الرئيسية » , , , , » 'مليون قطعة صغيرة' لجيمس فري.. محاسبة كذب المؤلف! | طالب الرفاعي

'مليون قطعة صغيرة' لجيمس فري.. محاسبة كذب المؤلف! | طالب الرفاعي

Written By Hesham Alsabahi on الأحد، 6 ديسمبر 2015 | 10:07 ص

عند مناقشة الاسباب الكامنة وراء تخلف وكساد سوق الكتاب العربي، يرى البعض ان الموضوع يتعلق بالمبدع العربي وابداعه، او بنشاط الموزع العربي، او باقبال القارئ، او بالحالة 
الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لاي قطر من الاقطار العربية، لكنني ارى ان الموضوع مرتبط بكل هذه العناصر مجتمعة. فنظرة على سوق الكتاب في العالم الغربي، تظهر تفاعل هذه العناصر مجتمعة، وان سوق الكتاب منذ اختراع آلة الطباعة (جوهان غوتنبرغ - 1445)، وقد ارسى قواعد وممارسات وتقاليد ادبية واجتماعية لا يمكن تجاوزها او التسور عليها، وليس ادل على ذلك من الملابسات التي تلت صدور رواية 'مليون قطعة صغيرة - "A Million Little Pieces' للكاتب الاميركي 'جيمس فري - James Frey'.
تقدم رواية 'مليون قطعة صغيرة 'الحكاية الخاصة بتجربة تشافي المؤلف جيمس فري من ادمان الكحول والمخدرات، اثناء وجوده لمدة ستة اسابيع في مصحة لمعالجة المدمنين في ولاية منيسوتا. ويستعرض المؤلف الاوجاع والمرارات القاتلة التي تتخللها فترة العلاج، والالام المبرحة والعذابات التي يعانيها المدمن في انتقاله من حالة الادمان الى حالة التعافي، مرددا اكثر من مرة جملة 'خارج المصحة ينتظرني الموت او السجن'، بما يوحي بأن المؤلف كمدمن ليس امامه خيار الا الانصياع لخطوات العلاج الصارمة داخل المصحة، او تسليم نفسه للموت او السجن اللذين ينتظرانه في الخارج.
الرواية سيرة ذاتية تأتي بصيغة ضمير المتكلم، على لسان المؤلف، مقدمة صورا للعلاقة الانسانية التي تنشأ داخل المصحة بين المؤلف/ المدمن والهيئة التمريضية من جهة، وبينه وبين المرضى من جهة اخرى، واخيرا بينه وبين فتاة مدمنة  ليلي - LILLY
 رآها واحبها وتعلق بها في المصحة. والرواية في كل ذلك تسلط الضوء على نماذج انسانية دالة من المجتمع الاميركي، عارضة للمشكلات الكثيرة التي تواجه الاسرة الاميركية، بما يؤدي بأفرادها الى الهروب نحو الادمان.
برع المؤلف في اظهار معاناة وعذابات المدمنين، وتصوير مشاعرهم حيال مراحل العلاج. ولقد كان واضحا حرص المؤلف على اظهار نفسه بمظهر البطل الشجاع والمقدام، على طريقة ابطال الافلام الاميركية، البطل الملهم، السائر الى طريق خلاصه بثبات، البطل السوبر في تحمله للالم وفي كرامته العالية، وخوضه للمصاعب والمغامرات، وتعامله مع الاخرين، وتصديه لمختلف الصعاب التي تعترض طريقه.
الرواية مكتوبة بلغة سهلة وبسيطة اقرب الى اللغة الاميركية الدارجة، بعيدا عن اي اضافات او محسنات لغوية ادبية او فلسفية، ومملوءة بالالفاظ الفاحشة المقذعة في سبابها، وهي الالفاظ ذاتها التي يتخاطب بها المجرمون والمدمنون في بيئاتهم، سواء في تعاملهم بعضهم مع بعض، او في تعاملهم مع تجار المخدرات.
جيمس فري في سرده لرحلة ذكرياته الشخصية وتشافيه من الادمان، يرصد نماذج بشرية كثيرة من حوله، ويقدم الحياة التي يحياها المدمنون في المصحة بتفاصيلها اليومية الصغيرة والكبيرة، في محاولة انتقالهم من حالة الادمان الى حالة التشافي، وعودتهم الى مجتمع الاصحاء، مع خصوصية كل حالة. ولقد كان عذاب جيمس فري من مواجهة ضوء ممرات المصحة الباهر، ومن النظر الى المرآة، دالا وكاشفا عن كرهه لمواجهة نفسه والتعرف على حقيقتها. وكأن المدمن يعيش حالة من العمى، رافضا النظر الى واقعه التعيس والمخجل. على ان الدرس الاهم الذي تقدمه الرواية، بوصفها تجربة شخصية، هو ان الطريق الى التشافي من الادمان يمر عبر الارادة، ارادة المدمن في التشبث بالحياة الطبيعية، وانه خلال ذلك يكون في اشد الحاجة الى الحنان، حنان الحب، حب الجنس الاخر اولا، وحب العائلة والاهل والاصدقاء والمجتمع ثانيا.
