الرئيسية » , , » سأكونُ هناك | شيخة حسين حليوى

سأكونُ هناك | شيخة حسين حليوى

Written By Hesham Alsabahi on الاثنين، 21 ديسمبر 2015 | 4:23 م

سأكونُ هناك



لم أكُن أجدُ حرجا كبيرا في الكذب عليها، الكذب عليها بالذات. كنّا جميعا نُخفي عن أمّهاتنا أمورا ونكشف أخرى. حتّى تلك التي نختار البوح بها نغلّفها بعناية مصطنعة كما نغلّف الهدايا الرخيصة. نغلّفها ببعض كذبٍ ناصع البياض.
كلّ ما أخفيتهُ عنها ما كنتُ أراهُ يندرج في إطار "التْشِذِبْ" (الكذب)، ولم يكُن يستحقُّ ما تنزله بي منْ عِقاب بعدَ أن يصفعها "تِشذبي" ويحرجها أمام الآخرين. كُنتُ أحتاجه، الكذب، كما أحتاجُ أن أكون، أن أكون منهم، منهنّ: طوني، جوليا، مها، إيهاب، نادرة، تشارلي...أحتاجه حتّى أتسلّل من خيمة البداوة وأعيش منفاي المؤقّت بسلامٍ، أحتاجه كي أقتل القبائل... وتحبّني هي، وهي كان حبّها عميقا باردا جارحا. لا يكادُ يطلُّ بسمةً أو قبلة متردّدة إلا و"تُكْصُف" عمره كما "تُكْصُف" عمري بدعائها عليّ في لحظات غضبها.
-         سَوَّدْتِ وِجْهي كُدّام الراهبة! خلّيتيني كَدِ اللُكْمَة..شْنو وِدْها تْكولْ عِنّي هسّا؟ مي عارْفَه تربّي بِنْتها؟
-         يُمّة...
-         حُمَّة وحيّة جَدْرة! ما تِسْتَحي عحالِتش. وِدّتش تُدُشْري؟ تِتشْذْبي عليَّ؟ والله لَكْصُف عُمْرِتش!
  sister Bernالراهبة البريطانيّة وأمّي تفصل بينهما عصور من النهضةِ وتلتقيان في ضرورة تهذيبي. الأولى تنعتني بالغجريّة كلّما خالفت قوانين المدرسة الصارمة، والثانية تخشى أن أصير غجريّة يوما ما. أنجو من شِرك البداوة لأقع في فخّ الغجر.
كانت أقراطي وأساوري الملوّنة تتضاعف كلّ شهرٍ، والراهبة التي نذرت نفسها للمسيح والدير تنزعها عنّي واحدة واحدة بقسوة مؤلمة تطهّرني بها من أدران "الشرق المتخلّف". ثمّ ترميها في علبة على مكتبها مُعَدّة للخطايا الصغيرة، عن يمينها تمثال الأم وابنها وعن يسارها صليب نازفٌ. شَعري كان  يزداد جنونا وعنادا وأمّي تزداد خوفا ورعبا، فيصير قَسَمُها أكثر قدسيّة: واللهِ واللهِ ما ترافكيني هيتش، لو تموتي ما تمشي معاي بالشارع وشعْرِتْش هيتش!!
وكي أتجاوز عقدهما وظنونهما، تلك الأوروبيّة رسولة المسيح، وتلكَ البدويّة رسولة الخوف، سيصبحُ الكذبُ عندي أكثر ضرورة وحيويّة. كي أتجاوزني وخوفي كان لا بدّ أن أكذب.

شاءت الأقدار في ذلك الأحد البارد أن تلتقي أمّي عند بوابة المدرسة المغلقة بالراهبة الّتي تكشف لها بإنجليزيّة بريطانيّة أنّ ليس هناك أيّ معلّم أو أيّ طالب في المدرسة، وأمّي التي لم تعلّمها الحياة سوى اللهجة البدويّة لغة حياةٍ وغضبٍ وصمتٍ، فهمت أنّ ابنتها التي خرجت صباحا من البيت بحجّة مراجعات يقوم بها المعلّمون قبل امتحانات الثانويّة العامّة، "تِتشْذِبْ" أو "تِشْذْبَتْ" عليها. في تلكَ اللحظة تساوى عند أمّي فعلُ العارِ وفِعلُ الكذبِ. لا فرقَ بينهما، فالثاني يُمهّدُ للأوّلِ، والأوّل يكشفهُ الثاني. والراهبة تجدُ في هذه الخطيئةِ فرصةً لا تُعوّض لتكون أكثر صرامة وقسوة في تعاملها معي. ستجدُ متعةَ مُقدّسة وهي تؤنّبُني في مكتبها في اليوم التالي:  Look at yourself!!  You are like a gypsy!!
كلّ واحدة منهما رسمَتْ لي خطيئة على مزاجها. خطيئة تتراوح بينَ التسكّع مع صديقات موصومات بالمدنيّة المُنفلتة، وبينَ، وهذه الخطيئة المُميتة، لقاء سريّ مع حبيبٍ "يتلاعب" بمشاعريّ العذراء.
قطعنا شارع عبّاس باتّجاه محطّة الباص، خطواتها بعيدة ووجهها أيضا. ما كنتُ أخافُ عقابها وقد حفظتُه واختبرته. كانت تمشي بسرعة وتنظر خلفها. كلّما اختصرتُ المسافة بيننا اتّسعت خطواتها. أمشي وراءها وأدندنُ كلمات الأغنية التي سمعناها أنا ونادرة أكثر من عشر مرّات خلال النهار. الراديو الذي تحتكره أمّي في البيت ما كان ليتيح لي فرصة سماع أغاني الغرب المجنون.

     
وصلنا المحطّة. استدارتْ وهمست بغضب: وِلتشْ إنتِ ما تِسْتَحي؟ كمان تْغَنّي؟ هاظا يلي تتعلّميه مِنْ صاحباتِش الدّاشرات؟
هل كانت ستصدّقُ يومها أنني تعلّمتها من أكثر الصديقات بُعدا عن الخطيئة وقُربا من الله؟ هيَ لا تُصدق إلاّ بعد أن تنتفي الحاجة للكذب، بعد سنوات.


التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.