الرئيسية » , , , , , , » وليم زنسر: الفوضى الكلميّة هي العدو ترجمة: فهد الطيار

وليم زنسر: الفوضى الكلميّة هي العدو ترجمة: فهد الطيار

Written By Gsm Egypt Server on الخميس، 17 ديسمبر 2015 | 8:20 ص

وليم زنسر: الفوضى الكلميّة هي العدو
ترجمة: فهد الطيار

اختبر كل كلمةٍ تلوّن بها الورقة، ستجد عددًا مفاجئًا من الكلمات التي لا تخدم أي هدف.

إن محاربة الفوضى الكلميّة كتشذيب العشب، فالكاتب دائمًا مهزومٌ إزاءها، إن عباراتٍ عديدةً جديدةً تبرعمت خلال ليلةٍ واحدةٍ وعند المساء الذي يليها أصبحت جزءًا من الخطاب الأمريكي، طالع ما أنجز جون دين مساعد الرئيس نكسون خلال يومٍ واحدٍ فقط من شهادته في جلسة استماعٍ لقضية ووترغايت (watergate) كانت تُبث على التلفاز، أصبح كل شخصٍ في أمريكا بعد ذلك اليوم يردّد العبارة التالية: “خلال هذه اللحظة من الزمن.” بدلًا من مفردة: “الآن”.

خذ في اعتبارك كل حروف الجر المُصاحبة للأفعال التي لا تحتاج إلى مثل هذه الإضافة، لم نعد نرأس لجانًا إنما أصبحنا نرأسها عاليًا [1]، لم نعد نجابه الصعاب بل أصبحنا نجابهها عاليًا، حين نفرّغ أنفسنا عاليًا لدقائق معدودة. قد تعتقد أن هذا تفصيل صغير لا يستحق النظر فيه، إنما هو حقّاً يستحق المعالجة، إن الكتابة تتطوّر بشكلٍ تضادّيٍّ مباشرٍ، بمعنى إلى رفض تضمين ما لاحاجة لها به، والذي ليس من المفروض أن تحتوي عليه، “عاليًا” في “نفرّغ أنفسنا عاليًا” لا حاجة لوجودها. اختبر كل كلمةٍ تلوّن بها الورقة، ستجد عددًا مفاجئًا من الكلمات التي لا تخدم أي هدف.

انظر في الصفة “شخصي” كما في العبارة التالية: “صديقي الشخصي” أو “شعوره الشخصي” أو “طبيبها الشخصي”، إنها مئات من الكلمات التي يمكن التخلّص منها. إن الصديق “الشخصي” أُدخِلت على اللغة كي يتمّ تمييز هذا الصديق عن صديق العمل؛ وبذلك تم بخس الاثنين: اللغة والصداقة. إن شعور شخصٍ ما هو الشعور الذي يخصه وهذا ما يعنيه الضمير المتّصل الغائب في “شعوره”، أما فيما يخص الطبيب الشخصي، فإنه ذلك الطبيب الذي يتمّ استدعاؤه إلى غرفة تبديل الملابس الخاصّة بالممثلة التي أصيبت بنوبة حتى لا تتمّ معالجتها على يد الطبيب غير الشخصي الذي يقوم بدور الطبيب على المسرح. أرجو أن يتم تعريف هذا الشخص كطبيبها يومًا ما، فالأطباء أطباء والأصدقاء أصدقاء والبقية فوضى كلميّة.

إن الفوضى الكلميّة هي العبارة التي تتم كتابتها بجهد لتحلّ محلّ كلمة قصيرة تقدم المعنى نفسه، لقد توقف الناس وتوقفت الشركات عن قول “الآن” حتى قبل ما أنجز جون دين، كانوا يقولون “حاليًّا” (إن جميع موظفينا “حاليّاً” يقومون بمساعدة عملاء آخرين) أو “في الوقت الراهن” أو “حاضرًا” التي تعني “قريبًا”، وبالرغم من هذا فإن المعنى يمكن تقديمه بكلمة “الآن” للتدليل على اللحظة الآنية (أستطيع رؤيته الآن) أو من خلال “هذا اليوم” للتدليل على الزمن الحاضر (إن أسعار هذه الأيام مرتفعة) أو وبكل يسر يتم تقديم المعنى باستخدام أداة الزمن المضارع (إنها”تطمر”)، لا حاجة لقول: “إننا نختبر عوائق مفاجئة في الوقت الراهن.”

إن كلمة “نختبر” من أسوأ الكلمات الفائضة عن الحاجة، حتى طبيب أسنانك سيسألك ما إن كنت تختبر أي ألم، لو كان طفله هو المريض لسأله: “هل يؤلم؟” سيكون وباختصار على سجيّته، أما وباستخدام عبارة ادّعائيّة في دوره المهني فهو لا يبدو أكثر جديةً فقط بل إنه يؤكد حدّة الحقيقة المؤلمة، إنها لغة مضيفة الطيران نفسها في شرحها لنزول أقنعة الأكسجين حال نفد من الطائرة، تبدأ كلامها: “لو اختبرت الطائرة مثل هذا الحدث في الاحتمال البعيد.” إنها عبارة تحبس النفس بحد ذاتها لتخبرنا أننا مستعدون لأي كارثة.

