الرئيسية » , , , » المغيرة الهويدي: كل الطرق تؤدي إلى القصيدة | حاوره: فيصل الرحيّل

المغيرة الهويدي: كل الطرق تؤدي إلى القصيدة | حاوره: فيصل الرحيّل

Written By Unknown on الثلاثاء، 1 ديسمبر 2015 | 9:22 ص

المغيرة الهويدي: كل الطرق تؤدي إلى القصيدة
 


الكاتب الحقيقي ابن القلق والشك، ابن النفي والتمرّد، وهو متجاوزٌ.. كل كتابة تحت التجاوز لا تستحق القراءة!

حاوره: فيصل الرحيّل

قد ينسى الشاعر أي شيء مع مرور الوقت عدا تلك القصاصات الأولى التي قلبت حياته رأسا على عقب. المغيرة الهويدي.. حدثنا عن تلك البدايات؟ القصاصات الأولى، ما الذي كنت تريد قوله من خلال كتابتك لها؟

أذكر أسئلة كانت تلحّ عليّ دومًا كلما جلست على رصيف بيتنا: كيف يمكن أن أكون أنا وهو في الوقت ذاته؟ هل يرى الآخر ما بداخلي؟ هل يشعر بالألم كما أشعر وأنا ألوي يده بكل قوّتي؟ هل نحن متشابهون إلى هذه الدرجة التي تجعلنا نفكّر بالأمر ذاته؟ وإن كنّا متشابهين إلى هذا الحد، ما الغاية من اختلافاتنا التي تبدو أكثر إمتاعًا؟ كانت أسئلة أصعب من أن يستطيع طفل لم يتجاوز الخامسة صياغتها أو التعبير عنها. الأسئلة التي كنت أطرحها على نفسي هي البدايات، كنتُ أقضي وقتًا طويلاً تحت الطاولة، يتناهى إلى مسمعي صخب الشارع، أحلام اليقظة التي كنت أتفنن في اختراعها عن بلاد بعيدة وفتيات صغار أعانقهنّ تحت المطر.

لا أذكر متى كتبت أوّل نصٍّ لي. لكنني كنت مميّزًا في حصّة التعبير وتأليف القصص للأصدقاء. كتبت خواطر كثيرة وأنا في الحادية عشرة من عمري، ألفت في مراهقتي مسرحيات وصنعت بمساعدة إخوتي مسرحًا للعرائس في فسحة البيت الخلفيّة، وكنت أكتب الحوارات والأغنيات التي يحفظها الممثلون وهم يحركون الدمى. كتبت قصائد عموديّة في المرحلة الثانويّة. كتبت قصائد نثر في الجامعة.

لا أعرف إذا كانت البدايات تتوقف عند هذه المرحلة من العمر أمّ أنها تنسحب تحت ضغط الأسئلة التي تتوالد وتتغيّر وتعيد تشكيل نفسها. ما أعرفه الآن أنّ الاسئلة هي نقطة البداية التي تليق بأولى خطواتي الأدبية!

في مجموعتك “الحب لا يغادر البلاد” نلاحظ أنك قد قمت بتطعيم بعض النصوص بمقاطع وأهازيج من اللهجة العامية السورية، ما أثر ذلك على النص؟ وكيف يساهم هذا التطعيم في تطوير المادة أثناء عملية الكتابة؟

التراث روح الشعوب التي لا تخطئ سعيها إلى الجمال والخير والمحبة، وبما ينقله من تصوير شعريّ جميل للحياة بملامحها المختلفة. نشأت في محيطٍ ريفيّ ما يزال محافظًا على تلك الروح ويجد فيها تعبيرًا عن أصالته، ويرى فيها أيضًا وسيلةً لإبراز خصوصيته. أمدّني التراث الفراتي على وجه التحديد بتجربة جمالية وإنسانية تتجاوز المتعة، كما أفادني بتنمية قدرتي على تحسس الجمال في مفردات حياة لم أعشها تمامًا. هي في النهاية تنبع من رغبتك أوّلا وأخيرًا في الانتماء ومشاركة الآخرين هذا الانتماء، ومن حاجتك لأن تحسّ وتلمس تلك التجارب وكأنك تعيشها فعلاً. من هنا، كنت مع البدو في ارتحالاتهم، صرت خيولاً بريّة تعبر الفرات إلى سهل مشمس، وامرأة تغسل الصوف بماء الفرات فيلتصق ثوبها المبلل بجسدها مظهرًا مفاتنها، صرت النادبات والشاقات جيوبهن أمام خيول تعود بلا فرسانها، صرت راعيًا يعرف مواضع النجوم ومواقع المطر، وعاشقًا ينتظر الليل ليتقمص دور الحرامي في سرقة قبلة من شفتي حبيبته النائمة في غرفة طينية..

