الرئيسية » , » عبد القادر الجنابي | اِنحتْني في الضوء لكي لا تُصاب لُغتي بالدوار| العدد السادس والسبعون | سلسلة كتاب الشعر

عبد القادر الجنابي | اِنحتْني في الضوء لكي لا تُصاب لُغتي بالدوار| العدد السادس والسبعون | سلسلة كتاب الشعر

Written By هشام الصباحي on الأحد، 22 نوفمبر 2015 | 12:36 م



عبد القادر الجنابي

اِنحتْني في الضوء لكي لا تُصاب لُغتي بالدوار
قصائد جديدة، بشكل قاطع






الغاوون












من الآنَ فصاعدا: خُوَذٌ وهضبةٌ من الأحلام،
ليل مصاب بضربة شمس

كـُلْ من عُشبِ الكلمات؛
هيولى الرؤيا
واشرب من مجرى الأصوات
فكلُّ مصابيح العالمْ
لايمْـكـُنها
تنوير مكانٍ
تسكـُنهُ العزلةْ








الموت يتضوّع فيك

من أي عشبة جِئتَ
وفي أي نُصب ستحفرُ اسمك؟
كم أنت تبكي الآنَ
في صميم الأيّام
مخدوعٌ في بيتكَ
وفي خارجِه مهزومٌ
مستورٌ في ظلمتك
وبداخلك مشحونٌ
خطيئتُكَ أمرٌ لا مفرّ منه،
فضاؤكَ يطوي أشرعتَهُ...
القمر يشي بك...
التراب وحدَه يفهمك
قروناً طويلة
أزمنةً بلا لون
اترك وصيَّتك حيث تشاء المياه
فما بينك والنجوم
سوى ومضة فكر
وها أنت مجرَّد شبح يبحث عن أشباح
فلا الشمس تنزف نورها في عينيك
ولا الحجر يفرغ إشراقه
في المحجر
فقط الرمل يهيل سطوعه
في مسارب الريح
في المراثي التي تنتظرك
أسفل النوم
هذه هي أبديّتك
لسانٌ مقطوع
في رسالة الصحراء الشفوية
وهذا هو تاريخُك
يرميك في مزبلتِهِ
وينتحرْ
وعندما ينام ليلُ الله
ويصحو السحاب
سيكون لك عهد مع الشظية
أنْ تنزل منجم النور
وتترك الغمر يسيل في مشهد الخراب
وإذا ثمّة برد،
فالحرب معطفُك!
وعلى قبرِك
ستتفتّح الزهرة.















نَمْ الآنَ، بلدُكَ في انتظار المطر

احملْ ذاكرتك إلى العراء
واترك الدم الفائر في الأعماق
يسيل في مشهد الظلام

فلا هذا
ولا ذاك
بشاهدٍ.

اِنطَفئْ لكي تشتعل غداً
في حقل الكلمات،
ما وراء المنظر
حيث السباحة ضد التيّار

حيث ما من فاصلة
بين الأفق والمسافة...

وهناك
فقط هناك،
افتحْ تاريخك
وذر الطيور الآتية من بعيد
تبني أعشاشَها فيه.

فالأفق هنا
يريدك أن تسهر على الموتى،
وأن يتطاير فكرُك
بين القذيفة والجناح...
أنْ تصمتَ وهم يتكلمون
أن تصغي وأنت تتكلم...
ربما تعرفُ مَنْ تحتك
لكنك لا تعرف مَنْ فوقك!
ماذا أعطوك حين جئت إلى العالم
لا شيء
سوى غرائز،
عيون
وأقدام تقطع بها الأرض...
كم من فجر بارد تركوك فيه ملبّدا بالضباب
فيما السماء كانت تتشظّى فوقهم نجوماً.
لا تبحث عن الحقيقة
خذها من فم الحصان
لا تدوّن حياتَكَ على الورق
اكتبْها...
لا تتوهّج إلاّ في ظلمتِكَ
لا تلتفت لظل يريد أن يحميك
فكلُّ شيء دبَّ فيه نومٌ فاسد:
الملعب، الطريق وسكك الضوء التي تمشي فوقها.
في غموض هذا الفيضان الأزرق
متهاد هو مصيرك،
حيث القصفُ أنْ يوقظَ الجرحَ
أنْ يولدَ فيك عالمٌ: نافذتُكَ
لكي تفتحها للغريب...

