الرئيسية » » رواية سرير الرمان (٢) | أسامة حبشى

رواية سرير الرمان (٢) | أسامة حبشى

Written By Gsm Egypt Server on الأحد، 13 ديسمبر 2015 | 1:07 م


(2)
   ثلاثون عاماً تفصل الآن ما بين لحظة مقابلة العجوز/الشبح والحلم والرمان ولحظتى الآن. الحقيقة أننى أدرك شيئاً وحداً هو أننى ولدتُ بقرية صغيرة لم يكن بها سوى بحر صغير دون جدار وشاطىء، ومع ذلك عندما رأيت العجوز كنت بصحبتها أمام بحر كبير فى مدينة كبيرة، لم يشغلنى هذا التناقض فيما مضى، ولكننى الآن لا أعرف هل كنت أحلم أم أننى بصحبة العجوز كنت فى رحلة عبر الزمن بمدينة ما؟.
  هل كانت لحظة السيدة العجوزوالحلم لحظتى هذيان، وهل الرمان هو سحر قادم ؟أم مجرد اشارة ؟ أم علامة تشير لقدومه فى سنوات مقبلة؟ وهذا يعنى أننى سأكمل حياتى هاذياً مجذوباً أم فى الأمر حكمة ما خفية، تستعصى على الفهم الآن؟
      قبل بلوغى الأربعين بثلاثة أشهر تخلصت من كل أثاث الشقة- الأثاث قليل جداً فهومجرد سرير/ بعض الغطاء/ بعض الأطباق/ أنتريه اشتريتة مستعملاً - التى أجرتها أيضا منذ ثلاثة أشهر، فلم يعد لى حاجة به، فأنا سأرحل هناك، وما أحتاجه هوالتذكر،عشت لهذه اللحظة، عبر بلايين المليارات من لحظاتى السابقة، وراهنت على جعل الماضى مستقبلاً وحاضراً، فأنا أعشق خلط الأزمنة وأعشق كونى شجرة متنقلة،كشجرة الرمان أو كطبيعة تفرض مبادئها فى كون سرمدى ، لذا قدمت استقالتى من عملى أيضاً كموظف بأحد القطاعات بوزارة الثقافة، هذا العمل الذى هو أول عمل رسمى لى فى حياتى والذى بدأ منذ ثلاثة أشهر ، أى قبل انتقالى لشقتى بشهر .
 أنا أريد الكتابة والكتابة ، كتبتُ رواية ولم يلتفت لها أحد، وهذا عادى جداً فى المناخ الثقافى الفاسد المحيط بنا ، و الحقيقة هذا غير مهم لى ، والأهم هو أننى أريد كتابة روايتى الثانية الآن عنى، عن الرمان،عن الحلم ،عن كل ماهو بخزائن ذاكرتى التى انفقت عليها عمرى الفائت، أريد أن أكتبنى وأن أتذكر، أريد الكتابة لمجرد الكتابة، ولكن لاشىء يسعفنى، فأنا أصبحت كالغبار منثوراً هنا وهناك ولا طريقة لجمعه، أنا مجرد شعاع كالذى يفرمن بين شراع الشباك، تراه ولا يمكنك الإمساك به، ألا يوجد ما يمتص الغضب فى هذه البقعة الضيقة المحدوفة غرب الشمس بهذا الحى الكئيب، ألا من مفر ينقذنى من هذا العبث اليومى الذى أمر به. 
الثانية تشبه الأخرى فما بالك بالساعات والشهور والسنوات ياقارئى العزيز؟ اختبأت الأحلام والأفعال والغرائز، أين الشجرة أيتها العجوز؟ أين أنا منى الآن؟ وأين منى أنا؟ أين البعض من الكل والكل من البعض؟ أين التذكر واللحظات المرنة السابقة؟ أين وجه نسائى ؟ ولماذا كل هذه التساؤلات الآن؟. 
الأسئلة تقتلنى، فالسؤال يتلو الآخر وكأن السؤال هو اللانهائى فىَّ!!