لا يمكنني أن أحدثك عن الأثر الذي تتركه هذه الأهازيج في نفس المتلقي، لكنني حريصٌ على استخدامها بما يخدم الفكرة ويشحذّ الطاقة العاطفية المخبوءة في داخل النصّ.

وجعنا أكبر من الأدب.. كتبت هذه العبارة قبل فترة على صفحتك في الفيس بوك، لماذا تكتب إذن؟ ما الذي يدفعك إلى ممارسة هذا الفعل كل يوم تقريبًا؟

أذكر عبارتي هذه جيّدًا، قلتها بعد حادثة موت اللاجئين السوريين اختناقًا في شاحنة بالقرب من الحدود النمساوية. عندها امتلأ الفيس بوك بسؤال غسان كنفاني:” لماذا لم يطرقوا جدار الخزان؟” كان استغلال العبارة على هذا النحو المبتذل مؤلمًا ووقحًا وتجاريًّا أيضًا، كان الأمر أشبه باجترار جملة أدبيّة كمن يقرأ شعرًا فوق تلّة من أجسادٍ ممزّقة. هذا رأيي.

لماذا أكتب بعد كلّ هذا؟ لأنّ الكتابة هي وسيلتي الوحيدة للتعبير عن وجعي ورؤيتي الخاصة لهذا الوجع؛ لأنّ الكتابة طوق نجاةٍ من الموت الذي يغرق مفردات الحياة التي أحبّ، لأنّ الكتابة المساحة التي أعيد فيها تأثيث الممكن والمستحيل في هذه الحرب المجنونة، لأنّ الكتابة تعطيني القدرة على إعادة الترميم إن أمكن، والبناء إن استوجب، لأنّ الكتابة تمنحني القدرة على فتح باب التأويل خارج الشائع والمبتذل، لأن الكتابة في الحرب ضماد ومشرط جرّاح، لأن الكتابة في الحرب إعادة صياغة للعلاقة التي تربطني بالأشياء والأمكنة من حولي، إعادة فهم للحاضر، محاولة توازن، وصياغة جديدة لكلّ المفاهيم التي تأسست عليها رؤانا إلى العالم؛ لأنّ الكتابة في الحرب –وليس عن الحرب فحسب– فهم جديد لما يتكوّن في رحمها من مفاهيم جديدة عن علاقتنا بالتاريخ والجغرافية، بالله والوطن والقيم والعلاقات والمبادئ التي تعيد إنتاج نفسها، بعيدًا عن طوباوية الشعارات الرّنانة والهتافات الزائفة؛ لأنّ الكتابة في الحرب حربٌ أيضًا على رتابة اللغة وطريقة التفكير، وقفزةٌ هائلةٌ فوق المفاهيم المقدّسة عن الأدب والشعر على نحو خاص.

القصيدة تقوم على عوامل عدة منها الفكرة، الصورة، الرؤيا، العاطفة… إلخ أي مما سبق يقودك إلى بلاد القصيدة، ما هو المدخل المناسب لكتابة قصيدتك؟

كلّ الطرق تؤدي إلى القصيدة. أزعم أنني مجرّب ويروقني ذلك، أطمئن لحقيقة أنني مجرّب يطرق كلّ مدخل ممكن للكتابة بكثير من المغامرة والرغبة في سبر النتائج التي أتوصّل إليها.

العاطفة في الأغلب هي من يهيئ المناخ المناسب للكتابة، لحظات متخمة بعدم الفهم والإبهام وهي في معظمها قاتمة جدّا تدفعني إلى الكتابة، الكلمات غير المترابطة لقول ما أريد قوله بشكل مباشر قبل أن تسقط في فخّ المجاز اللذيذ، الصورة التي أستحضرها وأعيد تشكيلها أكثر من تلك التي أجِدُّ في اختراعها، حالة التنافر التي تصيب الحواس قبل أن أنشغل تمامًا بإيجاد طريقة تشكيل تنسجم ورؤيتي التي تجعلني في حالة صعود وهبوط بين السطح والعمق، الكتابة لتقول المبهم والغامض بطريقة تحقق لي قدرًا من الانسجام والتآلف مع نفسي، الصدق بوصفه المشي في كلّ طريق يؤدي إلى القصيدة!

