الرئيسية » , » وليم زنسر: رتّب وحداتك… ترجمة: جهاد الشبيني

وليم زنسر: رتّب وحداتك… ترجمة: جهاد الشبيني

Written By Gsm Egypt Server on الأربعاء، 30 ديسمبر 2015 | 7:23 ص

وليم زنسر: رتّب وحداتك…
ترجمة: جهاد الشبيني

جميع أنواع الكتابة في جوهرها متعلقة بحل مشكلة؛ من الممكن أن تكون المشكلة: من أين تحصل على الحقائق أو كيف تنظم المادة؟ من الممكن أن تكون المشكلة متعلقة بالمدخل أو بوجهة النظر أو بلغة الخطاب أو بالأسلوب.

بالكتابة تتعلم الكتابة، إنها حقيقة بدهية، إلا أن ما يجعلها بدهية هو أنها حقيقية، والطريقة الوحيدة التي تتعلم بها الكتابة هو أن تجبر نفسك على إنتاج عدد محدد من الكلمات بمعدل منتظم.

إذا ذهبت للعمل في صحيفة طُلِب منك أن تكتب مقالتين أو ثلاثًا كل يوم، ستكون كاتبًا أفضل بعد 6 أشهر، لن تتحسن كتابتك بالضرورة؛ ومن الممكن أن يكون أسلوبًا مليئًا بأشياء كثيرة غير منظمة وكليشيهات، ولكنك ستعمل على تمرين قدراتك على الكتابة باللغة الإنجليزية وعلى اكتساب الثقة وعلى التعرف على المشاكل الأكثر شيوعًا.

جميع أنواع الكتابة في جوهرها متعلقة بحل مشكلة؛ من الممكن أن تكون المشكلة: من أين تحصل على الحقائق أو كيف تنظم المادة؟ من الممكن أن تكون المشكلة متعلقة بالمدخل أو بوجهة النظر أو بلغة الخطاب أو بالأسلوب.

أيًّا كانت المشكلة، يجب مواجهتها وحلها، في بعض الأحيان ستيأس من إيجاد الحل الصحيح، أو من إيجاد أي حل على الإطلاق، ستفكر: “إذا عشت حتى سن التسعين، لن أخرج من هذا المأزق”، وأنا شخصيًّا أفكر في هذا الأمر غالبًا، لكن عندما أحل المشكلة في النهاية، فإن ذلك يكون راجعًا إلى أنني أشبه الجراح الذي يستأصل الزائدة للمرة الخامسة بعد المائة؛ لقد مررت بهذا الأمر قبل ذلك.

الوحدة هي ركيزة الكتابة الجيدة، أولًا رتب وحداتك، الوحدة لا تحمي القارئ من التوهان في كل الاتجاهات فحسب، وإنما تشبع حاجة قارئك الداخلية إلى الترتيب وتطمئنه بأن الأمور تحت السيطرة، وعلى هذا اختر من بين المتغيرات الكثيرة وواصل العمل وفقًا لما اخترته.

أحد تلك الاختيارات وحدة الضمير؛ هل ستكتب بصيغة المتكلم أم المشارك أم الغائب أم المتفرج؟ أو حتى بصيغة المخاطب التي يكتب بها أفضل كتاب الرياضة المهتمين بأسلوب “هيمنجواي”؟ (لقد عرفت أن هذا الأمر كان لابد له أن يكون الصدام الأكثر إثارة الذي تراه في حياتك، بين عمالقة، من مقعد بالغرفة المخصصة للإعلاميين في الملعب، وأنك لم تكن غرًا وسط مجموعة من المحترفين).

وحدة الزمن هي خيار آخر، أغلب الناس يكتبون أساسًا في الزمن الماضي (ذهبت إلى بوسطن ذلك اليوم)، لكن البعض يجد الكتابة بصيغة الحاضر مقبولة (أنا أجلس في عربة أكل اليانكييز ومتوجهون إلى بوسطن)، ما ليس مقبولًا هو أن تنتقل بين الماضي والحاضر.

لا أقول أنك لا تستطيع استخدام أكثر من زمن واحد؛ الغرض الكلي للأزمنة هو تمكين الكاتب من التعامل مع الوقت بتعاقباته المتنوعة، من الماضي إلى المستقبل الافتراضي (عندما هاتفت أمي من محطة بوسطن، أدركت أنه إذا كنت قد راسلتها لأخبرها بقدومي، كانت لتنتظرني)، لكنك يجب أن تختار الزمن الذي ستخاطب به القارئ مبدئيًّا، أيًا كان عدد المرات التي ستعود فيها عرضيًّا إلى الوراء أو تذهب فيها إلى الأمام بطول عملية الكتابة.