لكي تجعل هذا الهاجعَ فيكَ
يتكلّم
يضجُّ مثل مدينة.

أنِلْه خريطتهُ، حدودهُ
ومبانيه،
شوارعه ومقاهيه...
أنِلْه شمسَهُ الضائعة،
وروحُكَ ستطفو
في ينابيع الشّعاع.


ليلا، استسلمتِ النّجوم للظلام...
فتَمَكّنَ كل شيء منّا


1
ماذا يحمل الغد
سوى نُدبةٍ
بلا أهداب
سوى رحلة
بلا ناس
سوى هذا الشيء
الذي
غالباً
ما يَهربُ
ويتركُ
علامات
لا ملجأَ في ظلها
سوى ثُقبةٍ
نُطلُّ منها
ماضياً
في جدائلَ لغويةٍ جديدةٍ

ماذا يَحملُ الغدُ
سوى عشبٍ
ينتهي دائما قشّاً
سوى غبارٍ أصفرَ
فوق أفكارٍ رطبةٍ
وجسدٍ
ينمو
في أنوار أخرى.

2
كلُّ شيء يُصرُّكَ على البكاء
الشارع
البيت
الناس
كلُّ شيء
إلا هذه الساعة الكبيرة
في برج الساحة
دقاتها تُشيع الفرح فيك
تأخذك
إلى تلك السنوات
إلى تلك الساقية
إلى الأشياء التي كنت تنام فوقها
إلى الشَعر الذي كنت تداعبه
والوجه الذي تقبِّله
كلُّ شيء
الا هذا الفائر في ذكرياتك
تراهُ يتحرّكَ أمامك
وأنت نائم.

3
كل ما يسقط
هو لدْنُكِ
من البياضِ
الباهتِ
إلى فلّين
الليل
من شهقةِ الاكتساح
إلى
زرقة الحبرِ
الذي
يفتحُ
أدراجَ النهار الضاحكة

كلُّ
ما يسقطُ
منكِ

دبابيسٌ
في سلة
الندى

ضوء صغير
يُرجّي العيون
لإنقاذ المفقود.

4
بين الفضاء
ولُحاء الشجر
تموتُ وحيدةً
الطيورُ

ينفجرُ رفيفُها
في عينِ الملاك
النائم
طويلا

في فمِ
الجحيم

في كهف
العفن.














إلى الخافت فينا
كتبت 17 سبتمبر 2001، ونشرت في الحياة اللندنية يوم 19 سبتمبر 2001

حدِّدْ الضربة، في مكان ما
بين موجٍ مُلتطِم
وبَرقٍ يَمتحنُ باطنَكَ.
تاريخٌ ثمّة يموتُ تحت الصفصاف
تتعقبه الذكريات.
خط الأفق يباغتُ طفولتَه،
يجعلها تلمع في ذرى الأعوام.
لا شيءَ يأتي مع الشّمس.
الكائنات كنبات الفِطر مرئية من أبعد نجمة،
من أبعد ضربة.
الإرهابيون براعم تتلاشى مع تفتُّح الزهرة!
اتركْ القصيدة نائمةً في بئر،
اسردْ لنا ما ينطوي عليه النسيان.
الكلمات بقايا حياة ولّت.
ما جدوى دفتركَ؟
أنتَ، الآنَ، بأجنحةٍ منثورة
تتمزَّقُ في الآصال، رملاً بلا وميض.
تذكّر هذا: إنك ميتٌ، مرَّ عليك قرنٌ،
وهذا آخرُ يمرٌّ. لكن
قد تصحو فيه طفولتك،
متألقةً في ضوء أوّل كوارثِه،
بين طيّات الرياح؛ فوقَ أعشابِه اللامعة.