إن الفوضى الكلميّة لطفٌ مملٌّ في التعبير يحوّل اسم حي الفقراء إلى حي ذوي الدخل المحدود، جامعي النفايات إلى موظفي التخلص من المخلفات ومجمَع نفايات المدينة إلى وحدة خفض التضخّم، أفكر الآن في رسم كاريكاتيري لـبِل مولدِن كان عبارة عن متشرّدَين يركبان قاطرة شحن، أحدهما يقول: لقد بدأت كمتبطّل بسيط أما الآن فأنا قاعد عن العمل. إن الفوضى الكلميّة هي أداة سياسية لغوية صارت بألسُن العامة، رأيت مرة إعلانًا تجاريّاً لخيمة للصبية صُمّمت لتمنح: “الاهتمام الفردي بالاستثنائي المجهول.”

الفوضى الكلمية هي اللغة الرسمية المستخدمة من قبل الشركات والمؤسسات من أجل إخفاء أخطائهم، حين أنهت شركة المعدات الرقمية عقود ثلاث آلاف وظيفة لم تكن العبارة المذكورة من الشركة “تخلّصنا أو سرّحنا” بل “منهجيّة لازمة”، وحين سقط صاروخ خاص بالدفاع الجوي قالوا: “ارتطم مبكرًا بالأرض.” وعندما أرادت جنرال موتورز إيقاف بعض خطوط الإنتاج قالوا: “جدولة تعديل كمية الإنتاج.” والشركات التي تنتهي بالإفلاس تقول: “المصروفات الحالية أكثر من الربح.”

الفوضى الكلميّة لغة البنتاغون حين يُسمُون الغزو “هجمة وقائية لتعزيز ردّة الفعل” وحين يبررون ميزانياتهم الضخمة لحاجتهم إلى “قوى الردع”، وكما أشار جورج أورويل في مقال عن “السياسة واللغة الإنجليزية” كتبه عام ١٩٤٦ إنما تم الاستشهاد به عند الحروب مع كمبوديا وفيتنام والعراق فإن”الخطاب السياسي والكتابة السياسية هما أهم أداتي دفاع لما لا يمكن الدفاع عنه، لذلك فإن اللغة السياسية لا بد وأن تكون مواربة جدًّا وأن تكون لا منطقية وغامضة تمامًا.” إن تحذير أورويل عن الفوضى الكلمية ليس لكونها مزعجة فقط بل لكونها أداة مُميتة أصبحت مُتوسلة على يد التهور العسكري الأمريكي خلال العقود الأخيرة، فخلال فترة رئاسة جورج بوش الابن أصبح “قتل المواطنين” في العراق عبارة عن “دمار جانبي”.

إن المخاتلة الشفهية وصلت حدودًا قصوى خلال استدامة الجنرال ألكسندر هايج نائبًا للرئيس ريغان، لم يفكر أحد في قول “في هذه المرحلة من النمو” ليقصد “الآن” قبل هايج، بل قال للأمريكيين إن الإرهاب يمكن مقاتلته “بأنياب العقاب البليغة” وأن الصواريخ النووية المشتركة “في دوامة الحسم”، أما فيما يخص القلق الذي ربما قد نشأ في صدور العامة فإن رسالته لهم كانت: “دعوها لآل”، إلا أن ما قاله حقّاً كان: “لا بد وأن نقلل من حضور هذا القلق في صدور الشعب، فإني لا أجد درسًا ممكنًا لهم من القلق فيما يخص هذا الأمر.”

أستطيع أن أسهب مستشهدًا بأمثلة من حقول مختلفة، فكل مهنة لها ذخيرتها النامية من اللغو لنثر التراب في عيون الناس لكن القائمة ستطول، إن الهدف من الإشارة إليها هو تحقيق الإدراك بأن الفوضى الكلميّة هي العدو، فكن حذرًا من المفردة الطويلة التي لا تفضُل على القصيرة: “فالمساعدة” (نجدة) و”عديد” (كثير) و”يُيسّر” (يخفّف) و”الفرد” (رجل أو امرأة) و”الظالّون” (البقية) و”البدء” (الأول) و”يتوسّل” (يفعل) و”الكفء” (كافٍ) و”يختبر” (يجرّب) و”يُسمى بـ..” (يُدعى) والمئات الكثير. فلتكن حذرًا من المفردات الجنونية الزلقة: نموذج ومثال، يحدّد أولوياته ويتمكّن، إنها كلها عبارة عن عشب ضار يخفي جمال ما شذبت، لا تتحاور مع أحد تستطيع التحدث إليه، لا تتداخل مع أي كان.

