الرئيسية » , , , , » أناشيد‭ ‬أميركية‭ ‬سوداء | تحسين الخطيب

أناشيد‭ ‬أميركية‭ ‬سوداء | تحسين الخطيب

Written By Hesham Alsabahi on السبت، 19 ديسمبر 2015 | 2:25 م




لم تكن مفاجأة، بالنسبة إلى قراء الشعر، أن يفوز كتاب ‭"‬مُواطن‭:‬ أنشودة أميركية‭"‬، للشاعرة الأميركية السوداء كلوديا رانكين، بجائزة حلقة نقاد
 الكتاب القومي المرموقة، والتي أعلنت في مساء الثاني عشر من آذار، مارس 2015، وعن فئة الشعر والنقد على حد سواء‭.‬ وهي سابقة، تحدث لأول مرّة، في تاريخ الجوائز الأدبية التي تمنح في أميركا‭.‬ ليست مفاجأة، لأن كتاب رانكين، ومنذ صدوره في شهر أكتوبر من هذا العام، وهو يتصدر العناوين، والمراجعات النقدية، ولا يكفّ عن تحريك المياه الراكدة في الحياة الثقافية الأميركية‭.‬ ليس من جهة موضوعته الجرئية فحسب، وإنما من جهة شكله وبنيته المراوغة أيضًا‭.‬
فالكتاب، من جهة موضوعته، استقصاء للطرائق التي سادت فيها العنصريّة في الحياة الاجتماعية الأميركية اليومية، وفي حياتها الثقافية والإعلاميّة أيضًا، في بدايات القرن الحادي والعشرين‭.‬ إنه أنشودة عن العدالة والحريّة، في زمن تخيّم عليه أوهام العدالة والحريّة‭.‬
كتاب عن المنفى الداخليّ للإنسان الأسود، وعن غربته في وطنه‭.‬ عن كونه يعيش ‭"‬في الخارج‭"‬، وليس ‭"‬في الداخل‭".‬ فوجود المرء في مكان ما، لا يعني، بالضرورة، وفقًا لرانكين نفسها، بأنه موجود في ذلك المكان فعلًا‭.‬ إنه أنشودة عن الإحساس بالانفصال عن المكان، بالرغم من المكوث فيه‭.‬ عن التشظي، وعن المعنى العميق للهوية؛ للزنوجة في تعدّد أحوالها ومقاماتها، وعن النزوع إلى الانتماء، حتى ولو كان هذا الانتماء، بحسب رانكين، مرّة أخرى، يسحقنا بضربته القاضية‭.‬
وأمّا من جهة شكله وأسلوب بنائه، فهو قصيدة طويلة تزواج بين الشعر والنثر والصور الفوتوغرافيّة والتركيبية في توليفة واحدة جعلت من مسألة تصنيف الكتاب، في شكل أدبي أو كتابيّ محدّد، مسألة يكتنفها الحذر الشديد‭.‬
وصفت صحيفة لوس أنجيليس تايمز الكتاب ‭"‬بالعصيّ على الوصف‭"‬، ثم استطردت قائلة‭:‬ ‭"‬ويكفي القول إنّ هذه القصيدة التي تقرأ كمقالة (أو بالعكس) هي قطعة كتابيّة تجترح شكلًا جديدًا لنفسها، دامجة الصور والشعارات والتعليق الاجتماعي والبوح والتجليّات الثاقبة والشجيّة كي تستحضر نقطة التقاطع بين الحياة الداخلية والحياة الخارجيّة‭".‬
تفتتح رانكين كتابها بالجملة التالية‭:‬ ‭"‬إن لم يستطيعوا رؤية السعادة في الصورة، فإنهم سوف يستطيعون، على الأقلّ، رؤية السواد‭".‬ وهي جملة مقتبسة من فيلم ‭"‬بدون شمس‭"‬، وهو وثائقي فرنسيّ، أخرجه كريس ماركر في العام 1983‭.‬ ولا غرابة في ذلك، ففيلم ماركر هو، في حد ذاته، مثلما في جوهر كتاب رانكين، تأمّل في طبيعة الذاكرة البشرية، وكيف، عند استحالة استعادة الذاكرة وفروقها الدقيقة، يعجز الإنسان عن إدراك حياته وعن فهم سرديات العالم التي تحدث من حوله‭.‬
ومثلما نظر النقاد إلى فيلم ماركر بوصفه مقالة تجريبيّة من أفكار ومشاهد، تخلط السرد بالصور، حيث نرى المرأة الساردة تقرأ رسائل مفترضة، أرسلتها إليها امرأة أخرى متخيّلة؛ فإنّ رانكين، وعلى غرار ساردة فيلم ماركر، تقرأ رسائلها على نفسها، ممعنة في المخيّلة والذاكرة، خالطة السرد بالشعر بالصور‭.