ينقسم الكتاب إلى فئتين، فئةٌ تترقب لحظة الإلهام وفئة تقوم بصناعة هذه اللحظة، في أيهما يجد المغيرة نفسه؟

أعتقد أنني في الفترة الأخيرة انتقلت إلى الفئة الثانية التي لا تطمئن للإلهام، ولا تؤمن بوجود وادي عبقر..أن تكون مجرّباً وصادقًا مع نفسك لحظة الكتابة أمرٌ لايستدعي وسوسة شياطين الشعر!

فان غوخ كان يشعر أنه يموت قليلاً كلما أنجز لوحة جديدة، فماذا عنك؟ ما الذي تشعر به بعد الانتهاء من كتابة القصيدة؟

أشعر بالسعادة التي يخالطها التعب والخوف مما سيأتي بعد القصيدة، وهذا أفضل بكثير من القلق الذي يلازمني قبل الكتابة، لكنني لا أشعر بالموت أبدًا. القصيدة حتى هذه اللحظة التي أجيب فيها عن سؤالك هذا جرعة حياة تستحق!

كيف تصف لنا حالة الخلق أثناء كتابة القصيدة، هل تأتي دفقة واحدة أم تمر بعمليات هدم وترميم؟ صدفة أم مرتب لها بطريقة جيدة؟

أحيانًا كثيرًا أكتب النص دفعةً واحدة، أعدّل وأراجع النص سريعًا قبل النشر.. لكنني في الفترة الأخيرة ابتعدت عن الكتابة هذه، ما عاد مهمًا عندي أن أقول ما أقوله لقارئ افتراضي، أصبح القارئ أقلّ مكانة في داخلي، بعد أن تخلّصت من وهم التعريف بنفسي والتواصل المباشر الذي تقدمه مواقع التواصل الاجتماعي.. ومع ضيق الوقت، وإدراكي لحقيقة أنني شاعر مجرّب، صارت القصيدة مشروعًا يحتاج إلى عمليات هدم وترميم واختبارات لغوية عديدة وإيجاد حواضن استنبات للقصيدة التي أنوي كتابتها.

ما الذي تعمل عليه الآن؟ سمعت أنك تود خوض تجربة إبداعية مختلفة عن تجربتك الأولى في الشعر؟ وكيف هي الكتابة في الأجناس الأخرى؟

نعم، أودّ الخوض في تجارب أخرى، وقد بدأت في كتابة رواية حول الحرب السوريّة وتأثيرها على الذات في رؤيتها لنفسها وللآخر، والانزياحات الحادّة التي تحدث للقيم والعلاقات التي تربط الإنسان السوري وتؤثر على رؤيته للحياة في ظلّ الحرب.

الكتابة لمجرّب مثلي مغامرة لا تخلو من مخاطر، لكنّها في النهاية لا تحرمك من المتعة المتأتية من اختبار مقدرتك على اختيار الشكل المناسب.


الكتابة تعطيني القدرة على إعادة الترميم إن أمكن، والبناء إن استوجب..

ألا تعتقد أن الضغوطات والأوضاع القاسية والمصير الجمعي المشترك بين الشعراء الذين يكتبون في هذه الحقبة قد يخلق تشابهًا رهيبًا فيما بينهم؟ كيف يمكن أن يقدم الكاتب تصورًا مختلفًا للعلاقة بينه وبين العالم والأشياء دون الوقوع في فخ التشابه أو الاجترار؟ 

نعم قد تخلق هذه الظروف تشابهًا رهيبًا، وهذا يحدث فعلاً مع وجودنا في بؤرة ساخنة من بؤر الصراع في هذا العالم. لا أرى في هذا التشابه عيبًا في هذه المرحلة بالقدر الذي أرى أنّ مسبب هذا التشابه هو ما نعيشه جميعًا، لكنّه ذاته الطريق الذي لابد من عبوره للوصول إلى مرحلة لاحقة.

