السادات، وما أدراك ما السادات؟ (1) | بلال فضل

Written By Gsm Egypt Server on السبت، 26 ديسمبر 2015 | 12:11 م


في مثل هذا اليوم من عام 1918، ولد محمد أنور السادات، الذي ظل تاريخه محاطاً بالغموض، ومليئا بألغازٍ كثيرة لم يحلها أحد حتى الآن، والذي حكم مصر فترة قصيرة، تجاوزت بالكاد عقداً، لكن ما صنعه السادات في سنين حكمه القصيرة، لا زال يؤثر في مصر، ولفترة مقبلة، لا يعلم مداها إلا الله.
اتفاقية كامب ديفيد ومبادرة الصلح المنفرد مع إسرائيل، توظيف الدين في الصراع السياسي، التسليم بأن أميركا في يدها 99 في المائة من أوراق اللعبة، أوضاع سيناء، سياسات الانفتاح الاقتصادي، بيع القطاع العام وبدء مشوار الخصخصة، الفتنة الطائفية، ديمقراطية الأنياب والهراوات، الهوامش الديمقراطية التي "يفيشها" رجال الأمن عند اللزوم، توظيف الأزهر والكنيسة في خدمة الدولة، وضربهما بقوة في حالة أي بوادر تمرد، توغل رجال الأعمال في الحياة السياسية، حرية الصراخ في الصحف والأحزاب المدارة بالريموت كونترول، منطق العيب وأخلاق القرية والعيش في دور الحاكم رب العائلة المصرية، استدعاء التنظيمات الإسلامية عند الحاجة، وضربها بقوة بعد انقضاء الحاجة إليها، ديمقراطية الثلاث تسعات، هزليات مجلس الشعب المطعم ببعض الأسماء المعارضة، إغفال أهمية القضية الفلسطينية للأمن القومي المصري، التأرجح في العلاقة مع الدول العربية حسب الحاجة والمنفعة، احتقار المثقفين "الأفندية الأرازل"، توظيف أساتذة القانون كترزية عند الطلب.
هل يمكن أن نقول إن كل هذه السياسات التي ارتبطت بالسادات وعهده غادرت حياتنا أبداً؟، هل يمكن أن نغفل أن مصر حُكمت بعد رحيل السادات، وعلى مدى ثلاثين سنة، بخلطة ساداتية أضاف إليها حسني مبارك لمسات النطاعة والتبلد الخاصة به؟ وهل يمكن أن ننكر أن هذه الخلطة الساداتمباركية يعاد إنتاجها الآن، مع استدعاء لمساتٍ ناصرية بالتحديد في مجالي القضاء والإعلام؟ وهل يمكن أن نتعامل مع حاضرنا المرير، أو نأمل في مستقبل أفضل، من دون أن نفهم حقا ما الذي جرى لمصر بدءاً من عهد السادات الذي لا زال خطابه مهيمناً على الساحة السياسية، ويبدو أنه سيظل كذلك فترة بعيدة، حتى تتشكل قناعة جمعية بأن مصر بحاجة إلى تجاوز صيغة الحكم التي وضع عبد الناصر أسسها، وقام السادات بتطويرها إلى شكلها المستمر؟.
أتصور، أو أتمنى، أنك ستجد إجابات ما لهذه الأسئلة، وأنت تستعرض معي فصول كتابي
"مصر بحاجة إلى تجاوز صيغة الحكم التي وضع عبد الناصر أسسها، وقام السادات بتطويرها إلى شكلها المستمر؟"
(السادات وما أدراك ما السادات) الذي حاولت فيه سنوات، تأمل شخصية السادات وتفكيره وسياساته، وهي محاولة لم تكن سهلة، وسط كل ما يوجد حوله وعنه من روايات متعددة إلى حد التناقض، لكنها أيضاً كانت محاولة مثيرة للدهشة والأسى والتعجب من أحوال مصر والفرص الضائعة التي أهدرت من أجل التقدم والتغيير. ولعل ما شجعني على إنجاز هذا الكتاب الآن، بعد أن ظلت فصوله مبعثرة سنوات، هو ما ألمسه من تعطش قراء كثيرين، خصوصاً من أبناء الأجيال الجديدة، لكل ما يكتب عن تاريخ مصر المعاصر، الذي لا زال يؤثر في حاضرها بقوة. وأرجو أن تكون فصول هذا الكتاب مجرد "فاتح شهية" للقراءة أكثر عن هذه الفترة المهمة، خصوصاً وأن المكتبات تمتلئ بمئات الكتب عنها، ومع أنه لا أحد يمكن أن يدّعي امتلاك الحقيقة الكاملة بخصوص الفترة الساداتية، لكن يمكن لي أن أدّعي أن حجم الأكاذيب التي تم ترويجها عنها كان كبيراً جداً، وساعد على رسم صورة مضللة عنه وعن دوره السياسي، كانت تصب، بالأساس، في خدمة مبارك الذي لم يسر على طريق السادات بأستيكة، كما فعل السادات، حين سار على طريق عبد الناصر.   