النهضة ساعةٌ متأخرةٌ
من الليل!
اهربْ! الشبكة مفعمة بالمعلومات.
اخرجْ إلى دنيا الحصاد
حيث نظرتك خيال مكين.
وفّر عليك دموعك.
الوقت قصيرٌ في سالف الأيام.
انتشلِ الحربَ
من بُركِها المزوّقة بالأزهار والنُّجوم.

اِمتلكْها! فلها أردافٌ جميلة،
شعرٌ أشقر
وعينٌ زرقاء ترسل إشعاعات.
ضاجعها، ذرها تنتشي حد أن تبول دما
إذا أردت صداقة الجميع!
فالحياة حيوانٌ أليف!
















وأخيرا، كانَ الهُدوء

اِذهب عنّا أيّها الشاعر
 اترك أوزانَك تنغّم زمناً غيرَ زمنِنا.

تألّق بنارٍ تطفو في المَنبع
 "اقفل بابَك وتوحّد بين الكلمات والكلمات"،
 وصحوُ العالم سوف يُنيرُ الطريق.

الربيعُ الموعود أصيبَ بنوبةِ بردٍ
 رياحُه تَخرجُ من رئةٍ عليلة...

"لا شيءَ الآن يُذبَح بنظافة
 بل يُترك للعَفَن".
 والمعاني كالماء لا شكلَ لها
 إلا عندما يُقلقُها حجرٌ عابر،
 صفات لا تَتغيّر لكلمات تتنكّرُ
جيلا بَعدَ جيل.

لا أسماءَ جديدةً
 فلكلِّ اسمٍ شرايين
 يزفرُ منها كالضفدع
القيلَ والقال.

ولا زواجَ بين الأفكار
 فالفكرةُ تعيشُ في الظلال
 كالحظ السيئ
 تنسجُ حولَها الأوهام،
 تجدُ حلا لمعضلة شكسبير:
 أن تكونَ أو لا تكون...
                         لا تكنْ!

بدايةُ الحياة هي الموت
 ونهايتُها شيءٌ آخر،
 أشرطةٌ بيضاء.

العقلُ - قمراً يذوب كشمعةٍ –
يُحرق البخورَ في السرداب
والظلمةُ نائمةٌ في الفراش.

رأسُكُ عشٌّ ناعم
 أيُّها السيّد المَوت.

هناك من يطرق الباب،
 يفلحُ الأرضَ في الجوار الذي يغلي،
 يبكي الورقةَ والبرعمَ والزهرة
 ويصبو لأمورٍ جليلة.

ها هو الليلُ
يعدو عاريا
وعيناه تدوران
في انتظار المطر.

لا حيلةَ لنا إلا أنْ نلجأ
إلى مياه السماء.

فالتاريخُ اغتصبَ مَلحمتَنا  
عيونُنا الزائغة زجّجها المِثال.
 لم نعد نرى من خلفنا سوى الأمواج
تُعير أذناً صمّاء
         لما ينبغي أن نكون.


















في دفترك، العام الماضي


ألَمْ يَئنْ لكَ
أن تحومَ حول البيت
في ساعة متأخرة
أن تلقيَ بظلكَ
إلى قطط الليل
أن تنامَ بمنأى عنهم
في حلقوم اله...
لا زادَ لك سوى تفاحةٍ
وهواء.






مستقبل
ما إن يموت الماضي غرقاً
في مياه الذكريات،
حتى يستولي الحاضر على ملكِ يمينه.













الثابت

العمر يتصدع
في الأنهار،
في التضاريس الساحرة
ويتأصل
في الزجاج.










ليل أشقر

القبور تتفتّح،
النبات يتنفس هواء العالم
القمرُ
يضيءُ القتلة
إلى الضحية.











نحن الشعراءُ الذعرُ وصيـّـتـنا

ذعرٌ تحتَ المكتوب،
كليمٌ نحيا بهْ
الذّعرُ الكامنُ فينا

يُوجَدُ حيث نـَفيضُ
هوَ الـ"نحن" الآخرْ

إنْ نكتـُبَ يلـْمَسُنا
يصّاعَدُ موسيقا
من كلّ مكانٍ يسطعُ
        إذ هوَ ظلُّ الأنْتَ – أنا

أشباحٌ تـُبْعَثُ منْ بين الكلمات
تـُكلـّمنا!