الشاعرة الأميركية كلوديا رانكين

في حوار أجرته معها ألكساندرا شوارتز (مجلة نيويوركر، عدد 22 أغسطس 2014)، قالت رانكين إنها بدأت العمل على كتابها هذا كوسيلة للحديث عن العنصرية المحتجبة، أو غير المرئية؛ عن تلك اللحظات التي نختبرها، والتي تحدث بسرعة فائقة‭.‬ تلك اللحظات التي تمضي بسرعة البرق، فنبدأ بالشك والارتياب إن كانت قد حدثت فعلًا، ولكنّنا، على الرغم من ذلك، نشعر بالضيق على نحو ما‭.‬
ثم تقول إنّ زوجها كان من أشدّ المعجبين بتايغر وودز، لاغب الغولف الأميركي الأسود ذائع الصيت، فوجدت نفسها تتابع جميع مبارياته‭.‬ وبما أنها من أشدّ المعجبات بالأختين وليامز، لاعبتيّ التنس السوداوين الشهيرتين، أخذت تشاهد مباريات التنس‭.‬ ثم بدأت ترى تلك اللحظات الصغيرة الكثيرة، والتي تواصل الحدوث مرارًا وتكرارًا، سواء في بطولة الولايات المتحدة المفتوحة للتنس، أو في البطولات العالمية الكبرى الأخرى‭.‬ شعرت في قرارة نفسها برغبة في توثيق تلك اللحظات‭.‬
وحين بدأت في توثيق تلك اللحظات الصغيرة في حياتيّ الأختين وليامز، شرعت في توثيق اللحظات الصغيرة التي في حياتها هي‭.‬ ثم شرعت في اجراء مقابلات مع الناس، سائلة إياهم أن يقصّوا عليها قصصًا عن حيواتهم‭.‬ وكانت تطلب من أصدقائها، ومن الذين تقابلهم، أن يخبروها عن اللحظات التي يشعرون فيها، وعلى نحو مباغت، بأنهم محتجبون أو غير منظورين، أو مشوّشون ومضطّربون داخليًا، جراء شيء ما حصل لهم في لحظة ما، فجعلهم يفسرون هذا التصرف بوصفه عنصريًا‭.‬
ولكنها طلبت منهم الحديث فقط عن تلك التصرفات التي حدثت بينهم وبين أصدقائهم، وليس مع الغرباء‭.‬ لم تكن رانكين تكترث كثيرًا بما يفعله أولئك الناس في حيواتهم العادية اليومية، ضمن ذلك السياق‭.‬
ثم، وحين بدأ الناس يسردون عليها حكاياتهم، بدأت تشعر بأن تلك الأشياء التي يتحدثون عنها، هي أشياء تحدث لها، في حياتها الخاصة اليومية، وفي كل مكان، فراحت تدوّن تلك اللحظات، وتلك الأحداث‭.‬
هكذا ولدت فكرة الكتاب‭.‬ من إعمال الآخرين في ذاكرتهم‭.‬ ومن إعمالها هي في ذاكرتها‭.‬

المصدر : الجديد
التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.