في رحلة التأمل الطويلة هذه، والتي استمرت سنوات، لم أعتمد فقط على مصادر محبة للسادات أو كارهة له، بل حاولت الوصول إلى مداخل متعددة للبحث عن السادات، حاورت السيدة جيهان السادات، في حوار طويل، لم يترك منطقة شائكة إلا وتناولها. كان ما نشرته منه في مجلة "المصور" عام 1999 قليلا جدا، مقارنة بما لم تتسع له المساحة من كلام في غاية الأهمية. حاورت الدكتور مصطفى خليل أحد أبرز التكنوقراط الذين استعان بهم السادات في الحكم، وواصل مبارك الاستعانة بهم. تأملت علاقة السادات بالكتاب والمثقفين والفنانين في عصره من خلال شهادات لأبرزهم، مع توقف خاص عند اعتقالات سبتمبر وتفاصيلها المثيرة. قرأت يوميات قاتل السادات، خالد الإسلامبولي، التي كان يدونها في زنزانته، وهو ينتظر تنفيذ الإعدام. رصدت علاقة السادات بجماعة الإخوان المسلمين، كما تحدث عنها عديدون، في مقدمتهم السادات نفسه. تأملت علاقته المعقدة بمحمد حسنين هيكل، والدور الذي لعبه هيكل في تشكيل صورة السادات بعد رحيله. توقفت عند دراسة مهمة عن طريقة اختيار عبد الناصر والسادات رجالهما، وهي الطريقة التي لا تزال متبعة بحذافيرها. وكل هذا أرجو أن أنشره تباعا على حلقات، ستفصل بينها كتابات أخرى متنوعة، بإذن الله، كسراً للرتابة. وسأبدأ من اليوم وعلى مدى ثلاثة أيام، قراءة برغم كبر حجمها، تظل "سريعة" في رحلة حياة السادات السياسية من الجيش إلى المنصة، تتضمن، في الوقت نفسه، مقارنات بين ما رواه السادات عن هذه الرحلة، وعن ما رواه شركاء هذه الرحلة عنها وعنه.     
تعالوا نبدأ هذه الرحلة سويا.
السادات قبل يوليو: الإرهابي الغامض!
ـ تقارير البوليس السياسي: الحرس الحديدي التابع للقصر أخرج السادات من السجن ليشارك في محاولتين لاغتيال مصطفى النحاس، ثم يعود إلى السجن ـ محامي قتلة السادات أمام المحكمة: السادات كان إرهابيا يتقاضى على رأس القتيل من أعداء الملك ألف جنيه، واسألوا زميله حسين توفيق قاتل أمين عثمان ـ حسن البنا يخصص عشرة جنيهات شهرياً لأسرة السادات، تضامنا معه بعد اعتقاله، والسادات يعلن انبهاره به من أول لقاء.
تكون مخطئا لو قرّرت أن تتعرف على صورة أنور السادات قبل الثورة، عن طريق السادات فقط، وبالتحديد من مذكراته الرسمية "البحث عن الذات"، والتي ستدرك حين تقرأها ضرورة ألا تصدق السادات كثيراً. قد تبدو هذه بداية متحاملة على السادات، لكنها، للأسف، الحقيقة التي يدركها كل من قرأ كل الشهادات التي كتبت عن حياة السادات ونشاطه السياسي، قبل ثورة 23 يوليو 1952، وفي مقدمتها شهادة كتبها السادات بنفسه، قبل أن يصبح فرعوناً يعيد كتابة التاريخ، أو يعيدون من أجله كتابة التاريخ، فيتبرأ من شهادته القديمة.
