الرئيسية » , , , , , » الروائي الأميركي الكبير توم وولف عن روايته الأخيرة وآرائه: أنا مثل الدبور اللاذع ولست هذيانياً!

الروائي الأميركي الكبير توم وولف عن روايته الأخيرة وآرائه: أنا مثل الدبور اللاذع ولست هذيانياً!

Written By Hesham Alsabahi on السبت، 5 ديسمبر 2015 | 1:58 م

ترجمة: كوليت مرشليان
صدر للكاتب الأميركي توم وولف رواية جديدة بعنوان «بلودي ميامي» أو «ميامي الدموية» ويتحدث فيها عن الأقليات في الولايات المتحدة الأميركية. وقد تناول هذا الموضوع من وحي مشاهداته اليومية إذ هو يعيش في مانهاتن حيث تتواجد اعداد كبيرة من المهاجرين خاصة الكوبيين منهم وقد تحدث في لقاء له مع مجلة «الاكسبرس» ومواقع أخرى عن هذه الرواية ومضمونها كما عن تفاصيل اخرى مثل آرائه بالروائيين اميل زولا وبلزاك ورجال السياسة ومنهم بوش وأوباما... نقتطف من المقابلة:



[ «بلودي ميامي» روايتك الأولى قبل ثماني سنوات. لماذا توقفت هذا الوقت كله؟

ـ أنا لا أنشر كثيراً على غرار كاتبكم بلزاك مثلاً وهو من الروائيين المفضلين لدي وقد مات من فرط تناوله للقهوة! أنا أجد أنه أمر رهيب الكتابة! وأمر بغاية الصعوبة! لقد كنت صحافياً لفترة عشرة أعوام في احدى الصحف اليومية وكنت اكتب بسرعة وبقدر ما يحتاج الامر لذلك لكنني كنت ارتاح الى فكرة ان المقال وإذا كان سيئاً فسوف يقع في النسيان بعد فترة وجيزة.

كذلك قد يقع الكتاب في هذا الايقاع السريع من الكتابة حين يتعاقدون مثلاً مع مجلة تنشر لهم نصوصاً فيصبحون على عجلة من أمرهم، وأنا افهم هذا لأنني نشرت على حلقات كتابي «محرقة الغرور» في 27 حلقة في مجلة «رولينغ ستون» وكان علي ان امدهم بحلقة كل اسبوعين. في البداية، كنت مطمئناً لأنني كنت قد انجزت فصلين دفعة واحدة، لكن ادارة المجلة قررت نشر الفصلين الاولين معاً في العيد الأول! وفجأة وجدت نفسي وسط فراغ! اميل زولا كان يكتب ثلثي الكتاب قبل ان يبدأ بنشر فصوله.

الشغف ببلزاك وزولا

[ من اين يأتيك هذا الشغف ببلزاك وزولا وانت في الولايات المتحدة الأميركية؟

ـ كنت اصبحت في الخمسين تقريباً يوم جاءت زوجتي ومعها كتاب «تيريز راكان» تهديني اياه لأقرأه ظناً منها انني قد اهتم بقراءة التفاصيل الدقيقة التي وضعها الكاتب في ذلك الزمن لوصف مجتمعه، ثم قرأت دفعة واحدة كل أعمال زولا.

[ وهل تكريماً لزولا اعطيت أحد أبطالك في «ميامي الدموية» اسم لانتيه؟

ـ هذا الاسم يسكنني منذ ان قرأت لزولا كتاب «لاسوموار» و»جيرمينال» ايضا وفي الروايتين، قرأت الفصل الاول في كل منهما عشرات المرات من فرط الجمالية فيهما.

وهل تتذكر كلمات من الرواية يقول فيها الراوي: «انزل رأسه وراح ينظر الى الطاولة...« هذا المقطع رائع! كذلك، لا تنس في روايتي الجديدة، اسميت احد المقاهي «بلزاك».

[ ونجد ايضا في روايتك هذه تعدد المجتمعات وصدام الثقافات المتضاربة..

ـ هذا لأنني اكتشفت الفيلسوف ماكس ويبر في يال. على عكس ماركس الذي كان يعيش في انكلترا حيث المجتمع الطبقي. وصف ويبر المشهد الاميركي الصافي حيث لا تستطيع الاختلافات الكبيرة ان تبني سلماً اجتماعياً متكاملاً...