جيمس فري المولود في شهر سبتمبر عام ،
1969 نشر روايته الاولى 'مليون قطعة صغيرة 
- A Million Little Pieces في ربيع ،2003 ثم اتبعها بما يمكن ان يكون جزءها الثاني،
 رواية 'صديقي ليونارد - My Friend Leonard' وذلك في صيف ،2005
 وكلا الكتابين حصلا على المركز الاول في قائمة الكتب لدى 'نيويورك تايمز'.
في شهر سبتمبر ،2005 اختارت الاعلامية 'اوبرا وينفري' عبر برنامجها التلفزيوني المعروف رواية 'مليون قطعة صغيرة' لنادي كتابها الشهري، وهكذا صعدت الرواية بوصفها الرواية الافضل والاكثر مبيعا New York Times Best Seller وباعت على اثر ذلك 4.5 ملايين نسخة.
لكن الحدث الاهم بالنسبة لرواية جيمس فري جاء في نهاية العام 2005 وبداية العام ،2006 حين كتب مقال على موقع دخان البنادق
 - The Smoking Gun اشار الى ان بعض الحوادث التي اشار اليها جيمس في روايته 'مليون قطعة صغيرة' ليست صحيحة او على احسن تقدير ليست دقيقة. بما في ذلك ادعاء جيمس فري في الرواية تصديه العنيف لرجال الشرطة ومكوثه في السجن لمدة 87 يوما، وان الرجوع الى سجلات الشرطة اظهر كذب جيمس وانه كان هادئا في تعامله مع رجال الشرطة، ولم يمكث في السجن اكثر من ساعات معدودة. بعد هذا المقال كان على جيمس فري، وكذلك الناشر، ان يواجها الجمهور، ويدفعا عن نفسيهما تهمة تزوير الحقائق، وان يثبتا انهما لم يكذبا، فليس من حق الكاتب ان يذيل روايته بكلمة سيرة ذاتية ثم يحيد عن مسار الصدق، وليس من حق الناشر ان يطبع الرواية قبل ان يتحقق من صدق ما جاء فيها بوصفها رواية سيرة ذاتية.
في بداية العام ،2006 استضاف 'لاري كنغ' في برنامجه الحواري جيمس فري، وافاد الاخير ان تجربته مع التشافي من الادمان كانت هي الاساس في كتابة الرواية، وانه يقر باجراء بعض التحويرات على بعض الحوادث بما يتناسب مع طبيعة العمل الادبي، وفي ذلك اللقاء اتصلت الاعلامية 'اوبرا وينفري' متداخلة ورافضة تعليلات جيمس فري، فيما يشبه التقريع، وبناء عليه بدأت قضية جديدة تدور حول صدق المعلومات الشخصية التي وردت في الرواية، وان المؤلف له حرية ان يكتب ما يشاء، لكن حين يذيل كتابه بجملة 'رواية واقعية عن تجربة شخصية' فان ذلك يلزمه ان يكون امينا تماما لتلك التجربة، وان يحترم كل ما يتصل بحوادثها وشخوصها واماكنها، وان ليس له الحق ابدا في تحريف اي من حوادثها او الكذب وادعاء حوادث لم ترد في سياقها الصحيح. بل ان المسؤولية تطال الناشر في ضرورة تأكده من حوادث الرواية متى ما قدمت اليه بوصفها رواية تجربة شخصية. ولقد ظلت القضية متفاعلة تلاحق جيمس فري والناشر، حتى بعد أن اعلن الناشر استعداده لرد قيمة الكتاب المادية لكل قارئ اشترى الرواية بوصفها سيرة ذاتية، وشعر بالغبن نتيجة كذب المؤلف.
ان الاعتراف بوظيفة الفن الاجتماعية، وتأثيره في نفسية ووعي القارئ، يحتم على الكاتب وعلى الناشر ان يكونا صادقين فيما يقدمانه، وان اي اخلال من قبلهما بهذا الاتفاق يضعهما موضع المساءلة، وهذا يؤكد ان صناعة وسوق الكتاب في الغرب، قد كرسا قواعد وممارسات وتقاليد ادبية واجتماعية راسخة، وان هذه القواعد وتلك التقاليد تحترم المبدع وتجله، بشرط الا يكذب فيما يقدمه، لحظة يقول انه ينطق بتجربة شخصية، وهذا ما لا وجود له في عالمنا العربي.
طالب الرفاعي

التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.