الرئيسية » , , » منذر مصري يكتب*: أنا أبو غاندي.. لا أستطيع قتل طفل

منذر مصري يكتب*: أنا أبو غاندي.. لا أستطيع قتل طفل

Written By Unknown on السبت، 7 نوفمبر 2015 | 7:47 ص


 
منذر مصري - "دمار وخراب الحجر قابل لإعادة الإعمار.. ولكن ماذا عن دمار وخراب النفس"
منذر مصري يكتب*: أنا أبو غاندي.. لا أستطيع قتل طفل


حتى أشد السوريين تشاؤماً، أشدهم سوداوية، غربان المقابر، بوم الخرائب، من كانوا يصيحون، وكأنهم يرون رؤية: (انتبهوا.. كل جرح في سوريا يؤدي إلى غرغرينا)، (احذروا.. ثورة في سوريا، تعني: سيصل الدم إلى الركب)، الهلعون، المرعوبون، أولئك الذين ارتعدت مفاصلهم، عند سماعهم أول هتاف تبعته أول طلقة رصاص، ما كان في استطاعتهم أن يتخيلوا أن يصل الدمار والخراب في سوريا إلى هذا المستوى.

فرغم هول هذه الرؤى، لم تكن أكثر من تعابير وكلمات، أمّا ما شاهدوه بعد ذلك بأمّ أعينهم، فهو من لحم ودم.. وموت. ولا داعي لإيراد الأرقام عن تعداد الرجال والنساء والأطفال، الذين ماتوا وتشردوا، والمدن والبيوت التي تهدمت ونهبت. ليس فقط لفظاعة هذه الأرقام، ولا لكونها تزداد فظاعة كل يوم. ولا أيضاً لأن جميع السوريين يعرفونها، لدرجة أنهم ماعادوا كثيراً يلتفتون إليها، حفاظاً على سلامتهم العقلية والنفسية، وقدرتهم على الاستمرار في العيش، أكانوا يحيون داخل سوريا، أم خارجها. فالسوري اليوم، أينما مضى، وأينما حطّ به قدره، لا يعدو عن كونه ابن مأساة، وعن كونه يحمل وصمة سوريا.. مثلث صغير مضطرب الحدود، غير متساوي الأضلاع، يفيض دماً.

عن أي سلامة عقلية ونفسية أتحدث!؟ وقد قلت للتو، إن كل سوري يحمل وصمة سوريا، وهي بالتأكيد ليست علامة قابلة للمسح، على الصدر، أو الكتف، أو الجبين، بل إنها حرف قرمزي محفور بالكيّ في الداخل، في القلب، في الروح.

فدمار وخراب الحجر قابل لإعادة الإعمار، بالمال، والجهد، والزمن. ولكن ماذا عن دمار وخراب النفس، دمار وخراب الإنسان؟ هل وصل دمار وخراب الإنسان السوري إلى الحد الذي لا أمل بإصلاحه؟!

كثيراً ما صدمني، قبل 2011/03/15 ، بزمن، جهل السوريين ببعضهم، وتصديق كل طرف عن الطرف الآخر المختلف عنه في العقيدة أو المذهب، بأفكار لا تقارب الحقيقة ولا الواقع بشيء. قصص وأحكام نقلوها عن آبائهم، الذين نقلوها بدورهم عن أجدادهم، كموروثات شعبية، يختلط فيها الواقع والخيال. أفكار تخالف الطبيعة الإنسانية نفسها. فكيف، وبعد أن راح سوريون يتهمون سوريين، أخوة يتهمون أخوتهم، بقتلهم لأهلهم وأطفالهم؟

أتحدث عمّا يتبادله السوريون اليوم من اتهامات بالخيانة والعمالة والكفر والزندقة، وما يطلقوه على بعضهم من ألقاب: (شبيحة، دبيحة، إرهابيون، تكفيريون، قتلة الحسين.. ) ووصف كل طرف لقتلى الطرف الآخر، بالجيف: (قتلانا شهداء أبرار، وقتلاهم جيف منتنة)، والفطايس: (فطايس الجيش السوري، فطايس الجيش الحر، فطايس حلب، فطايس النصيرية).

أتحدث كيف صار كل طرف، مع استثناء بعض الأفراد، لا يقر بإنسانية الطرف الآخر، لا يصدق بأنه إنسان مثله، إذا مات، يحزن ويبكي عليه أبوه وأمه وأخوته، وتترمل زوجته، ويتيتم أطفاله. بل لا يصدق أنه يمتلك مشاعر أبوة وأمومة أو أخوة، ويجزم بأنه لا يعرف شفقة، ولا رحمة. والمأساة في هذه الحالة، أن هذا الطرف أو ذاك، وهو ينزع صفة الإنسانية عن أخيه، إنما ينزعها عن نفسه أيضاً.

ولكن بالمقابل، هناك سوريون لا يعتبرون كل هذا أكثر من مرض أصابهم، سوف يشفون منه قريباً، لا ريب.

سوريون يراهنون على معرفتهم بطبيعة السوريين أهلهم وشعبهم، كيف أنهم في كل منعطف من تاريخهم، في جميع الأزمنة الصعبة التي مروا بها، أظهروا غفراناً وتسامحاً مشهوداً فيما بينهم، وحتى مع خصومهم، أنظروا، مثلاً، إلى علاقتهم بالأتراك والفرنسيين، من استعمروهم وحاربوهم، هذا التسامح الذي لولاه لما أتيح لهذا الخليط العجيب من القوميات والأديان والمذاهب أن تحيا في سوريا وتستمر. إيمانهم العميق بالحياة ذاتها، بأنها لابد وستعمل عملها في تضميد جراحهم، والنهوض بهم نحو المستقبل المشرق.

 

في (فشيفش) الشاطئ الشعبي، المحصور بين مجرور مدينة اللاذقية الجنوبي وصخرة الانتحار، الحيز البحري الوحيد المتبقي لي وأمثالي للسباحة والتشمس على صخوره ورماله. لا يعرف (الفشيفشيون) بعضهم إلاّ بألقابهم: (أبو ربيع، أبو محمد، أبو حسين، أبو علي.... أبو غاندي!؟). لم أفاجأ كثيراً بتسمية إنسان بسيط غير متعلم ابنه البكر: (غاندي). لدي أنا شخصياً قريبان بهذا الاسم، أحدهما خالي غاندي نحلوس، أسماه به، منذ 85 سنة، جدي (محمد صائب نحلوس) تيمناً ببطله السلمي: (مهاتما غاندي). ما فاجأني هو (أبو غاندي) نفسه، الأب لأربعة شبان، غادر اثنان إلى لبنان، وثالث إلى تركيا، لا يصله منهم خبر، والرابع جندي في الجيش السوري، وهذا الحوار الذي سمعته يدور أمامي. يسأله (أبو مصطفى): "أبو غاندي، هل تستطيع أن تقتل طفلاً؟". يجيب أبو غاندي مباشرة: "أكيد لا أستطيع". يعود أبو مصطفى ويسأله: "حتى ولو كان أبوه قاتلاً؟" يجيب أبو غاندي: (حتى لو..). لا يكتفي أبو مصطفى فيعود ويسأل: "حتى لو كان أبوه قتل طفلك؟" يجيب أبو غاندي بعد تردد: "حتى لو.. ما ذنب الطفل!؟" يصر أبو مصطفى على متابعة استجوابه:"وحتى لو كان أبوه.....؟" لا يدعه أبو إيهاب يكمل: "حتى لو..حتى لو..أنا يا أخي، مهما كانت الظروف، لا أستطيع قتل طفل".

المصدر | هنا صوتك


التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.