ماري جيتسكل وستة دوافعٍ للكتابة ترجمة: أسماء المطيري

Written By Hesham Alsabahi on الأحد، 6 ديسمبر 2015 | 9:09 ص


ماري جيتسكل وستة دوافعٍ للكتابة  ترجمة: أسماء المطيري

أكتب من أجل أن أشبع حاجة أساسية فيّ.

  “الكتابة هي القدرة على توحيد قوى الأنا والتعاطف مع كل ما حولك في الوقت نفسه .. فالتعاطف نداء، وتسخير أناك في عمل مبدع هي الاستجابة.”

 لماذا يكتب الكتّاب؟

يرى الكاتب الإنجليزي المعروف جورج أورويل على سبيل المثال أن هنالك أربعة دوافع مشتركة لدى الجميع، تحضهم على الكتابة. بينما تعد الكاتبة الأمريكية جوان ديدون الكتابة بوابة عبور لعقلها. أمّا بالنسبة للروائي الأمريكي ديفد فوستر والس فهي متعة خالصة. فيما يؤمن الكاتب الأمريكي مايكل لوسي بأنها ضرورة يكبر في ظلها وهم الإبداع لديه. وللروائية جوي ويليامز فهي النور.. آخر النفق. ويحس بها الكاتب الأمريكي تشارلز بوكوفسكي شهاب ينطلق من روحه. ويشعر الكاتب الإيطالي إيتالو كالفينو معها بالأمان والشعور بالانتماء لجماعة متكافلة. وتنبع في سوزان أورلين من شغف لا يخبو.

 لماذا يكتب الكتّاب؟

لا أحد أجاب على هذا السؤال بشكل أروع من الكاتبة الأمريكية ماري جيتسكل، وذلك في مقالتها التي نشرت بعنوان: الذئب المترصّد بين العشب، المأخوذ حرفياً عن تأملات فلاديمير نابوكوف المعروفة في فن الكتابة والتي ظهرت للنور عام ١٩٩٨ ضمن مختارات أدبية حملت عنوان: لماذا أكتب؟ تأملات في حرفة الكتابة (مجموعة ثرية تضم مقالة ديفد والس: طبيعة المتعة وغيرها من المقالات المميزة حول الكتابة لآن باتشيت وإليزابيث غيلبرت ورك باس ونورمان ميلر ورك مودي وغيرهم).

 ذكرت ماري في مقالتها الرائعة ستة دوافع تحضنا على الكتابة وهي كالتالي:

١- أكتب من أجل أن أشبع حاجة أساسية فيّ. أؤمن بأن هذه الحاجة متأصلة في دواخلنا.. بسببها يرسم الأطفال بيوتاً وحيوانات، بسببها يرسمون أمهاتهم، محاولين بذلك ترك بصمة في هذا العالم الملموس. هذا العالم الذي يغمرنا بكل ما يحرك حواسنا: ضوء الشمس، النجوم، الألوان، الروائح، تعابير الوجوه والأصوات، ملمس كل ماهو ناعم، طعم كل ما هو حلو، معتدل أو مالح، مليء بنكهات الدنيا، ساخن أو بارد. يغمرك العالم لسنوات بكل هذا، فما يعود بيدك سوى أن توشوش أو تصرخ إن كان في وسعك، حتى يأتي اليوم الذي تستطيع فيه أن تعكس هذا كله بريشة وورقة، فتفقد صوابك للحظة وتصرخ في مدى الكون: أنا أسمع! أنا أبصر! أنا أشعر! هذا بالضبط ما تفعله الكتابة .. إدراكٌ يولّد البهجة وإبداع جارف، نقي. نداء رائع وإجابة أروع!

أما بالنسبة للدافع الثاني للكتابة، فتعكس فيه ماري وجهة نظر الروائية الأمريكية سوزان سونتاج، والتي ترى بأن الكاتب ما هو إلاّ إنسان صوّب حواسه كافة نحو الكون من حوله .. متأمل عاكف إن صح التعبير.

٢- أكتب لأمنح ما أحس به لا ما أراه هوية وشكلا. أحاول بالكتابة حفظ لحظات كتلك التي تدخل فيها إلى غرفة المعيشة، لترى والدك وهو مستلقٍ على الأريكة، مأخوذ بلحن ما، ولصغر حجمك لا يشعر بك حوله، فتبقى مكانك تتأمل ملامح وجهه وهي تتلبس الأغنية.. مشاعر تنبع من الروح، إنها تعابير لا شك جديدة عليك. وفجأة يعي بوجودك فيبتسم .. وتظل الموسيقى تملأ المكان .. مع تعابير وجهه الجديدة عليك.

