الرئيسية » » أنطونيوس نبيل: زهرة ريفوليبالوس

أنطونيوس نبيل: زهرة ريفوليبالوس

Written By Hesham Alsabahi on الاثنين، 7 ديسمبر 2015 | 3:57 م

أنطونيوس نبيل: زهرة ريفوليبالوس


"ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى"
سورة النجم
الآية الحادية عشرة

1.

كنتُ أجلسُ وحيدًا
في صُحبةِ الكُتُبِ،
إلى أنْ
صارَ الشَّكُّ
داءً وبيلًا أسودَ.

كنتُ أجلسُ وحيدًا
في صُحبةِ الكُتُبِ،
إلى أنْ
طرقَ مسامعي
نعيقُ الغِربانِ
الجَذلى،
على ذُرى الأشجارِ
الجرداءِ
الحَبَالى بالنبوءات.

2.

أيتها الأشجارُ الجرداء،
يا أرحامًا لنبوءاتٍ
بميلادٍ جديد،
ارفَعنَ عاليًا
أذرعكنَ الطاهراتِ
البريئاتِ
من كُلِّ قيدٍ؛
لتَصِرنَ
منارةً للأرضِ،
وشُعلةً مِن الغَضبِ
تَلْفَحُ بوهيجِها
جميعَ الأبصار.

ويا غربانًا
على الأناملِ المَلْدَاء،
قَهقِهُوا
مِلءَ مَنَاسِركم،
وصِيحُوا
بمَن في مقدورِه
أن يُنصِتَ ويَعقِلَ
قائلين:

"اُنثُرْ خُطاكَ كما شئتَ،
في طُرقِ الشَّكِّ
الدَّجناءِ الملتوية.
اُنثُر خُطاكَ كما شئتَ،
ما دامتْ كَفُّكَ
مُمْسِكَةً
قِنديلَ الرُّؤيا."


ر.

ربما تكون القصيدةُ السَّالفة، ترجمةً مسيخةً لرؤيا ألدوس هكسلي. لكن، كما أنه لم يفتتحْ قصيدتَهُ هذي أو أيًّا مِن قصائدِهِ بآيةٍ من الذِّكرِ الجميل، فإنه لم يَدْعُ القصيدةَ ريفوليبالوس. بل لم تكن هنالك منذ قضمةِ حواءِ الجَسور، زهرةٌ بهذا الاسمِ المقدَّس، قبل أن أجلسَ وحيدًا مع أشجارِ القصيدةِ الجرداء، فإذ بـ "رهاف" في رؤياي تتأملني أتأملُ ذاتي في جثثِ الغِربَان؛ فألتفِتُ نصفَ التفاتةٍ في وجلٍ خاشع، فإذ بها في صمتٍ وقورٍ تمسحُ بأناملِها دموعي، أقول لها، بلا عبارةٍ ولا إشارةٍ: اغسلي يديكِ سريعًا فقد يُؤذيكِ هذا المِلحُ القبيح الشَّائك، فأراها باسمةً ترفعُ أناملَها إلى شفتيها ثم تلثمُها تباعًا بشفتيها الناعستين وطرف لسانِها الرطيب في حنوٍ وتؤدةٍ. الفزعُ يصيرُ خدرًا ممزوجًا بغيرةٍ طفولية: هل هذا حديثٌ هامسٌ بينها وبين دموعي اللعينة؟، تُخفض أناملَها المخضَّلةَ برضابِ الفِرْدَوسِ وتُمرِّرها على "أشجار القصيدة الجرداء": الأشجار الحَبالى بالنبوءاتِ لمستئذ جاءهنَ المخاضُ، كانَ نُواحُهنَ اخضرارًا مؤتلقًا ممزوجًا بحفيفِ ثوبٍ يباغته الغيثُ للمرةِ الأولى. ألتفِتُ التفاتةً كاملةً لأقول لها "الأشجار يلدنَ بلمسةٍ منكِ بعد قرنٍ من الحَمْلِ المضجِرِ الأليم، ما أعجبَ ما تصنعين من معجزاتٍ، لا بل ما أعجبَ تلك البساطة التي تجترحين بها معجزاتِك المستحيلة، تُعيدين خلقَ الكونِ وكأنكِ تُطرِّزِين".

هـ.