في "البحث عن الذات"، يروي السادات أنه، منذ تخرجه من الكلية الحربية وتعيينه في منقباد،
"تكون مخطئا لو قرّرت أن تتعرف على صورة أنور السادات قبل الثورة، عن طريق السادات فقط"
بدأ يفكر في عمل تنظيمٍ يهدف إلى ثورة عسكرية، بل وبدأ الاجتماع بعدد من زملائه الضباط فعلاً، وزادت في إشعال حماسه الوطني زيارة الفريق عزيز المصري لهم، والتي جعلته يشعر أنه أكثر نضجاً من بقية زملائه الذين يصفهم بأنهم "كان ينقصهم الوعي السياسي" على عكسه طبعاً، بل إن السادات يظهر عبد الناصر في صورة الشخص المنطوي الذي يتحاشاه الناس، بسبب الحواجز التي يقيمها حوله، و"بسبب نزوعه إلى الشك والمرارة وأعصابه المشدودة باستمرار". ويتناسى السادات أنه سبق له أن كتب عكس ذلك تماماً، ليس فقط في كتابه "يا ولدي هذا عمك جمال"، بل في كتاب أهم هو "صفحات مجهولة"، والذي نشره سنة 1956، راوياً فيه للمصريين ما لا يعرفونه عن تنظيم الضباط الأحرار، وهو كتاب طبعت منه طبعات عدة، لاقت نجاحاً ساحقاً، لكن طبع الكتاب ونشره توقف بعد وصول مؤلفه إلى سدّة الحكم، بل وتم سحب نسخه من الأسواق. وفي الكتاب، يقول السادات إن عبد الناصر هو الذي التأمت حوله منذ البداية مجموعة الضباط الأحرار، وهو يقول ذلك بعبارات إنشائية مفعمة بالمحبة والتقدير، إن لم يكن التقديس، على شاكلة "كان جمال يقول لنا إن الإنجليز أصل بلائنا كله، هذه الكلمة قالها جمال، وكأنه يحدد لنا رسالة كبرى، لا ينبغي أن يتخلى عنها أحد"، ولا أظنك بحاجة إلى مزيد من التعليق على هذا التناقض الفاضح الذي يهدد مصداقية الرواية الحديثة للسادات عن تاريخه القديم.
وفي حين تتواتر الروايات أن صديق السادات، الضابط حسن عزت، والذي كان منضماً بالفعل إلى مجموعة سرية من ضباط الطيران، هو الذي اقترح على تلك المجموعة ضم السادات إلى النواة الأولى لتنظيم الضباط الأحرار، إلا أن السادات يروي، في مذكراته، الحكاية بالعكس تماماً، قائلا إنه، بعد نقله من منقباد إلى القاهرة، أقام أول تنظيم سري من الضباط سنة 1939. كان عبد المنعم عبد الرؤوف الضابط المنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين هو الرجل الثاني فيه، ثم تبعه في الالتحاق بالتنظيم عبد اللطيف البغدادي وخالد محيي الدين وغيرهما، وهو ما يروي عكسه محيي الدين والبغدادي، فالأول يعطي في مذكراته "والآن أتكلم" لحسن عزت الفضل في إثارة اهتمامه بضرورة رفض الضباط ما يجري في البلاد، بعد حادث 4 فبراير/شباط 1942، وليس في 1939 كما ذكر السادات. ويقول إنه لم ير السادات في تلك الفترة أصلاً. ويكتب عبد اللطيف البغدادي في مذكراته أن الخلية الأولى من الضباط الأحرار كان قد تم تشكيلها بالفعل قبل فترة من انضمام السادات إليها طبقاً لاقتراح من حسن عزت، أما محمد حسنين هيكل والمعروف بتحامله على السادات، فيؤكد أن السادات لم يُعرف عنه في تلك الفترة أي اهتمامات غير عادية بالسياسة، ولا يُذكر عنه سوى براعته في الغناء والتمثيل وتقليد رؤسائه، وهو ما كان يمنحه بعض الشعبية وسط أقرانه من الضباط. وبالطبع لم يكتب هيكل تلك المعلومات إلا بعد أن اختلف مع السادات، ولم يجد أن من حق القارئ معرفتها، حين كان أكبر مناصري السادات، ومساعده الأهم في التخلص من منافسيه عام 1971.
السادات والبنا
في فترة لاحقة، ونتيجة للتربيطات السياسية بين علي ماهر والقصر و"الإخوان"، ورغبة من
"قال السادات إن عبد الناصر هو الذي التأمت حوله منذ البداية مجموعة الضباط الأحرار، وهو يقول ذلك بعبارات إنشائية مفعمة بالمحبة والتقدير، إن لم يكن التقديس"
الملك فاروق في ضرب حزب الوفد وزعيمه مصطفى النحاس، تم السماح للمرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، الشيخ حسن البنا، بالدخول إلى الجيش، لإلقاء محاضرات دينية للضباط. وهنا يروي السادات، في مذكراته، أنه سمح للبنا بإلقاء محاضرة دينية بدلا منه، في يوم عيد مولد النبي سنة 1940، وكان يومها الضابط النوبتشي في معسكره، وأنه انبهر يومها بأسلوب البنا الذي يصفه، في مذكراته، بأنه "كان مؤهلا للزعامة الدينية، كان مصرياً صميماً بكل ما تحمله هذه الكلمة من دماثة خلق وسماحة وبساطة في معاملة الناس، وكان يتكلم عن الدين والدنيا معاً، وبأسلوب جديد لم نألفه من رجال الدين".