وكما كتب نابكوف في تأملاته أن الكتابة ما هي إلاّ وسيط يربط بين الذئب في قصة الراعي الكذاّب والذئب الحقيقي المترصّد بين العشب، ربط بين ما هو واضح وبين ما هو خفي، فقد أسهبت ماري في هذا الجانب وكيف أن جوهر الكتابة يكمن في القدرة على منح ما نعجز عن وصفه شكلا ما، حيث قالت:

أحاول فيما أكتب من قصص، محاكاة الحياة وتفاصيلها، مثلما تحاكي تلك المخلوقات الصغيرة أوراق الشجر والأغصان. أحاول وأنا أدوّن ما قد حدث أو ما كان سيحدث، منح الأمور الواقعية بعدا آخر وعمقا .. فهذا البعد اللا ملموس لكل ما هو معتاد ثري جداً.

 ولكن في الدافع الثالث للكتابة، تناقض ماري ما كتبته أعلاه من أن جوهر الكتابة يكمن في استشعار ما يكتنف عالمنا وأحاسيسنا من أبعادٍ غير ملموسة، وهذا يوافق ما ذكره جورج أورويل في إحدى دوافعه، حيث كتبت:

٣- أكتب لأشعر بأهميتي في هذا العالم، أكتب لأشبع الأنا فيّ ..

وحتى تكتب شيئاً ذا صدى وحضور، حول ما تراه وتشعر به، يجب أن تكون نظرتك للأمور فريدة من نوعها، ويجب أن تكون الأنا حاضرة فيك. فحين يقال لكَ وبشكل متكرر أن وجهة نظرك عديمة الجدوى، خاطئة، أوغير منطقية ستفز فيك .. ستتجهم كمراهقة أغلقت على نفسها باب غرفتها وتمتمت في عبوس: لا أحد يستمع لي .. لا أحد يهتم لي .. سيأتي اليوم الذي يرون فيه ما أنا قادرة عليه!

 وتضيف ماري:

كُنتُ فيما مضى أكتب القصص لأريهم ما أستطيع فعله.. لأشعرهم بأهميتي! ولا أخفيكم بأنني أخجل من كون الأنا أحد دوافع الكتابة عندي، ولكنها تعمل كمحرك لا يهدأ.. تكافح فيّ بلا هوادة، حتى لا يأتي شخص ما وينتزع مني بكل سهولة وجهة نظري أو يقلل منها.. بل تدفعني لأن أكون الأفضل حتى لو لم يكن هنالك أي تهديد.

 ولكنها تتدارك بعد ذلك ما كتبته حول أهمية الأنا، قبل أن يرتفع أيّ حاجب، ويُستدعى الأديب البريطاني ألان واتس ليدلي برأي معارض. تعود ماري وتعبر عن الإشكالية الحاصلة في هذا الدافع فتكتب:

توجد مشكلة واحدة فقط، كلما كبرت هالة الأنا كلما صغرت في عينك أفكارك! فقبل مدة مثلا، اضطررتُ إلى تحمّل الكثير من المشاق، من أجل أن أشعر بالثقة مجددا، لدرجة اعتزالي التام للناس! هدأت أناي بعدها وبدأت أتقبل وجهات النظر الأخرى وأستكشفها.


أكتب حتى أضم الأشياء بعضها ببعض، وأستشعر الحب.

 وفي الدافع الرابع، تؤكد على دور التعاطف مع الآخرين ومنح صوت وروح لكل ما هو مهمش في حياتهم فتقول:

٤- أكتب لأميّز كل تلك اللحظات والأشياء الصغيرة التي لا نوليها الاهتمام الكافي أونغفل عنها معظم الأوقات، أكتب كي أحفظها من الضياع. قصدتُ مرة إحدى المقاهي وحدي، وبينما أنا أتناول إفطاري، لفتت انتباهي سيدة كانت تقف إلى جوار طاولة، تتبادل أطراف الحديث مع من كانوا جالسين عليها. بدت علامات تقدم العمر ظاهرة عليها، رغم صغر سنها. كان لها بشرة ذات تجاعيد، وشعر مصبوغ بشكل سيئ. كانت تبتسم لهم بحماس وتمازحهم، لكن جسدها كان ذا هيئة مهزومة، منهارة، بفعل العادة. ظهرها منحنٍ، ورأسها منحسر بعض الشيء، وكتفاها منحدران. كانت صاخبة وفجة وهي تعبر عن نفسها، ولكن مختلفة في الوقت نفسه! كانت تتحدث وكأنها أضحوكة لمن حولها. ورغم هذا كله، كان شيء ما حيالها يحاول طرد الهزيمة التي تسكنها. حيوية حلوة، ممتعة، ومشتعلة أكاد أشعر بها تنطلق من روحها. استشعرت لحظتها أهمية التأمل؛ لو لم أراقبها بانتباه لما كنتُ لأفهم هذه المرأة، لما كنت رأيت فيها ما هو حيّ وإنساني للغاية. تساءلت بيني وبين نفسي يا ترى كم شخصاً رأى فيها هذه الحياة، بل هل رأتها هي نفسها! مثل هذه التفاصيل الصغيرة التي عادة ما يتجاهلها الناس، تعني لي الكثير، وكم أكره أن تضيع، أو أن تفهم بشكل خاطئ وقبيح. أودّ أن أعطيها الاهتمام الذي يليق بها وأنميها، ولكنني أبخل فيها في قصصي التي أكتبها. أبخل لأنني أؤمن بأن جزءا ممّا يكتنف النفس البشرية من غموض، يكمن في رقة هذه التفاصيل واللحظات،وفي نفس الوقت تجاهلها وعدم الإحساس بها.