أميركا والاختلافات

[ إذا كيف تظهر الاختلافات في اميركا، بنظرك؟

ـ الأميركيون مقسمون ضمن وحدات واضحة وأنا اسميها الوحدات المرمزة والخاضعة الى طبقية معينة. وهذا ينطبق ايضا ومثلاً في عالم الصحافة أو اي قطاع آخر وأنا أتحدث عن هذا الموضوع في «قماشة الأبطال». وأحب أن أضيف ان لا شيء عالقاً في ذهن كل انسان اكثر من وضعيته ومكانته الاجتماعية. وانا كروائي لا شيء يحرضني اكثر من هذا الوضع ومراقبة تناحر وتزاحم هذه الطبقات، وأصف أدق تفاصيل حياة الأفراد في رواياتي مثلا كيف يعاني سكان نيويورك واحداً واحداً وكيف يشعرون بالقلق كلما اكلوا في مطعم وأخيرا كيف وجدوا انفسهم محبطين امام قرار البقشيش الذي يجب ان يتركوه للنادل في المطعم او لسائق التاكسي!

[ لماذا اخترت موضوع الهجرة والمهاجرين في هذه الرواية؟

ـ في أواخر التسعينيات، كان الحديث في أوجه في أميركا حول المهاجرين وظروف عيشهم وكيفية اجراءات دخولهم الى الاراضي الاميركية، خاصة هؤلاء القادمين من كوبا مع ثرواتهم... حينها طرحت على نفسي السؤال التالي: «ولكن ماذا سيفعل هؤلاء حين يصبحون حقا على الأراضي الاميركية؟» في البداية، أردت ان اخص برواية المهاجرين القادمين من الفيتنام من سان جوزية مباشرة الى شمال كاليفورنيا وهم لا يزالون يحتفظون بكل تقاليدهم ويقرأون يومياً صحيفتهم المحلية «سان جوزيه ماركوري نيوز»! لكنني فهمت سريعا انني بمجرد ألا أفهم لغتهم بتاتا فلن اتوصل الى ادراك عالمهم وثقافتهم وتقاليدهم، فتحولت عنهم الى ميامي، مدينة المغتربين والمهاجرين الكبرى في اميركا!

تضخيم

[ وهنا انت وصفت مدينة متروكة للفوضى ولحرب مفتوحة ما بين الجماعات المتناحرة داخلها. ألست تضخم الأمور قليلاً؟

ـ هذا ما رأيته. وميامي هي من الأمكنة النادرة في العالم حيث تمكنت جماعات من المهاجرين، وبالأخص من كوبا من وضع يدها على السلطة السياسية والاقتصادية على الاقل، طوال جيل كامل. أما بالنسبة الى البقية فيها، فهناك تنوع هائل من الشعوب: من كوبا، من نيكاراغوا، من فنزويلا، من هايتي، من روسيا (وهؤلاء يعيشون في منطقة مقفلة على نفسها بالقرب من ميامي بيتش) وأخيراً، حوالي 12 في المئة من أقليات أخرى... باختصار، تبدو ميامي مثل افغانستان، اي مكان حيث تتواجد فيه جماعات تبعد عن بعضها بضعة كيلومترات من دون ان يكون هناك أي صلة تواصل بينهما.

لاذع مثل الدبور

[ تبدو رؤيتك للأمور على شيء من التشاؤم حتى قيل عنها انها الى حد ما هذيانية وأنك لاذع مثل الدبور..

ـ أنا حقاً مثل الدبور اللاذع، وأنا ايضا ذو ثقافة انغلو ـ ساكسونية وأبيض وبروتستانتي.. لكنني لست من النوع الهذياني... انا احاول فقط ان استنتج وقد توصلت الى نتيجة انه علينا قطع اجيال كاملة لنصل الى مرحلة انصهار هذه الشعوب ببعضها. من اليوم يلاحظ مثلا ان اسم هذا السياسي او ذاك ايطالي او ايرلندي؟

[ من اجل كتابك الأخير هذا، تعاملت مع الموضوع مثل صحافي مراهق في ميامي. في الحادية والثمانين، وانت لا زلت تؤمن بمقولتك بأنه «على الكاتب ان يخرج من منزله ومن بنايته عند شروعه بكتابة رواية»؟...

ـ أنا غاضب بقوة من عدد من الكتاب والصحافيين في نيويورك الذين يكتفون بقراءة الصحف في مكاتبهم صباحاً ليكونوا آراءهم حول نظريات تشمل الكرة الارضية كلها.. أنا لطالما فكرت بأنه حين علينا ان نخبر شيئاً للقارئ، علينا ان ننتقل بأنفسنا لمعاينة الأمور قبل الكتابة عنها. وهذا الأمر بدأته منذ كنت شاباً يافعاً حين كنت أعمل في صحيفة «سبرينغفيلد» في ماساشوستس. وذات يوم ارسلني المسؤول لأغطي قصة عائلة من السود تعيش في قبو صغير وتعاني من مرض نادر بسبب المجاعة، يومها اكتشفت ان في اميركا القرن العشرين عائلات تأكل أحياناً الوحل المجبول الذي يغطي جدران أكواخها كي لا تموت من الجوع.