ثم يروي السادات تفاصيل لقاءاته المتعددة بالبنا، والتي ختمها بلقاء يقول إنه أراد له أن يكون صريحاً، حيث كشف فيه السادات للبنا عن إعداده لثورة مسلحة، وأن "تنظيمه السري" لن يخضع لأي هيئة. لكن يكفيه أن يتعاون مع "الإخوان" فقط، ويقول السادات إن البنا "بوغت، لكنه وافق أن نتعاون، ولم يمض وقت طويل بعد ذلك، حتى كان قد جُنّد لحساب الإخوان عبد المنعم عبد الرؤوف، الرجل الثاني بعدي، في تنظيم الضباط الأحرار"، لكن عبد المنعم عبد الرؤوف في مذكراته "أجبرت فاروق على التنازل عن العرش" لا يأتي بسيرة تنظيم السادات المزعوم الذي كان رجله الثاني، بل على العكس يتحدث عن السادات بشكل سلبي، قائلاً إنه تمارض حين تطلب الأمر اشتراكه في مهمة تهريب الفريق عزيز المصري، الشهير بمعارضته للإنجليز إلى السودان. كما يقول في موضع آخر إنه لم يكن يرى السادات في الفترة التي قال السادات فيها إن عبد المنعم كان "رجله الثاني"، ورآه فقط مرة في عام 1944، حين جاء إليه ليقترض مبلغاً من المال لم يرد أغلبه أبداً. وبالمناسبة، حين يتحدث عبد المنعم عن الضباط الذين بايعوا "الإخوان" رسمياً، يذكر أسماء جمال عبد الناصر وكمال الدين حسين وخالد محيي الدين وسعد توفيق وحسين حمودة وصلاح خليفة، ولا يذكر من بينهم اسم السادات، على عكس ما يزعم بعضهم أن السادات انضم رسمياً إلى جماعة الإخوان المسلمين، وسيأتي تفسير لمراوغة السادات لهم في موضع آخر من هذه الحلقة.
بعدها يروي السادات أنه طلب من الشيخ حسن البنا أن يرتّب له لقاء مع عزيز المصري، لتتوثق علاقة السادات به بعد ذلك، وهو ما لا تجد له ذكراً في مذكرات عبد المنعم عبد الرؤوف الذي كان شديد القرب من عزيز المصري، إلى درجة أنه شاركه في محاولة الهروب الشهيرة إلى السودان، كما يروي السادات في هذه المرحلة قصة عن تدبيره خطةً لأول ثورة مسلحة، يقول إنها كان من المفروض أن تقوم من مرسي مطروح، وتتجمع قواتها عند فندق مينا هاوس لتدخل القاهرة، لكنه وصل إلى مينا هاوس وحده، وظل هناك في انتظار الآخرين من دون أن يصل أحد، معلقاً على ذلك بقوله "ربما كان هذا من فضل الله، فلو فشلت هذه الثورة لما قامت ثورة يوليو". وبالطبع، لا يذكر السادات اسم شاهد واحد على روايته هذه التي تصب في اتجاه كونه أول من جاءته فكرة قيام الجيش بالثورة. وبالطبع، لن تجد لها أدنى ذكر في كتاب "صفحات مجهولة"، لأنها كانت ستتعارض مع ضرورة تمجيد عبد الناصر، وإظهاره بمظهر العقل المدبر الأوحد للثورة.
أنور وروميل ونادية الجندي
بعد أن فشلت محاولة هروب الفريق عزيز المصري إلى السودان، تم القبض على ضباط اشتبه
"لا يذكر السادات اسم شاهد واحد على روايته هذه التي تصب في اتجاه كونه أول من جاءته فكرة قيام الجيش بالثورة"
في اشتراكهم في المحاولة، وكان من بين هؤلاء السادات الذي لم يثبت تورطه في الهروب. وهنا يروي السادات أنه قال لزملائه في تنظيم الضباط الأحرار إنه لا بد من إرسال رسالة إلى القائد الألماني روميل، تعرض التعاون معه ضد الإنجليز، لكن الطائرة التي تم إرسال الرسالة عبرها انفجرت بقائدها، وبعدها بدأت علاقة السادات، عن طريق حسن عزت، بجاسوسين ألمانيين، لتنسيق الجهود ضد الإنجليز، وهي العلاقة التي انتهت بالقبض على الجميع: السادات وحسن والألمانيين. ويروي السادات كيف تفنن في إطلاق الأكاذيب المقنعة لإفشال القضية، وهو ما حدث بالفعل، لكن اعتراف الجاسوس الألماني إبلر أدى إلى اعتقال السادات في سجن الأجانب، ثم في معتقل ماقوسه في المنيا. وبالطبع، روى السادات تفاصيل تلك القصة بشكل خالٍ من المبالغات في كتابه "صفحات مجهولة"، ثم بعد أن سحب الكتاب من الأسواق عقب توليه الرئاسة، أعاد روايتها بشكل مختلف في "البحث عن الذات" بشكل امتلأ بالمبالغات التي لا تتسق مع كونها عملية تعاون فاشلة مع جاسوسين ألمانيين، ولم تكن فتحاً مخابراتياً مبيناً، لتمر الأيام، وتروي نادية الجندي القصة بشكل ثالث في فيلمها "حكمت فهمي"، تحول الجميع فيه إلى ظلال على هامش حكمت ورقصاتها.  