الذعرُ يقولُ:
كما تـَنظـُرْ، أُكتـُبْ
فترى في آنٍ
السّامي والضدَّ،
وعندئذٍ تـتعلـّم
أنّ صراخَ العينِ أُفـُقْ!










الغابة مفتوحة

طيرٌ جارح
يحملُ الفراءَ والريش
إلى شجرةٍ بعيدة
عينُه تلمعُ
الأغصانُ تتنفس
تحت قوسها
طيرٌ جارح
يقضمُ في أمعائه
فِراخَ المنظر
لا أحدَ يراه
سوى الصمت الممتد كالمجداف
في نهرٍ من الأحياء.






المساومة

باسم اللّيل
والجوع والأمل
باسم المكان والمبدأ
باسم كلّ مَن مات
دون الأربعين
باسم الحدود
وهذه الأسلاك الشائكة في اللّحم
باسم الحلم الذي تجلّى
عندما كانت الأرض.
بين هدير الوقت
وطلقات المخيّم
بين ثمار الصيف
وانفراط الشتاء
بين ملاحم القرار
وحدقة التطبيع
للموت أيضا مَرفَعهُ:
شوارعُ مشتعلة
كُرْمانَ شعراء
يهدرُ بهم الانحلال.

وظيفة الأمل

شيءٌ ما، مَرةً،
يؤرْجِحُه الأمَل
تُسامِحُهُ الأرضُ
فَيَرفَعُ إليها
عَيْنيه
يَستَنْشِقُ بُثورَ سُرَّتها
يَقْطَعُ كُلَّ هذه الدُّروبِ الموُحِلَةِ
شيء...ٌ
مَرةً...،

وها أنَّ لُغَةً
أُخرى
تَـظفُرُ بكلِّ هذا الذي
لَمْ يُلْفَظْ
بَعدَ انصِهارِ الأسوارْ.


الكتابة مطلقا
إلى رؤوبين سنير

الفجرُ واقفٌ فوق الجبل.
أشبه بدجاجةٍ، ينتفشُ ريشُ الليل والبُومة تفتحُ عينيها.
لن ينتظرنا أحدٌ. فنحن كالشيوخ الحكماء شاخصي البصر في قرى الجواب إلى نجم سُرعان ما يغيب. نتحدّث إلى أنفسنا بذهن صاف. لبياض أعيننا صرخةٌ عشواء ضد بياض الأرض. الغدُ يطرقُ مسامعنا متهدّلاً وكأنّه لسانٌ جسيم يخرج من حلق الأفق.
لا أحد سوانا. النافذة مُلطّخة بالغبش. من محلول المشابهة ظلٌّ يسهر للحراسة.
نُساري أبراجاً بعيدة ً تتعاقبُ بانتظام، ننهش في جسد الظلام حتّى يداهمنا مطرٌ شديد ما يجعل الصمتَ يحمل مظلّته ويمضي إلى شقة القول. وفجأة ينشقُّ القمرُ، فتشرب السماءُ من ماء كلِّ ما أسودّ باصقةً إيّاه في مجاري الكلام.






"بيت الكائن"
إلى امير اور

وحيدٌ في السهل، قرميديُّ اللون. مُسيَّج بملتويات الحواس، الضباب والظلال المائلة عند مدرج الألفاظ. غرفه متلاصقة واحدة بالأخرى. تسيرُ الأفكارُ وحائطه، تتجاسد وإيّاه بسخامها الحلمي في صالة الاعجاز.
كم هو غريبٌ غناءُ الداخل!
                  هذه المنائرُ،
                            الجوهرُ،
                                وهذا الطائر.
ثابتٌ كالذكرى. وحيدٌ في السهل يُضيئه النّجمُ الصامتُ وعيناه تحدّقان في كل بهائم الأرض.





الوقت غير مناسب للانتحار
الشرفة عالية
الهواء ملوّث
ومجرى الموت
يكرهُ الطشيش.
اِنزل حافيَ القدمين
وسوسنُه يدحرجك
إلى أقصى التخوم.