وتسلط الضوء ماري في الدافع الخامس على ما ركزّ عليه الكاتب الإنجليزي أوسكار وايلد .. وهو حس الاستجابة لكل ما حولنا. إضافة إلى ذلك، عكست ماري في دافعها هذا أهمية القراءة والكتابة وكونهما مكملان لبعضهما، فتقول:

٥- نكتب لنوصل أفكارنا ومشاعرنا.. وحين نقرأ، لا نقرأ لمجرد أن نقرأ، بل لنفكر، نحلل، ونستجيب، فالقراءة فعلٌ ديناميكي يمكننا من التلقي والاستجابة .. وأنا أحب أن أتمكن من الاثنين.

 تذكر ماري بعد ذلك اقتباسها المفضل من رواية الضحية ( The Victim ) للكاتب الأمريكي سول بيلو، والذي عبر فيه عن أقصى مدى للأدب:

كتب سول مرة أن الأدب يضرب حتى النقطة الأعمق في الحياة. حين أفكر في كلامه، أستشعر هبة الحياة.

 وفي دافعها السادس للكتابة، تذكر الكاتب نابكوف فتقول:

٦- أكتب حتى أضم الأشياء بعضها ببعض، وأستشعر الحب. هذا يذكرني بإحدى روايات نابكوف القديمة والتي حملت عنوان ضحكة في الظلام ( Laughter in the Dark ). كانت مكتوبة بحبكة بسيطة، ومبتذلة بعض الشيء. تحكي قصة شاب متوسط العمر ساذج ذا ثروة طائلة اسمه ألبينوس، يقع في حب مارجت .. فتاة دنيئة وعديمة القلب تبلغ من العمر ستة عشر عاما. تحاول هي وعشيقها ركس تدمير ألبينوس وعائلته بطريقة صادمة وعديمة الرحمة. تبدو الرواية بشكل عام وكأنها مسلسل درامي، ولكن ما يجعلها مميزة إلى جانب جمال اللغة، هو قدرة نابكوف المذهلة على تقمص أبطال روايته البربريين وكل ما يتلبسهم من روح. فرغم شيطانية مارجت وركس التي لا خلاف عليها، تجدهم ملآى بالحياة ومندفعين لها، فاتنين فتنة خدّاعة. تمكّن نابكوف من تلبس قسوتهما وحيويتهما كما لو كان تيار كهربائياً، ومن ثم يخرج من حذائيهما لينتقل إلى جو أقل حدة وشرا مع الأضحوكة المسكين ألبينوس، وزوجته الساذجة اللطيفة ويخرج مجددا .. يفعلها بكل بساطة! إن القدرة على فعل كل هذا يتطلب فهمًا عميقا للحياة وكل ما يتعلق بها .. وهذا باعتقادي نوع من أنواع الحب.

تختم ماري مقالتها بوصف تجربتها في الكتابة، تجربتها التي تجلى لها من أعماقها نور الإبداع، وكيف أنها على حد قولها، محاولة لربط أجزاء مختلفة ومتباعدة، وكأنها تصميم لفسيفساء على سطح الماء! :

عندما أبدأ في كتابة قصة ما، لا أشعر بأني أربط أيّ شيء، بل أشعر وكأني أشق طريقاً طينيا! ولكن في بعض الأوقات خلال الكتابة، أحس بأنني أحمل معي كل ما وصفته من أجزاء في صندوق شفاف! لا أحاصرهم بل على العكس تماماً، أمنحهم الحياة وفرصة العيش بحرية، دون تغيير! أضطرب جراء ذلك؟ أستاء؟ بكل تأكيد، ولكن سرعان ما يغلب الحزن لا لشيء سوى أن معظم ما كتبته، ما بداخل الصندوق، مدعاة للحزن. هذا الحزن الرقيق، يوّلد فيّ التواضع، البهجة، والحب! غريب بعض الشيء؟ أعلم ذلك! معظم ما أكتبه لا يدعو للحب، لكن فعل الكتابة ذاته يمنحني هذا الإحساس.

 رغم توقف دار النشر عن طباعة أيّ نسخ إضافية من كتاب لماذا أكتب (Why I Write)، إلاّ أن نسخاً قديمة منه ما تزال متوفرة، وتستحق عناء البحث. كما أنصح بقراءة الكتاب المشابه له والذي نشر في وقتنا الحالي، حيث يعد أحد أفضل الكتب المعنية بالكتابة مبيعا لعام ٢٠١٣. أنصح كذلك بقراءة نصائح الكتّاب الكبار حول الكتابة.



التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.