في المعتقل، نشأت بشكل غامض علاقة بين يوسف رشاد طبيب الملك فاروق والسادات، أدت إلى تشكيل تنظيم الحرس الحديدي الذي كان أخطر جمعية سرية قبل الثورة لحماية الملك، والتخلص من خصومه، في حين يؤكد هيكل أن يوسف رشاد كان قد تعرّف على السادات في مرسى مطروح عام 1942، أي قبل دخوله المعتقل، وهو ما تؤكده السيدة جيهان السادات في كتابها "سيدة من مصر"، ويبدو أن ذلك حدث، كما يقول هيكل، حين استطاع يوسف جذب حسن عزت، صديق السادات القديم، للعمل معه، فنبهه حسن إلى أن السادات المُعتقل قد يكون عنصراً نافعا للحرس الحديدي. وهنا يروي هيكل أن زائراً غامضا ذهب إلى السادات في المعتقل، وعلى إثر زيارته، دخل السادات في الحرس الحديدي. وبعد أيام من هذا اللقاء، تم نقل السادات بطريقة غامضة من معتقل المنيا إلى معتقل الزيتون الذي لم يكن معتقلاً بالمعنى المتعارف عليه للمعتقلات وقتها، فقد كان يحفل بأعوان الملك الذين اعتقلتهم حكومة "الوفد"، وكان مكاناً مشهورا بالتساهل الأمني إلى حد التسيب، إلى درجة أن السادات يروي أنه هرب منه مرة هو وصديق له، ليكتب تظلماً في قصر الملك، ثم عاد إلى المعتقل مرة أخرى. سنلاحظ هنا أن موسى صبري، صحفي السادات الأول، يروي في كتابه "السادات الحقيقة
"في المعتقل، نشأت علاقة بين يوسف رشاد طبيب الملك فاروق والسادات، أدت إلى تشكيل تنظيم الحرس الحديدي الذي كان أخطر جمعية سرية قبل الثورة لحماية الملك"
والأسطورة" أنه هرب مع السادات من معتقل الزيتون في المرة الأولى، لكن السادات، حين روى الحكاية في مذكراته، لم يذكر اسم موسى صبري، ربما لأنه شعر أن موسى صحفيه المقرب، لا يرقى إلى أن يوضع في مرتبة شريكه في النضال. وبالطبع لم يبد موسى صبري اعتراضه على ذلك. على أية حال هرب السادات بعد ذلك من المعتقل، هروباً نهائياً، وفي ظروف غامضة جداً، ليشترك في اغتيال السياسي الوفدي، أمين عثمان. بالمناسبة، إذا كنت ترغب في قراءة تفاصيل عن هذه المرحلة، وعن علاقة السادات بالحرس الحديدي ويوسف رشاد، يمكن العودة إلى كتاب ممتع للكاتب رشاد كامل "السادات أسطورة لغز". 
السادات قاتلا
في سبتمبر/أيلول 1945، وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية وسقوط الأحكام العرفية، أصبح من حق أنور السادات الهارب من السجن أن يعود إلى الأضواء، بعد سقوط حكم السجن عنه. وبعد ثلاث سنوات من التشرد والهروب، وصفها بالتفصيل في مذكراته، قائلا "بمجرد أن عاد إلي كياني كمواطن حر طليق، كان أول عمل قمت به هو تكوين الجمعية السرية، فكيف تتحرّر الذات بدون أن يتحرر الوطن". اتصل السادات بشقيق أحد زملائه في الجيش، ليعرّفه على شاب اسمه حسين توفيق، كان مشهوراً بقيامه بعمليات قتل للجنود الإنجليز في المعادي، عرض عليه السادات أن ينضم معه إلى تنظيم مسلح، لأن "الطريق إلى تحرير مصر لا يكون بقتل حفنة من الجنود الإنجليز، ولكن المهم، وقتها، في رأيه كان التخلص ممن كانوا يساندون الانجليز في ذلك الوقت"، وكان في مقدمة هؤلاء في نظره الزعيم مصطفى النحاس رئيس حزب الوفد الذي سقط في نظر السادات بعد حادث 4 فبراير/شباط 1942، ليتحول من بطل أسطوري إلى هدف للقتل.