الطيف العائد

شاعرٌ آخرُ غَلِق رَهْنُه
رحلَ إلى أرضِ القصيدة
التي لم نرَها
كان قد أشارَ إليها
هنا وهناك                 
بجُملٍ مُبْهَمة...
كان يعمل عليها سرّاً
 ليلَ نهارْ.
وفجأةً سمِعنا، 
أنَّه قد أوشكَ أنْ يُكملها
بحيثُ هبَّ يطيرُ فَرَحاً
يطيرُ، 
يطيرُ نحو العُلا،
حتى ارتطم بالمُطلَق
فسقَطَ جثةً هامدة
كطيرٍ أصابَه صيّاد.       

من يدري!
ربّما هو الآنَ في أرضِها.

إلا أنّ الشاعر - حين يموت -
عليه الانتظار طويلا
لكي يدخل أرضَ القصيدة؛
القصيدة التي كان قد وعَدنا بها
لكنَّهُ غَرّنا بالأماني.







عهد

الكلمات وأنا
كلٌّ يتشبّثُ بسراب
هي بمكانٍ في الشمس
وأنا برقادٍ في سحب النسيان
كلانا يتدفقُ
يصبُّ في المنبع
أنا إلى منضدة الشهود
وهي إلى منزلٍ شاهق
فوق البحر
الكلمات وأنا
على موعدٍ ملءَ الزمن
في عينٍ جاحظة
بين السطور.




ومضة

ألَمْ يَئنْ لكَ
أن تحومَ حول البيت
في ساعة متأخرة
أن تلقيَ بظلكَ
إلى قطط الليل
أن تنامَ بمنأى عنهم
في حلقوم اله...
لا زادَ لك سوى تفاحةٍ
وهواء.








حيث تشرب الألفاظ

"اعطِ اللغة
           عيونـًا"،
الأفقَ والمرآة
كي تـَـقيس النشيد،
البرقَ الذي نصافح،
فالموج في هوّة عظمى من البياضات.

دَعـْها تـُراقبِ الصّمت
كما الفكرُ يُصغي
للمُطلقِ الهاذي...
كما الرؤيا تـَـنـزّ عن
مجهولِ الوصال.

اِعطِ اللغة
ذراعا طويلة
كي تنتشل
من مصرع النوايا نجمًا هوى.
يكُنْ في التناهي للشعر
حياتان.











التـّنحّـي المـُطـْلـَق

حِدْ عمّا لا يُـذكي ناراً.
الموتُ يسيرُ كفاصلةٍ ظِمْءَ الكلمات.
اِجلسْ بتراخٍ خلف الضَوءْ!
لا تقف فوق القمّةْ!
لا تكـُنْ جَرْس القريةْ!
أو لسانـًا للأخرسْ.

كـُنْ أنتَ، تكنْ عَـدَما.
كـُنْ آخرَ...
للأوراق يكـُنْ أسنانٌ.
كـُنْ... ما لم يبدأ، ليلا،
في الشاسعِ من موتٍ يُحيي!

صه إذًا، احلمْ،
اُغـرُب عن وجه الكـل.
لكنْ...
لا تـَلعن،
لا تـَنشـُج.
صالـِحْ نفـْسَـكْ
يمهرْكَ الكلام.











فضاء آخر

لو مـَزّقَ الشعراءُ ما كـتبوا (خَـوىً)
لو أُعْطيَتْ لهمُ
            دراهمهمْ وولّوا
تاركين الحبرَ والورقا
لعُميان البَشَرْ.

لو أفصحوا ما في الكتابة
ليس بالكلماتِ
بل بما يـُلامـِسُنا
لرجّ الذاكرةْ،
             مَـسْـكِ الطريدةِ والصـُوَرْ

لـَـتراءتِ الأبـياتُ عالمًـا
قصائدهُ بشرْ،
ونهارهُا
      ليلٌ
          وليلهتها
                 نهارْ..

هو عالمٌ
      لا أبجديـّةَ تحتويه
               ولا كـتابَ يضمُّهُ
                       إلا يدٌ ممدودةٌ

وخطوطـُها كخرائطِ الشعراءِ
أين تصادفوا
فيكونُ بَدءٌ للحَـجَـرْ!