[ لكنك ذهبت الى ميامي ببذلاتك المشهورة والمكوّنة من ثلاث قطع وكأنك قادم الى حفل في حين أن الأمكنة هناك فقيرة جداً، كما زرت كل علب الليل هناك... ألم تنزعج من شكلك وسط تلك الأمكنة؟

ـ حين أمضيت في الستينات الليالي الطويلة مع «الهيبّيز» لحاجتي الى مراقبتهم من أجل كتابة روايتي «آسيدتست»، لم أتنازل عن وضع ربطة عنقي طوال الوقت. لا شيء أبشع من أن تنقطع عمّا أنتَ عليه فتبدو كاذباً أو مخادعاً، أنا أردت فقط أن أقول لهم: هذا أنا وعليّ أن أكتشف أموراً جديدة من كوكبكم... في ميامي، ساعدني صحافي هائل ومميز وهو أوسكار كورال من «ميامي هيرالد» لكنني عرفت كيف أشحذ المعلومات من الأشخاص على طريقتي وتماماً مثل أي متسكّع. ولقد تعاونوا معي بفرح تماماً مثل الفرح الذي يشعر به أي غريب إذا توقفت تائهاً وطلبت منه أن يرشدك الى الطريق!

.. ومن المحافظين

[ الجميع يصفونك على أنك من المحافظين، ومن اليمين...

ـ أجل، وذلك بسبب حادثة معينة: ذات يوم من العام 1970 وكنتُ ذاهباً لأصطحب زوجتي من صحيفة «هاربرز ماغازين» حيث كانت تعمل، رأيت دعوة موجهة الى مدير التحرير على الطاولة. وفي تلك الليلة، كان قائد الأوركسترا ليونارد برنشتاين وزوجته يقدّمان سهرة على شرف «بلاك بانترز» في قصرهم في «بارك آنيو». هل تظن أنني كنت سأفوّت تلك المناسبة؟ أخذت رقم الهاتف عن بطاقة الدعوة ونجحت في الاتصال وتسجيل اسمي على اللائحة. وفي مقالة لي بعنوان «راديكال شيك» في «نيويورك ماغازين» وصفت «البلاك بانترز» وهم يتناولون الحلوى ذات القطع الصغيرة في الصالون الضخم من القصر المؤلف من 13 صالة وغرفة. ومنذ ذلك الحين، ما عدت التقيت أحد زملائي أو أصدقائي إلاّ وتعاملوا معي وكأنني «خاطف أو مغتصب أطفال!».

.. وجورج بوش يقرأ!

[ ولتهدئة الأمور، صرح جورج بوش بأنه يقرأ كل كتبك..

ـ كان ذلك بعد نشر صورة له وهو غارق في قراءة «أنا، شارلوت سيمونز»، فراحت الصحف تسألني أنا، ومنها «النيويورك تايمز»، لماذا يحب بوش قراءة كتبي! فارتكبت حماقة حين أجبت بأنني صوتت له عام 2004 بعد انتصاره الخاطف مثل البرق في افغانستان. وكل المرشحين الذين صوتت لهم في البيت الأبيض ربحوا معاركهم الانتخابية!

.. وأوباما

[ وماذا يوحي لك أوباما؟

ـ لمجرد انه تم انتخابه مرة ثانية، اي مرتين على التوالي، فهذا يؤكد ان لونه لم يعد مهماً». المهم لديه موهبته وقدراته وافكاره. وانتخابه حدث عظيم وتاريخي في بلاد مثل بلادنا، لأننا كنا الأخيرين في انهاء العبودية. كما ان وجوده في البيت الأبيض امتص كل الأحقاد للقادة السود الذين تناولتهم مراراً في كتاباتي.

..وجديدك

[ وهل انت تحضر كتاباً جديداً؟

ـ اجل، وسيكون عنوانه «الحيوان الانساني»! لقد استعدت هذا العنوان من الكاتب الفرنسي زولا الذي كان شغوفاً بنظريات داروين وذلك لكي أؤكد كيف ان هذه النظرية قد طرحت نفسها بل فرضت نفسها مثل نظرية دينية غير قابلة للجدل حتى بات كل من يعارض نظرية التطور الانساني تلك قد يخسر وظيفته او مكانته في الجامعات من حول العالم.

[ هل انت... مع نظرية الخلقية (نظرية خلق العالم المبنية على نص سفر التكوين المأخوذ بحرفيته)؟

ـ كلا، ليس عندي اي شرح أو نظرية قد اتبنى الدفاع عنها، كما ليس لدي اي ايمان يتعلق بالأديان لأدافع عنه، انا اردت فقط ان اسرد كيف ان داروين العبقري عرف كيف يوصل افكاره ويتحدى كل النظريات المتناحرة مع نظريته 
ليصل الى ما وصل اليه في العالم. انا بكل بساطة اجد ان هذه القصة وبكل بساطة ساحرة.


التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.