 كان السادات قد درب أعضاء "تنظيمه" على استعمال القنابل اليدوية، وتم اختيار حسين توفيق ليلقي بقنبلة على سيارة النحاس، بالقرب من منزله في جاردن سيتي، ونجا النحاس بأعجوبة، عندما حاول سائقه تفادي "تروماي"، كاد يصطدم بالسيارة، لتصيب شظايا القنبلة عربة أتوبيس لفتيات يعملن في القوات المسلحة البريطانية، في الوقت الذي كان السادات، مع أفراد تنظيمه، يراقبون فشل العملية، لينسحبوا بعدها في هدوء، ويركبوا الترام إلى ميدان الإسماعيلية الذي أصبح يحمل اسم "التحرير" بعد ذلك، وأصبحت محطة المترو فيه تحمل اسم السادات، وبالتحديد إلى مقهى أسترا، المكان المفضل لاجتماعاتهم. وفي تلك الجلسة، قرّروا التخلص من هدف يسهل الوصول إليه، هو أمين عثمان الذي تولى وزارة المالية طوال حكم النحاس، بعد أن فرضه الإنجليز في 4 فبراير، والذي كان مسانداً بقاء الإنجليز في مصر، بشكل لم يسبق له مثيل، خصوصاً من خلال نشاط جمعيته السياسية "رابطة النهضة"، والتي كان السادات، للعجب، قد التحق بها فترة، كما قال مفسرا ذلك: ".. لم يكن في مصر حزب سياسي واحد لم أدخله، من باب المعرفة ربما، أو من باب البحث عن منفذ نخلص به مما كنا فيه"، وقد اعتبر السادات أن تصريح أمين عثمان الذي أعلن فيه أن مصر وانجلترا تزوجتا زواجاً كاثوليكيا، هو بمثابة حكم بالإعدام عليه، أصدره هو باسم الشعب المصري، وهو ما تكرّر بعد ذلك بحق السادات.
وبالفعل، تم تنفيذ حكم الإعدام في يوم السبت 6 يناير/كانون الثاني 46، بعد عودة أمين عثمان
"كان السادات قد درب أعضاء "تنظيمه" على استعمال القنابل اليدوية، وتم اختيار حسين توفيق ليلقي بقنبلة على سيارة النحاس"
من إنجلترا بيومين. كان أمين قد زار المندوب السامي البريطاني، اللورد كيلرن، في ظهر يوم السبت. وعندما ذهب إلى مقر الرابطة في المساء، كان حسين توفيق الجاهز دائماً للتنفيذ في انتظاره عند باب العمارة حسب الخطة، ليطلق عليه الرصاص، بعد أن ناداه بكل احترام: "يا أمين باشا، يا أمين باشا". لم يكن هروب حسين سهلاً، فقد اضطر لتفجير قنبلة يدوية، ليتمكن من الإفلات من مطارديه. كان السادات وقتها يجلس في مقهى قريب، وبعد سماعه انفجار القنبلة، ذهب ليحوم حول موقع الحادث، ليتأكد من عدم وجود ضحايا بين الأهالي، ثم بعدها ذهب إلى بيته في كوبري القبة، وعندما تأكد خبر الاغتيال في اليوم التالي، أحس السادات أنه تحقق له ما أراد.
بعدها بأيام، قبض البوليس على حسين توفيق، وبعد أيام من التحقيقات المكثفة، اعترف بكل شيء في يوم 10 يناير/كانون الثاني 46، وبعدها بليلتين، تم القبض على أنور السادات وترحيله إلي سجن الأجانب، حيث سبقه زملاؤه، وفي مقدمتهم حسين توفيق الذي علم السادات أن صداقة نشأت بينه وبين وكيل النيابة، محمد كامل القاويش، حتى أنهما أصبحا يسهران ويتعشيان معا كل ليلة، في محاولة من وكيل النيابة، لتثبيت اعترافاته ضد السادات في مقابل تحسين وضعه في القضية، شعر السادات بالغدر، فاتصل بزملائه عن طريق السجانين، وأوصاهم بإنكار اعترافاتهم السابقة، وعندما أحس وكيل النيابة باتصالات السادات، نقله إلى زنزانة بعيدة عن باقي زملائه، وأوصى مأمور السجن بفرض رقابة مشددة عليه.