ولكان عالمُنا رَأى
كـَلِـمًـا يلامسهُ الشُعاعُ...
وها الأثرْ

تأهب

خذ أضواء الصباح،
ضعها على المنضدة
ظلالها الحمراء
نصف النائمة،
في الساعات المظلمة،
تحرّكها الريح
نهاية اليوم
على الحافة،

الدمعةُ في العشب
مقطعٌ بين الأسنان
ابكِ على الظلمة المتراكمة
في فضاء السكون
الأرضُ النامية جمالا للجميع
تبتعد بهدوء
تخلد إلى النوم
في غابة الآباء الغريبة
هاكَ الليلَ آنيةَ زهورٍ
لنافذتكَ،
وسيكتب الحبرُ اسمكَ.














السقطة

عَن يَمينٍ
أو عن شَمالٍ
يُدوّم العالمُ
فوق مضجَعه البارد
بحثاً عن لُغةٍ جَرداء
يرى فيها سنواتَهُ الأرضيّة
كوكباً يَتذرّعُ بقوّةِ الإيمان
بالمَنظر السّاجي في صَحراء الأبديّة
وحين يسترعي الانتباه
من النهار
أو من الليل
عن يَمين
أو
عن شَمال
يهوى العالم
على الوجه الصَّحيح
في أزمنته الخاويّة.      













ضباب الصوت

تعلَّم كيف تتكلَّم بدون كلمات
كيف تصف ما حدث لك
ببياضٍ
اربط اللغة بسريرك
اغلق عليها الأبوابَ
لا تجعلها تهرب
إنها ماضيك،
كثبانك السائلة...
في هذا اللانهائي
يكمن صمتُك الجديد
من جسم هذا الموت
ينزلق الكلامُ ذهابا وإيابا...





أخر الخريف

العالم
يُشرق فوقك
اِنفجرْ في العشب
بين حصى الممرات
وعلى رصيف الدروب
وكلُّ ما يأتيك من الشمال
اتركه جانب السرير.
ستقاوم الكلمة صروفَ الإحساس
طالقةً الرؤية من قيد الإلهام.







تدرّجات

لا تُلقِ الضوء على الظلام
فليس له وجود
بل ألقِه على ظلّك الهاجع
فترى نِيرَ حياتِك

























وعليك الآن أن تنام لكي يدوم الحلم...


البحرُ على الشاشة
له رائحة الشوارع الأولى
رشيق، عديم الصوت، مسموع
كأفعى تزحف إلى البيت.
في شسوعه
تتلألأ دماملُ الشمس.









بردا وسلاما

الحرب
أواه
ما أحلاها
الحرب
وهي تنزع قنابلها
في غرفتك
تلعق ماضيك المنتصب
ناشرة القشعريرة في جسدك
وهي تبول دماً
فوق صدرك

الحرب
أواه
ما أحلاها
الحرب
تلمع في الظلام
وتعتم في عز النهار
وفي نسيمها
تحوم الآمال
الحربُ
ما أحلاها
عندما تجعل
من دمِكَ
حبراً
ومن تاريخك
أطلالا
تتأمّلها
من وراء نافذتك.










بلد لن أرى
(نشرت قبل حرب اسقاط نظام صدام بأسبوعين في "ملحق النهار الثقافي")
يَنبتُ في الرأسِ
تَتضخّمُ ملامِحُهُ
وكأنّهُ ضوءٌ عائمٌ في الأنهارِ
يحرسُه السَّوسنُ والرمادْ
يكبو ويَنهضُ في أقبيةِ ماضيهِ.
بَلدٌ جالسٌ على مَصْطَبةٍ
يَموءُ تحتها عالمٌ أتذكّرُهُ:
كنتُ أبحثُ عنهُ
فوق صواري السفرْ
في مدنِ القراءةْ
في مقاهي البعيدْ
بين الشراشِفِ والكراسي
يَطفو مع الليلِ
يُولَدُ مع النورْ
أشبَهُ بالأثيرْ
يتلاشى وضباب الفجرِ
في دياجير النظرْ.

