قوائم سوداء | غدير أبو سنينة

Written By Gsm Egypt Server on الخميس، 24 ديسمبر 2015 | 1:49 م

قوائم سوداء

 غدير أبو سنينة 

على باب منزله في مناغوا، علَّق الشاعر النيكاراغوي الكبير كارلوس مارتينس ريفس قائمة بأسماء الأشخاص الذين قرر ألا يستقبلهم في بيته. من ضمن تلك الأسماء الشاعر والقس الأشهر إرنستو كاردينال. الشاعر ريفس الذي يُعتبر من أفضل شعراء نيكاراغوا وبرأي بعض النقاد يسبق شعره شعر كاردينال بمراحل.
الأخير الذي ساعده موقعه السياسي وآراؤه الفلسفية على الانتشار بطريقة أسرع وأوسع. عُرِف عن ريفس غضبه الشديد السريع ومزاجه الحاد وشخصه اللامداهن، ما جعله على خصام مع عدد من الأدباء، إلا أن أيا منهم لم يكن باستطاعته المس بتلك الموهبة الفريدة أو التقليل من شأنها.

فرانسيسكو دي أساسيس فرناندس، الشاعر الفذ ومدير مهرجان غراناذا للشعر في نيكاراغوا، احتفى به في أحد دورات المهرجان، وقد قال فيه كلاما جميلا ما كان لينطق به بهذه السلاسة لو كان ريفس على قيد الحياة.
ومن ينسى اللكمة التي وجهها يوسا لماركيز؟.

تلك اللكمة التي سطع نجمها كأنما كانت عملا أدبيّاً مكتملاً مشتركاً بينهما. خصومة الماغوط مع كثير من الشخصيات الأدبية والفنية التي بلغت ذروتها مع الفنان دريد لحام.
القطيعة بين الشاعرين عبد الرزاق عبد الواحد وعبد الوهاب البياتي، وغيرها الكثير من الأسماء التي تميّزت نصوصها الأدبية وتباينت مواقفها الإنسانية والسيّاسية.

لا شك أن تلك العلاقات تخضع لقوانين الطبع الإنساني غالبا، منها ما هو متعلق بمزاجية الكاتب، أو بالحسد والغيرة، أو بالتكالب على الشهرة و المال، أو باختلاف أيدولوجي عميق ينحاز كل طرف له بشدة، وليس لأحد أن يلومه على ذلك.

تحيلني تلك العلاقات للمشهد الأدبي الحاضر. للفجوة الآخذة بالاتساع أكثر وأكثر وسط ما يشهده العالم العربي من حراك في أماكنه المختلفة، الحراك الذي بدا مفهوما من زاوية ومربكا من زاوية أخرى، لتختلف الآراء حوله وتتعدد، مكونة سلاسل جليدية أخرى لم ترحم قامة أو اسما أو رمزا إلا وأتت عليه.

ولئن كان الاختلاف سابقا ينحصر في ملاحظات قد يسمعها الكُتّاب فينقلونها لبعضهم البعض، أو هجوماً في الصحف والمجلات الثقافية، فقد انتقل الآن إلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي التي فرقت بين كثير منهم ليوجهوا اللكمات الإلكترونية لبعضهم البعض، وبدلا من قائمة تُعلًّق على باب الدار ظهرت قوائم بأسماء المحظورين والمحذوفين والمقيدين إلكترونيا.

من الممكن تَفهم ذلك على أساس إنساني لا يجعل من الكاتب شخصا مترفّعا عن ردّات الفعل المباشرة أحيانا، شرط أن نبتعد عن نقد نصّه الأدبي تحت ضوء رأيه السياسي.
قد نختلف أو نتفق بل ونُصدم كقارئين من مواقف كثيرين ممن كنا ننتظر منهم مواقف ترضي توجهاتنا أو إنسانيتنا من منظورنا الشخصي، لكنني وكقارئة متابعة لطالما كانت تنتظر أن تسمع نقدا أدبيا قائما على أصول نقدية محترمة، أُفضّل أن يظلّ هذا الناقد -الذي طال سباته-، نائما على أن يستيقظ فجأة فيقلّل من شأن نصوصٍ اختلف مع رأي صاحبها أو أن يرفع من شأن أخرى لمجرد اتفاقه مع رأي صاحبها. ينطبق هذا على عالم الكتابة كما ينطبق على عالم الفنون الأخرى.

_______________________

كاتبة ومترجمة من فلسطين مقيمة في ماناغوا- نيكاراغوا


التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.