الشاعر الذي سيبقى هناك سيخسر الكثير، وهذا يحدث عندما تجد الكثير قد وقع في فخّ الكتابة وفق تصوّرات وأفكار جاهزة ورؤى لم يكلّف نفسه جهد البحث عن رؤيته الخاصة؛ لذلك نجده يقدم نصوصًا لا تعدو أن تكون إعادة تكرير المكرر. الكاتب الحقيقي ابن القلق والشك، ابن النفي والتمرّد، وهو متجاوزٌ.. كل كتابة تحت التجاوز لا تستحق القراءة!

من خلال كتاباتك نجد أنك تعير المكان اهتمامًا كبيرًا، تستحضر تفاصيله بعناية، كشاعر ما الذي يعنيه المكان لك؟ كيف ستكتب عنه الآن وأنت على وشك فقده للأبد؟

أنت تجيب عن السؤال عندما تقول ” الفقد”. هل هنالك إجابة أكثر اختزالاً من هذه الكلمة؟ ولكن، دعني أحدّثك عن شغفي بالمكان. أنا ابن حربٍ تدار الآن في موطني، في وقتٍ أعيش بعيدًا عنه على بعد آلاف الكيلومترات. الغياب بحدّ ذاته محفّز نشيط للذاكرة. الحنين قرين المكان، المكان الذي يصبح بفعل الخوف من الفقد، فقد الهويّة، فقد الماضي والمستقبل على حدّ سواء، فقد الانتماء لما يعنيك ويشبهك رغم قائمة ملاحظاتك الطويلة حوله، أقول المكان الذي يوشك أن يغيب ماديّا ومعنويّا أيضًا، ماديّا عندما يطال الدمار والتشويه كلّ الأمكنة التي عشت فيها، بيتك، أزقة بلدتك، الأرصفة، المدرسة، المسجد، الحانة، المقهى، البيوت.. ومعنويّا عندما تشعر أنّك تنام عاريًا في غرفةٍ بلا جدار تطلّ على شارع مزدحم. أرجو أن تفكّر معي بما يعنيه هدم البيت بهذه الطريقة الوحشيّة، عندما ينزح أهلي، وتغيب وجوه الناس الذين أعرفهم، هدم المكان انتهاك للذاكرة التي تشكّل ملمحًا من تكوين الإنسان، فلا المقدّس هو المقدّس، ولا الأخلاق هي الأخلاق ولا الأسرة هي الأسرة ولا المال هو المال، هو اجتثاث قسري وسحق يطال كلّ شيء في هذه الحرب الوحشية التي ستنتج لا محالة شكلاً آخر لهذه القيم والمفاهيم، لكنها ومن ناحية أخرى تترك ألمًا عميقًا يحفر في الوجدان؛ لذلك وخوفًا من الفقد أيضًا، أجدني أحاول تثبيت المكان الذي يوشك يغيب إلى الأبد، أحيانًا تخونني الذاكرة نتيجة الخوف على ما بقي منه قائمًا، تغيب بعض التفاصيل وتحضر تفاصيل أخرى؛ لذلك أيضًا يمكن تفسير ولعي بالتراث بوصفه جزءًا من ذاكرة المكان، كما أنّ المكان هو تعبيرٌ عن الهوية التي تتشظّى.. خوف من الفقد، وأنا أضعف من أن أحتمل تغييرًا يطال الذات، وإن كان يحمل في داخله تحوّلات ممكنة وأكثر انسجامًا مع القادم.

يقال إن لكلّ شيء نهاية، تمامًا مثل هذا السؤال الأخير الذي أطرحه عليك الآن معلنًا نهاية هذا الحوار، متى ستتوقف عن الكتابة؟ هل لها نهاية لديك؟

ما زلت في البدايات؛ لذا أعتقد أنّ من المبكر التفكير بالإجابة عن هذا السؤال الذي أثار في نفسي امتعاضًا لمجرّد التفكير بأنّ وقتًا سيأتي معلنًا النهاية. أرى أنني أتمتع بصحة جيّدة، وأنني مستفز دائمًا وأمتلك القدرة والرغبة الدائمة في التعبير. أكتب في كلّ وقت، أفكّر تمامًا وكأنني أكتب، أفعل كلّ شيء كأنني أكتب، وما أذكره أنني اخترت الكتابة قدرًا بملء إرادتي، وأحبّ فكرة أنني كاتب، أؤثث بالكتابة حياتي قبل الموت.

خذ إجابتي على محمل الجد، سأكتب رغم الانتكاسات التي تصيبني بين حين وآخر، ولا أقتنع بكاتب وجد نفسه فجأة يستطيع ولا يريد!



التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.