بلدٌ يَموتُ في نَثرِه
في الحبرِ الذي أسالَهُ
لا وميضَ يناديهْ
لا أمٌ تبكيه
ولا قاربٌ له في أجِنْدةِ الماء.
بلدٌ...
أنْ يولَدَ
بالموت الذي فيه.











مآثر
ستروي الأوراقُ
نزولَكَ إلى الأرض
ستفتح الشمسُ
فجرَك المنتفش بالحركة
وتجري الرياحُ بأشرعتِك
إلى اللُّجّةُ الأولى
فيطوف بك البشر
حول الرخام الأبيض
وتجثوا النجومُ ببابك
وعندما تشربك المياهُ
في شفوف الليل الزرقاء
سيخلد الموتى إلى النوم
في قبرك المفتوح.






غداً، كان جيلي
إلى جان دمو الوحيد الذي يستحق ذكرى ما فات من لحظات

أين أنتِ يا سنواتي الأولى
سنوات الشارع والمقهى
سنوات النهار والمشي الطويل
في مجرى التمرُّدات دون وخز ضمير
أين أنت يا سنواتي الأولى
يا مدينتي المحمومة في فيضانات الذكرى
أين أنت في هذا الجدول المرسوم
كيف سأقدرُ على أن أكتب إليكِ
من الشرفة إلى المياه
أن أعود بكِ إلى مواسم أبعد من النهرَين
إلى مكتبات غليان الأرصفة
والصالات المكيـّفة بالهواء والمفاهيم.
آه يا سنواتي الأولى؛ سنوات مدينة
حيث كنا نشرب المستقبل بجرعات خائفة
مدينة يُصقل الآن وجهُها بالرصاص
كان يأتيها الضوء مع الغروب
فينشر فوق سطوحها الظلالَ والانعكاس
والسماءُ كانت تتشظـّى نجما يُشعِلُ الظلام
ونحن من مقهى إلى مقهى
كنا نبحث في جَنوب المعلوم
عن ضوء الشمال ونكتب الساعات
في دفاتر الغيب العتيقة
كنا نخترع نوافذَ يتسلّل منها الآخرُ إلى ما وراء السياج
ونحنُ إلى أمدائه لِهَـبّة هواء
أين هم، يا سنواتي المتنزّهة بين التواريخ، شعراءُ الراحة المؤقتة
الذين وعدوكِ بآثار الفجر والنعناع
وها هي نافورة نَصّهم
ماؤها إطناب وجمل مختنقة
يا الهي لو كانوا مرّة في سرير المجهول
لما ضنَّ الزمنُ علينا بجيل
وعلى نشيدهم بحرارة الدم.
آه يا سنوات السراب الأبيض
وطيف بِكْر البدايات
المدُّ يرتفعُ، والعواطفُ عارمةٌ
والمقاومة عمياء
وأنت غائرة في الخواطر
ماذا أصنع بذكرى
لا تستطيعُ أن تكون سوى ذكرى؟
ماذا أفعل بماض يخشى الولادات
حيّ فقط في أعماق الذين ماتوا!
ميّت في قعقعة الأحياء!














الموت في جنوب العزلة

إثر نبأ رحيل محمود البريكان
إلى الطرق الآخر من الذاكرة

كان عليك أن تدفع
بنفسك بعيداً
عن الصيف أو الشاشة
لم يكن أمامك مفرّ:
كطيور الأعشاش الأولى
بين الفروع العالية
كمنبت للدمع
كانت العزلة تتجمد مثل الدهان
نقطةً في فجوة متلألئة
يحتفظ بها الظلام
لم يكن أمامك مفرّ
الأبد لمحك
في صمت الاستلقاء على الأرض
فأضاءت لك عيناه مد البصر
حزينةٌ هي الظلال
"في بؤر الغياب النارية
تبحث وحدها في قمامة العتمة عن غبار النجوم
سنرفع النار
لإبقاء المطر على وتيرة
من أجل أن يتجوَّل جسمُك
طوالَ الأفق المختلط بالفوضى
فوق الحصى
ليس هناك شيء أكثر من ذلك