هأنذا ألتفِتُ التفاتةً كاملة فإذ بالغياب قد جنا عليها ليقيها مسَّ نظراتي الظمأى. أفكرُ مبتلعًا أولى جرعات المرارة "التفاتةٌ كاملة نحو الحُلمِ ما هي إلا منجلٌ يَحصدُ روحَ الحالم". أفكرُ مبتلعًا جرعةً أخرى من المرارة "كالعادةِ أحلمُ وكالعادةِ يترشَّف الغيابُ ندى الأحلام؛ ليمنحَ ملائكتَه أجنحةً مرصَّعةً بعيونٍ لا تُحصى". أفكرُ مبتلعًا ثالثةَ الجرعات "عيونٌ لا تُحصى تُحدِّقُ نحوي بأجفانٍ شفيفةٍ لا أهدابَ لها، تحملقُ فيَّ ولا تراني". النغباتُ الممرورةُ لا تنقطع، تبذرُ بسخاءٍ ظلَّها اللاذعَ في أحشائي وخزاتٍ مستعرة. أحشائي مِشناقٌ من العطش، ولحمي شرنقةٌ من التأوه تُعانقُ فراشاتِها المبتسرة، وكُلُّ وخزةٍ إجهاضٌ وشيك. "أيتها العيونُ المَرداء التي لا تُبالي، أين أخفيتم أهدابَكم؟ هل مازجتم بها خمرَ مرارتي؟ أما آنَ لي أن أتقيأَ أهدابَكم الواخزة؟".

ا.

اليأسُ يُنبِئني مُمازِحًا: يومًا ما طوفانٌ سيأتي ويُمزِّقُ أعتى الجِبال إربًا إربًا، وهذي العيونُ لا رجفةَ فيها. ملايين الطوافين ستحرثُ وجهَ العالمِ بأظفارِها، وهذي العيون تُحدِّقُ كجرحٍ لا يندمل. "أيتها العيونُ الفاجرة، أيتها الإغماضةُ الفاغرة، هكذا سأقتصُّ منكِ: سأذبحُ تلك الأشجارَ الجرداء وأصنعُ لي فُلكًا حصينًا، لن تعوزني المساميرُ فسأقتلعُ مناسِرَ الغِربَانِ الميِّتة". ويومًا ما سيأتي طوفانٌ أتسنَّمُ ذروتَهُ الحَرون، سأكونُ في الفُلكِ الحصين قابضًا على رمحٍ أمعنتُ في شحذِ طرفِهِ العابس، يومًا ما سيأتي طوفانٌ ليرفعني على كتفِه لأفقأَ برمحي تلك العيون. "أتسخرين أيتها العيونُ الخثيرة مِن انتقامي المأمول؟ الآنَ ستنظرينَ إلى نوحٍ جديدٍ ملؤه السَّخط والنقمة، الآنَ حانَ لكِ أن تبصرين بشائرَ القَصاص".

ف.

في حُميَّا الثأرِ المَرجُوِّ، أنحني على أشجارِ القصيدة الجرداء، يفجؤني أن مخاضَهنَ قد خَمَدَ وقد تسربلنَ بملايين الأزهار. أناملُ "رهاف" قد اجترحتْ المعجزةَ وأتمَّتها، في يسرٍ قُبيلَ الغيابِ: بلمسةٍ مخضَّبةٍ بالقُبلاتِ صارتْ الأشجارُ أمهاتٍ لملايينِ الأزهار. ليس في مقدورِ الأمهاتِ الخضراءِ المُنهَكة في نِفاسِها، أن تمنحَ رُضعاءها أسماءً: أهنالك أسماءٌ في الكونِ تكفي هذي الحشودَ الرضيعة؟. في أقمطةٍ من الأريجِ السَّاطع ينتظرُ الرُّضعاءُ أسماءهم: أحبائي لا تبكوا، فليكن لكم اسمٌ واحدٌ تتقاسمون حليبَ دفئِهِ: "ريفوليبالوس" أي الأزهار التي همستْ بها شفتيَّ الإلهة "ريفو". هكذا كنتُ أُناجيها مُدَلِّلًا "ريفو" وهكذا ستُناغِيكم أمهاتُكم عمَّا قريب؛ حتى تتلعثموا بِهِ؛ فيصيرَ الاسمُ يومًا ما أغنيةً لكُلِّ الطيورِ: بَخورًا من ذبائحِ الشَّدوِ العَطِر، يمرقُ مِن أجوازِ الفَضاءِ صاعِدًا إلى غورِ السماء؛ فيتنسَّمَهُ ملائكةُ الغِيابِ ذوو الأجنحةِ المُثخَنةِ بالعيونِ الجامدةِ في تحديقِها الأكْمَه. حينها، قد تعرفُ تلك العيونُ التي لا تُبالي، نكهةَ المِلحِ ورجفةَ الحنين.


التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.