الرئيسية » » عدسة مكبرة | أحمد الملا

عدسة مكبرة | أحمد الملا

Written By Hesham Alsabahi on الاثنين، 23 نوفمبر 2015 | 6:12 ص


عدسة مكبرة
تعجلنا الحياة
يوم كنا صغارها
وصار لكل منا عدسة مكبرة 
مثلما وصفها كتاب العلوم المدرسي،
حملناها 
وقسنا من خلالها الكون.

أول ما رأيت 
أبي .. طويلا وشاهقا
وتأكد لي أنه قادر على فعل ما يعجز الرجال
أفعال لا يقوى غيره فعلها
كأن يمسح على رأس النخلة العجوز مثلا 
ويناولني تمرها
بيسر....
ما أسميه الآن معجزة فيزيائية.

وأمي لم تخرج من المطبخ أبدا 
كنت أراها بثوب مشجّر وشال أسود يلف رأسها
تحرك ملعقة في قدر ضخم، يكفي العالم اللحوح بصحنه خلفها.

كبرت قليلا 
صغرت العدسة وصارت منظارا يقرب ما أشاء
الجار الغامض يقف في حوش بيته 
أطل من فوق الطين أقربه من زجاج العدسة حتى يكاد يغدو عملاقا محبوسا في القصص المصورة.

أجلس في الصف الرابع بمدرسة الفتح قرب النافذة 
أرقب السجن ويرقبني 
بعدستي أجره
أجر قصر إبراهيم 
القلعة العثمانية وأرى ملامحه الواجمة من أعلى كوة في السور وجه سجين مؤبد يقضي نهاره مطلا على مدرسة أطفال 
ويوم افتقدته صباحا لازمني فضول لم ينقطع إلا في عصر يوم بارد
حيث صدفة عبرت السوق 
أدخلت رأسي بين أجساد متراصة عند دوار البلدية.. ولكي أختفي عنهم 
وضعت العدسة فانفتح الحشد فجأة صرت في حلقة مفرغة محاطة بالرجال وفي وسطها يركع سجين القلعة بوجه شاحب يشخل بالعرق ولمعة طويلة معقوفة تقيس المسافة بين رقبته والسماء 
لاحقا قيل أنه دفن بلاقبر معلوم 
بلاغسل 
ولاحقا أيضا عرفت وظيفة السياف.

كبرت أكثر ومع العدسة في سطح البيت تآمرنا على الشمس واتهمناها بحريق فراش الأب القطني.
العقاب نزعها من يدي المحروقة 
ودفنها النسيان
كي أدوسها حافيا كلما هب التذكر.

كبرت وكنت في طائرة تخترق سماء الأربعين ضاعت الحروف فجأة من الكتاب 
اشتريت من المضيفة نظارة القراءة الأولى
وتعاميت عن لمعة في كفي أثارت ريبة الراكب المجاور ولم أعرف كيف أشرح له سر 
عدسة الطفولة المكبرة.

تلك العدسة الخارقة التي رافقت طفولتي
لم أكن أملك ما يطابق صورتها في كتاب العلوم تماما
ابتدعت قعرا زجاجيا لقارورة كوكاكولا بعد كسرها على عتبة المسجد وسحكها في الجدار هاربا في الضحك من المؤذن العجوز.

أهذا ما يجعلني الآن عَطِشاً 
وحين أرفع الماء لا أجرؤ على النظر في قاع الكأس أبدا.
التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.