ما تظنه مؤكدًا اليوم سيصير غير مؤكد بحلول الليل.

اختيار آخر هو وحدة صيغة الفعل، من الممكن أن ترغب في مخاطبة القارئ بالصيغة غير الرسمية التي عملت صحيفة “نيويوركر” جاهدة على تحسينها، ومن الممكن أن تشعر برغبة في أن تصل للقارئ بصيغة محددة لوصف حدث يتسم بالجدية أو لتقديم مجموعة حقائق مهمة، في الحقيقة، أي لغة خطاب مقبولة، لكن لا تخلط اثنتين أو ثلاثًا معًا.

مثل هذا الخليط الحتمي شائع بين الكتاب الذين لم يتعلموا الحبكة، كتابة فن الرحلات هي مثال بارز: “لطالما أرادت زوجتي وآن وأنا زيارة هونج كونج”، هكذا يبدأ الكاتب، يندفع الدم لتذكر الأحداث الماضية، يستطرد: “وفي يوم ما من الربيع الماضي، وجدنا أنفسنا ننظر إلى ملصق شركة طيران، وقلت: فلنذهب!، كان الأطفال بالغين”، ويتابع ليصف بتفصيل عبقري كيف توقف هو وزوجته لزيارة هاواي وحظيا بوقت مضحك في أثناء تغيير العملة في مطار هونج كونج وإيجاد الفندق، حسن، هو شخص صادق يأخذنا معه في رحلة حقيقية، ويمكننا أن نتعرف عليه وعلى آن.

فجأة، يتحول إلى دليل سفر، يكتب: “تمنح هونج كونج المرتادين المحبين للاستطلاع تجارب مشوقة، يمكن للفرد أن يركب زورقًا رائعًا من كاولون ويذهل بالزوارق الصينية التي لا تُحصى خلال انطلاقها مسرعة من المرفأ المزدحم، أو أن يأخذ جولة نهارية للتسكع بحارات ماكاو الأسطورية بتاريخها المليء بالتهريب والمكائد، سترغب في أن تأخذ جولة بالسكة الحديد المعلقة الغريبة التي تتسلق.. “، ثم نعود إليه هو وآن وجهودهما لتناول الطعام بالمطاعم الصينية، ومجددًا يبدو كل شيء تحت السيطرة. الجميع مهتم بالطعام، وتُسرد لنا تجربة شخصية مثيرة.

ثم فجأة يصبح الكاتب كتاب إرشادات: “حتى يتسنى لك دخول هونج كونج، من الضروري أن يكون لديك جواز سفر صالح، ولكن لا يتطلب الأمر الحصول على تأشيرة دخول، بالطبع ينبغي أن تكون قد أخذت تطعيمًا ضد التهاب الكبد الوبائي وسيكون من الحكمة أن تستشير طبيبك فيما يتعلق بتطعيم التيفوئيد، الطقس في هونج كونج موسمي فيما عدا يوليو وأغسطس عندما.. “، سيشرد كاتبنا وأيضًا آن، وقريبًا سنشرد نحن أيضًا.

إن الأمر ليس أنه لا ينبغي تناول الزوارق التي تتحرك بسرعة وتطعيم التهاب الكبد الوبائي، ما يضايقنا هو أن الكاتب لم يقرر نوع المقالة التي أراد كتابتها أو المدخل الذي أراد أن يكتب به للقارئ، إنه يأتينا في أشكال عديدة اعتمادًا على نوع المادة التي يحاول أن يزودنا بها، وبدلًا من التحكم في مادته، تتحكم فيه هي، هذا لم يمكن ليحدث إذا خصص وقتًا لتشكيل وحدات محددة.

لهذا، اسأل نفسك بعض الأسئلة الأساسية قبل البدء، على سبيل المثال: “بأي صفة سأخاطب القارئ؟” (مراسل؟ مقدم معلومات؟ رجل عادي أم امرأة؟) “أي ضمير وزمن سأستخدمه؟” “أي أسلوب؟” (تقريري موضوعي؟ شخصي لكن رسمي؟ شخصي غير رسمي؟ “ما التوجه الذي سأتبناه ناحية المادة؟” (متداخل؟ بمعزل؟ يصدر أحكامًا؟ متهكم؟ مستمتع؟) “ما هو كم المادة التي أريد تضمينها؟ ما هي النقطة الواحدة التي أريد توضيحها؟”.