في التحقيقات، قرّر السادات اتباع أسلوب لإفساد القضية، بادعاء أنه تعرض للتعذيب، ليتم تأجيل التحقيق معه أسبوعاً، كان فيه وكيل النيابة يفكر في طريقة لإدانته، بينما كان السادات يفكر في كيفية إفساد القضية، وقرّر السادات الاتصال بالشخص الوحيد الذي صمد ولم ينهر في التحقيقات، وهو ابن خالة حسين توفيق، واسمه محمد إبراهيم كامل، والذي كان وقتها شاباً صغيراً، لم يكن يعرف أن القدر سيجعله وزيرا لخارجية مصر مع السادات، وأنه سيختلف مع سياسة السادات بشدة ويترك السلطة، ويتم اتهامه بالخيانة. المهم أن محمد إبراهيم كامل استجاب للسادات، ليصعّد السادات اتهاماته لضباط السجن بتعذيبه، ويرسل برقية احتجاج إلى النائب العام. يومها كان القانون وقتها في مصر لا يزال له احترامه، وكان من حق السجين السياسي أن يرسل برقيات إلى النائب العام، يتم إثباتها في محاضر رسمية، ومع أن ذلك الحق بقي نظرياً على الورق حتى الآن، إلا أن ممارسات دولة يوليو بسلطاتها المتعاقبة أطلقت حق النائب العام في تجاهل تلك البرقيات، والتجاوب معها فقط، حين يكون ذلك في "المصلحة العليا للنظام" التي تحددها، بالطبع، السلطة التنفيذية التي يشكو منها المساجين أصلاً.  
وعند مواجهة النائب العام السادات بزملائه، تمسك بعضهم باعترافه، بينما تراجع أحدهم، واسمه عمر أبو علي، عن أقواله، وكان ذلك يعني بداية انهيار القضية، خصوصاً مع استمرار السادات في الحديث عن تعرضه للتعذيب، واستمرار برقياته المطالبة بتغيير وكيل النيابة. وبعدها جرت مواجهة بين السادات وحسين توفيق، فاستطاع السادات، بقصصه المخترعة المحيرة، أن يهز صلابة حسين توفيق. وعندها أحس وكيل النيابة بالخطر، فأصدر قراراً بنقل السادات إلى سجن قره ميدان، وبالتحديد في الزنزانة 54 التي كان لها أكبر الأثر في تشكيل شخصية أنور السادات التي يعتبر السادات أنها حرّرت ذاته، بعد أن عاش معاناةً "لم يستطع كثيرون تحملها، كما تحملتها أنا، بفضل نشأتي بالقرية وخدمتي بالقوات المسلحة". هنا يروي السادات، في مذكراته، أن الشيخ حسن البنا اتصل بشقيقه، وأخبره أن جماعة الإخوان المسلمين خصصت مبلغ عشرة جنيهات شهرياً لمساعدة أسرة السادات، وكان وقتها مبلغاً له قيمة، ويروي السادات ذلك بامتنان، وبعتاب لزملائه الضباط الذين يقول إنهم أوقفوا معونتهم له، منذ خرج من معتقل ماقوسة، في قضية الجاسوس الألماني إبلر التي أصبحت شهيرة الآن بأنها "قضية حكمت فهمي".
ذهبت قضية اغتيال أمين عثمان إلى قاضي الإحالة، ورُفِعت عنها السرية ليتداولها المحامون،
"يروي السادات أن الشيخ حسن البنا اتصل بشقيقه، وأخبره أن جماعة الإخوان المسلمين خصصت مبلغ عشرة جنيهات شهرياً لمساعدة أسرة السادات"
الذين وجدوا أن السادات قوّض أركان القضية بإنكاره وتكذيبه الآخرين، ولام المحامون موكليهم، لأنهم لم يفعلوا مثل السادات، وقالوا لهم حسب رواية السادات: "ليتكم استمعتم لنصائح السادات، إنه رجل، أما أنتم فمازلتم صبية صغارا" (كان عمر السادات وقتها 27 عاماً وكان المتهم رقم 7 في القضية). استمر نظر القضية فترة طويلة، بسبب طلبات المحامين للتأجيل، ليقضي السادات تلك الفترة في الزنزانة 54 منشغلاً في القراءة، قائلا إنه، وهو يتعرف على ذاته في الزنزانة، استطاع التخلص من أزمة عصبيةٍ لازمته زمناً طويلا، وساعده في التخلص منها مقال قرأه في مجلة "رايدرز دايجست" الأميركية الشهيرة. بالطبع، يصف السادات تلك الفترة في مذكراته بشكل ديني ملحمي، يتناسب مع صورة الرئيس المؤمن التي كان حريصاً عليها فيقول "في الزنزانة 54، تجردت من ذاتي، فنعمت بصداقة الله، وعَمُر قلبي بحبه، وأصبح ظله سبحانه وتعالي يحتويني. لقد اكتشفت ذاتي عن طريق الحب، وعندما أنكرت هذه الذات وأذبتها في ذات الكون، أصبح الحب الشمولي لمصر، للكون، للخالق عز وجل، هو المنطق الذي مارست منه، وما زلت، أمارس واجبي في الحياة. حتى الآن، وأنا رئيس جمهورية مصر".
