى، قال إنه يزورهم أحياناً ويرى أحفاده، لكنه لا يجد ذاته إلا هنا بمفرده وسط الرمال وبمحاصرة الجبال، قال إنه ود لو تحول إلى صخرة وسكن بطن الرمل أوالجبل، بدأ البدوى يتحدث فى حزن وبدأ يهذى، البدوى كان على شاكلتى له طريقته الخاصة فى الحياة ولا يحيدعنها مهما كان الثمن المدفوع فى المقابل ، البدوى رجل ، قصير القامة ، يحجب شعره الطويل جداًكالنساء المحجبات ، وهومختزل للكلمات وكثير التحرك ، ويرى الدنيا بكف يده، يعيش كجزء من المنظر المحيط به ينام عندما تنعس الرمال ويستيقظ عندما تضحك الصخور، يتنفس  مثل الأشجار البرية المنثورة بجانب خيمته، لدرجة أننى كنت أشعر أن ساراماجو قد قابل هذا البدوى قبل البدء فى كتابة روايته"ثورة الأرض" فقد كان كلام  البدوى عن الطبيعة يتشابه ويتفوق على وصف ساراماجو للأرض، البدوى يقول أن الجبال بها مؤنث ومذكر، وأنها تتزاوج بالنظر وعبر الرياح، وأن الصخور هى نتاج هذا التزاوج، وأن الجبال تنتقل من مكان لآخر كل فترة زمنية طويلة. نعم أعرف أنه عقب انهيار العصر الجليدى وبفضل البراكين تحركت الصخور وكونت مايعرف بالجبال ، ومن المحتمل عقب ارتفاع حرارة الأرض غير المسبوق فى السنوات الأخيرة أن تتفجر قشرة الأرض  ومن ثم ستنتقل الصخور مرة أخرى وتتحرك الجبال ، ولكن ما عدا هاتين الحالتين كيف تتحرك الجبال ؟ هذا السؤال إجابته فقط عند البدوى .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الزنجي الذي تابوته بياض وخضرة وزهر وشدو طيور الغابات العذراء...| إيمي سيزار / Aimé Césaire | ملف من إعداد وترجمة آسية السخيري

اتصل بنا