آخر سؤالين بالأخص مهمين. أغلب مؤلفي الكتب غير القصصية لديهم مجموعة ثقة، يشعرون أنهم تحت التزام ما- نحو الموضوع، نحو شرفهم، نحو آلهة الكتابة- ليجعلوا مقالتهم الكلمة الأخيرة، إنه دافع جدير بالثناء، إلا أنه لا توجد كلمة أخيرة، ما تظنه مؤكدًا اليوم سيصير غير مؤكد بحلول الليل، والكُتّاب الذين يسعون بإصرار وراء كل حقيقة نافذة سيجدون أنفسهم يسعون وراء قوس قزج ولن يتسنى لهم أبدًا الجلوس للكتابة، لا أحد يستطيع أن يؤلف كتابًا أو يكتب مقالة عن شيء، لم يستطع تولستوي أن يؤلف كتابًا عن الحب والسلام، أو ميلفيل عن صيد الحيتان، لقد قررا اختزال أمورًا محددة متعلقة بالوقت وبالمكان وبالشخصيات المستقلة في ذلك الوقت وذلك المكان- شخص واحد يسعى وراء حوت واحد، يجب أن يُختزل كل مشروع كتابي قبل أن تبدأ في الكتابة.

لذلك فكر على نطاق صغير، قرر الجانب الذي ستقتطعه من موضوعك، وكن مرتاحًا لمناقشته جيدًا وتوقف، المسألة متعلقة أيضًا بالطاقة والحالة المعنوية، المهمة الكتابية التي يصعب تناولها هي استنزاف لحماسك، الحماس هو القوة التي تحافظ على استمراريتك وتبقي على القارئ في قبضتك، عندما تقل متعتك، يكون القارئ أول من يعلم بالأمر.

فيما يخص النقطة التي تريد إيضاحها، كل ملاحظة ناجحة يجب أن تترك مع القارئ فكرة استفزازية لم تكن لديه من قبل، لا تترك فكرتين أو خمس أفكار- فقط فكرة واحدة، لذلك قرر ما هي الفكرة الواحدة التي تريد أن تتركها في عقل القارئ، إنها لن تمنحك فكرة أفضل بشأن الطريق الذي ينبغي لك أن تسلكه والوجهة التي تأمل في الوصول إليها فحسب ولكنها ستؤثر على قرارك المتعلق بالأسلوب ولغة الخطاب.

بعض النقاط تصاغ على نحو أفضل من خلال الجدية والبعض من خلال الاستهانة الجافة والبعض من خلال الفكاهة.

حالما حددت الوحدات التي ستستخدمها، لن تكون هناك مادة لا يمكن تضمينها في الإطار الذي اخترته، لو كان السائح في هونج كونج قد اختار أن يكتب بمفرده بالأسلوب التحاوري عما فعله هو وآن، لوجد طريقة طبيعية ينسجها في سرده أيًّا كان الذي أراد أن يخبرنا به عن زورق كولون وعن المناخ المحلي،   ولكانت شخصيته وغرضه سليمين ولأصبحت مقالته متماسكة.

الآن، ما يحدث غالبًا هو أنك تقرر تلك الأمور المهمة ثم تكتشف أنها لم تكن القرارات الصحيحة، تبدأ المادة في أن تقودك باتجاه غير متوقع تكون أكثر ارتياحًا فيه للكتابة بلغة خطاب مختلفة، هذا طبيعي- فعل الكتابة يخلق مجموعة أفكار أو ذكريات لم تتوقعها، لا تحارب مثل هذه النزعة إذا أحسستها صحيحة، ثق بما لديك من مادة إذا أخذتك إلى دائرة ذات ذبذبات جيدة لم تكن تنوي دخولها، هيئ أسلوبك وفقًا لذلك وباشر العمل إلى أي وجهة تصل إليها، لا تكن سجين خطة محددة مسبقًا، الكتابة لا تحترم خطط العمل.

إذا حدث ذلك، سيكون الجزء الثاني من مقالتك في غير اتساق مع الجزء الأول بدرجة سيئة، لكن على الأقل فإنك تعرف أي جزء هو الأصدق إلى فطرتك، ثم يصبح الأمر مسألة إجراء تعديلات، عد إلى البداية وأعد كتابتها حتى يكون مزاجك وأسلوبك متسقًا من البداية حتى النهاية.

لا يوجد ما هو مخزي في مثل هذه الطريقة، طريقة مثل القص واللصق- أو ما يقابلها على الحاسب الآلي- هي أدوات مشرفة للكُتاب، فقط تذكر وجوب ملائمة كافة الوحدات وفقًا للبنيان الذي جمعته معًا بشكل نهائي، رغم أنهم قد جمعوا بالمقلوب، وإلا فإن المقالة ستخرج على حال مؤسفة.

 

 



التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.