أين الصيرورة التى كنتها يوماً ما؟ أين الرمان؟ أين الجنون الحالم ؟ أيعقل عندما أصل لسن النضج لا أتذكر شيئاً؟ أسكن بحى قديم فى مدينة الحب والجنون ملىء بآلاف البشر ولا أعرف عنهم شيئاً وهم لايعرفون عنى شيئاً، وجوهنا تتقابل كمن يتقابلون صدفة بحافلة للنقل العام أو فى عربة مترو، ترى أهم أيضاً يعانون من تلك الأسئلة التى تحيط بى أم أنهم استطاعوا الاندماج فى هذا الواقع الباهت المقزز، ترى ما لون ضحكاتهم وما لون ضحكاتى فى العقود الأربعة الماضية؟ وما لون إحساسهم بالأشياء التى تمثل لى الآن حيادية صماء؟ مدينة القاهرة، مدينة قاسية، تجبرك على القتل وإلا ستقتلك، فهى مدينة تغلفك بالعصبية وتنهش فى صمتك مثل كلب مسعور، مدينة تفترض أنك تجيد لعبة تغيير الوشوش. ولكننى كنت اللحظة فقط، اللحظة بما تعنيه من كل شىء ، كنت المتنقل بين منازل كثيرة دون أدنى ارتباط بالجدران، ودون مفتاح خاص بى ، مفتاح يصرخ فى الكون ويعلن أننى مالك لمنزل أو شقة ما، ولكن ذلك لم يحدث بعد برغم امتلاكى لمفاتيح كثيرة جدا أصحابها الحقيقون طيبون جداً. نعم نجحت فى صنع قانونى الخاص فى الحياة. ولكنى عندما أنظر لعمرى الفائت لا أجد إلا سراباً، وكأنه طريق أسفلتى طويل بلا نهاية. يا إلهى الجنون يقتلنى، والوحدة تميت ما بقى من عظامى، المفترض أن عقودى الأربعة السابقة هى كل خبراتى وكل خزائنى لرحلتى القادمة التى هى لب روايتى الجديدة، فتشت فى كل شبر بشقتى- أخر شقة سكنتها- عن هذه الذكريات ولم أجدها لذا تخلصت من الأشياء هنا. أنا الآن بين جدران صماء ، ولايعقل ألا أتذكر فإنسان بلا ذاكرة كوطن بلا أفراد، إنسان مبعد، بلا رأس، بلا حيوات سابقة هو أنا ما عليه الآن، حاولت مرات ومرات أمام الورقة البيضاء أن أخط حروفاً تتشابك وتصنع كلمات ومن ثم جمل هى حياتى وعجزت، مثلما عجزت من قبل فى محو الشجرة التى رسمتها العجوز على الرمل، أنا لا أريد أن أكون المبعد حامل الرأس الخاوية، لذا قررت الرحيل اليوم باتجاه البحر، سأرحل محتمياً بآخر كلمات العجوز، اليوم فى هذه اللحظة - التى لا أعرف كم رقمها فى ثوانى حياتى الماضية - سأمضى تاركاً الجدران والنوافذ والأبواب والصخب اللانهائى الذى يملأ مدينة الحب والجنون، سأترك باب شقتى مفتوحاً وبه المفتاح. أكره مفاتيح المنازل، وأكره المنازل، أحب الجلوس بجانب البحر، فأنا الذى هو هناك وليس الذى هو هنا أمامكم بجانب حائط ينظر بحزن شقوقاً خبيثة  ترتسم على هذا الحائط، أنا لم أكن هذا الموظف ولم أكن الحالم بعالم الكتابة، فأنا الكتابة ذاتها الآن، أنا هذه الحقيبة المليئة بالورق الأبيض والأقلام وسنارة حديثة الصنع بجانب قدمى ، أنا بدون الرمان، بدون ذاتى،بدون جنونى الآن.

التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.