هي مؤلمة تمامًا كالجمع الفوضوي من الكلمات التي نستخدمها لاتخاذ منهج آخر لتفصيل ما شرحناه مسبقًا: “وربما أضيف أن…”، “لا بد من الإشارة إلى أن…”، “من المهم أن أجذب الانتباه إلى…”، إن كنت متشكّكًا في الإضافة فأضف، إن كان لا بد من الإشارة إليه فأشّر وإن كان من المهم أن تجذب الانتباه إليه فاجعله حقّاً مثيرًا. ألا يتم استغباؤنا جميعًا حين يقول واحدنا: “هذا سوف يثير اهتمامك.” لا تفخم ما لا يحتاج إلى تفخيم، “من المحتمل أن أستثني” (استثنِ)، “وفقًا لحقيقة أن…” (لأن)، “نقصته القدرة على…” (لم يستطع)، “حتى مثل هذا الوقت الذي…” (حتى)، “إن السبب الذي…” (من أجل).

هل من طريقة نستطيع من خلالها أن نلمح الفوضى الكلميّة؟ هاكم أداة وجدها طلبتي في جامعة ييل مفيدة، كنت أضع أقواسًا حول كل محتوى غير مفيد في نصوصهم، عادة فإن كلمة واحدة فقط يتم إحاطتها بالأقواس، إنها حروف الجر التي تُلحق بالأفعال (“يطلب عاليًا”) أو الحال الذي يقدم ذات المعنى للفعل (“يبتسم فرحًا”) أو الصفة التي لا تضيف جديدًا (“ناطحات سحاب عالية”). إن الأقواس التي أرسمها كانت عادة تحيط مفردات التوصيف التي تضعف أي جملة تحتويها (“جزءًا ما”، “نوعًا ما”) أو عبارات مثل “بطريقة ما” التي لا تعني شيئًا، أحيانًا كانت الأقواس التي أرسم تحيط جملة كاملة، وهي تلك التي تكرر تمامًا ما قد قيل في الجملة التي سبقتها، أو تلك التي تخبر أمرًا لا يحتاج القراء معرفته أو أنهم يستطيعون فهمه ضمنًا. إن أكثر المسوّدات الأولية يمكن التخلص من نصفها دون فقدان أي معلومات أو فقدان صوت المؤلف.

إن سبب تقويسي وعدم مسحي نهائيّاً الكلمات التي يكتبها الطلاب الفائضة عن الحاجة هو تجنبي العبث في نصوصهم الخاصة التي كتبوها بعناية، أريد أن تكون الجملة سليمة من التغيير حتى ينظروا هم بأنفسهم إليها، كنت أقول لهم: “ربما أكون مخطئًا إنما أعتقد أن بالإمكان مسح هذه ولن يتأثر المعنى، إنما أنت من يقرر، اقرأ الجملة دون ما تم تقويسه وقرر ما إن كانت صحيحة وسليمة.” كنت أعيد لهم نصوصهم التي كتبوا مزيّنة بالأقواس في الأسابيع الأولى من الفصل الدراسي، كنت أقوّس مقاطع كاملة، إنما وخلال وقت قصير تعلم الطلاب أن يرسموا أقواسًا ذهنيّة حول فوضاهم الكلمية، وعند نهاية الفصل كانت نصوصهم سليمة تمامًا. واليوم فإن كثيرًا من أولئك الطلاب أصبحوا كُتابًا محترفين، بل إنهم يخبروني قائلين: “لا زلنا نرى أقواسك، إنها تلحق بنا طوال حياتنا.”

تستطيع أن تتخذ نفس الوسيلة أداة، انتبه لفوضاك الكلمية في نصوصك وتخلص منها دون رأفة، كن سعيدًا بكل ما يمكن أن تتخلص منه، اختبر كل جملة تكتب مرتين، فهل كل كلمة تقوم بعملها الخاص وتقدم معنى جديدًا؟ وهل يمكن التعبير عن فكرة ما بشكل أكثر اختزالًا؟  وهل هناك ما هو ادعائي؟ وهل أنت متعلق بشيء ما فقط لأنه جميل؟

بسّط، بسّط.

 

[1] يوجد في اللغة الإنجليزية نوع من الأفعال يُدعى الفعل الاصطلاحي، وهذا النوع يكون فعلًا بعده حرف جر أو ظرف مكان أو حال، وعادةً فإن الفعل المصحوب بحرف جر أو ظرف مكان أو حال يقدم معنى يختلف عما يقدمه الفعل دونهم، أما في الأمثلة أعلاه -والتي كانت في النص المُترجم: head up, face up, free up.- فإن مفردة up -التي تعني: في الأعلى/عاليًا.- والتي من المفروض أن تتمثل دور الحال هي في الحقيقة لا دور لها في المعنى؛ ولذلك كانت حسب رأي الكاتب فوضى كلميّة.

 


التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.