استمرت محاكمة السادات حتى أغسطس/آب 1948، وبعد أن هرب حسين توفيق بشكل غامض، صدر الحكم عليه بالسجن عشر سنوات غيابياً، في حين حصل السادات على البراءة. وهنا يلقي هيكل ظلالاً كثيرة على ما حدث، مؤكداً أن اتصال السادات بحسين توفيق كان، منذ البداية، مرتبا له، وأن لقاء السادات بحسين توفيق لم يكن بين زعيم تنظيم، هو السادات، وراغب في الانضمام إليه هو حسين، كما روى السادات، بل كان العكس هو الصحيح، كما أن التقارير التي سجلت نشاط الحرس الحديدي، والتي خرجت إلى النور بعد الثورة، تكشف أن السادات تم إخراجه من السجن تسللاً في إبريل/ نيسان 1948، بمعونة من القصر وتنظيمه السري، ليشترك في محاولة اغتيال النحاس، ثم يعود إلى السجن تسللاً، واشترك معه في المحاولة الضابطان عبد الرؤوف نور الدين وحسن فهمي، في سيارة تكفلت بتدبيرها إدارة إطفاء الحرائق في القصر الملكي، وبعد أن فشلت المحاولة، تكرّرت، مرة أخرى، بوضع سيارة متفجرة تحت منزل النحاس، وهي محاولة اشترك فيها السادات مع مصطفى كمال صدقي هذه المرة.
يصف هيكل محاكمة السادات في قضية أمين عثمان بأنها كانت أشبه ما تكون بأوبريت هزلي، قائلا ".. والغريب فيها أن ممثل الادعاء قام، في الواقع، بالدور الأساسي في الدفاع، وقد كوفئ على ذلك فيما بعد، حين عينه السادات في منصب اخترعه بنفسه، وهو منصب المدعي الاشتراكي. أما كبير القضاة الذي حكم ببراءة السادات، فقد حصل على أعلى وسام مصري، وهو وشاح النيل، وحسين توفيق الذي حكم عليه بالسجن 15 عاماً، وليس 10 أعوام كما ذكر السادات، فقد رتب القصر عملية هروبه من السجن، وتولي تهريبه إلى سورية، وسط حملة إعلامية قادتها صحافة القصر، راحت تصوره على أنه بطل شعبي".
ومن تصاريف الأقدار، أنه بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على قضية اغتيال أمين عثمان، جاء عبد الحليم رمضان، محامي خالد الإسلامبولي، ليقول بالنص في مرافعته المدوية أمام المحكمة التي نظرت قضية قتل السادات، إن "هناك أوجه تشابه بين السادات وبيجين، فكلاهما إرهابي، وقد بدأ السادات حياته بالتجسس لحساب النازي، ثم جند نفسه في خدمة الحرس الحديدي للملك فاروق، كقاتل محترف مأجور، يتقاضى عن رأس القتيل من أعداء الملك مبلغ ألف جنيه مصري، بشهادة حسين توفيق عليه في قضية الاغتيالات الكبرى. وقد اعترف بسلوكياته الإرهابية في كتابه "البحث عن الذات"، حتى في تعامله مع الأستاذ محمد كامل القاويش، وكيل النيابة ومأمور سجن مصر، عندما كان يدعي عليهما بالباطل تعذيبه وإكراهه، وقد كانت هذه السلوكيات الإرهابية هي الحاكمة في نظام حكمه الذي قام على الإرهاب الفكري والمادي لمعارضيه".
لكن، هل كان يمكن للسادات أن يتخيل أنه سيشرب من الكأس نفسها التي حاول أن يسقيها لمصطفى النحاس، وأنه سيجد من يعتبر مواقفه السياسية سبباً كافياً لقتله، كما فعل مع أمين عثمان، وهل كان سيتراجع عن طريقه، لو كان قد تخيل ذلك، لا أظن، فهو أنور السادات.
يوم الأحد، نواصل استعراض رحلة السادات السياسية، ولكن بعد ثورة يوليو، حيث عاش معززاً مكرماً، في ظلال عبد الناصر.
 
 

العربي الجديد فى 
٢٥ ديسمبر ٢٠١٥

التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.