لم يبق شيء لرحيل السائر في نومه
سوى الأغشية الناعمة
التلويح بما يدور في الرأس
دم ولحم
طين ووحل
كاللّيل الدامس ستخرج التفاصيل من السيل
كم هي شفيفة جثة الشاعر
تسبح في نهر سكوتها الأبدي
تتأرجح في راحةٍ وهدوء
قصائدَ منفرجةً
في وهج الشمس
حيث الغيم يتبدَّد
وكأن السماء شراشف منثنية
لن يكون هناك إحساس
ولا سوف ولا نشاط...
العزلة
هذا الوقار القاسي
تشرح ألغاز الشرارة
فالأبدي رغبة
والجوع الروحي ظلام
والحركة الراقدة في المكان الأمين
مياه
يتوضأ بها
المخلوق والحجر.











بلدٌ بثياب النوم

عندما ينام ليلُ العراق
يتسكَّع الأملُ مع الشحَّاذين
وتباشير الحكايات تتراقص بيضاءَ
إنّه ليلُ المدنِ الشفيف
حافرُ الآبار والحنين
كلُّ شيءٍ مُضاء
كلُّ شيءٍ مُباح
كلُّ شيءٍ يبكي
لأنّ مَوتاً
تحت أوراقِ العالم
فوق هاماتِ البشر
يَتطايرُ في الهواء
بأخمصِ القارات.

عندما ينام ليلُ العراق
يطلع الفجرُ بَطيئاً في السماء
مثل غُصنٍ يَطُفُّ حائطَ الليل
في أرضٍ
تَهلِكُ فيها أشواطُ الرِّياح.

زمنٌ بلا أزمنة

أيّها الماضي
إنَّكَ لم تَمتْ
فكلّما أبتغي الانطلاقَ
في اللانهائي
أجدْكَ واقفاً أمام الباب
تطالب بأجرٍ
عن أداءٍ
في دقائق حياتي.

من قال لك أنَّ لي حنيناً – تأسفاً أو توجساً -
إلى زمنٍ ما...
إنُّه حنينُك أنت
أيُّها الماضي
حدْ عن طريقي
اتركْ الوقتَ يولدْ دوما
يبرقْ في اللا محدود
لا أريد آتياً أو غابرا
أنْ يشاركني مائدة الأوان.

حَنانَيْكَ! امضِ
لا مكانَ لك
في هذا الحاضر الوليد...
فلا شيءَ ثمَة
من قبلُ
ومن بعدِ
الآن.





قصيدة مؤمنة
اطوِ الـ
كتابَ
وافتحِ الـ
نوافذ.

العالم الآخر
يسقط فوق الأرض


















ثلاث قصائد تناصيّة مهداة إلى قرّاء أذكياء


"عندما تكون كلّ كلمة في موضعها،
تأخذ مكانها لتسند الأخريات،
فلا هي خجلى مترددة، ولا هي صخابة متبجحة
شائعة الاستعمال في الماضي والحاضر،
الكلمة العادية فيها دقيقة المعنى دون ابتذال
والكلمة العادية محددة المعنى دون حذلقة
وفي التركيب المتساوق ترقص سويا"










لا أريد أن أدلي بدلوي في موضوع التناص، فهو موضوع خاص بنقاد الشعر الذين، من بين ما يُشترط عليهم أن تكون لهم قراءة واسعة بالنتاج الشعري المتجانس مع القصيدة التي ينشئون منها نقدا، ناهيك عن أن مصطلح التناص بات في العربية تبريرا لنصوص مليئة بالانتحالات. أريد فقط أن أقول: إنّ كلَّ شاعرٍ لهو مسكون بما هو طاف في مياه ذاكرته: فقرات، أبيات، جُمل، حِكَم... سبق أن قرأها بإعجاب ومن ثم نامت فيه. وغالبا ما تستيقظ متسلّلةً صلبَ ما تنتجه قريحته هو. والأمانة تقتضي، في هذه الحال، أنْ يضعَ الكاتبُ بين هلالين مزدوجين كلَّ ما تسلّل أو ما تم الإعجاب به، كإشارة للقارئ الى أنه مُقتبس... وأن عدم الإشارة إلى مؤلفيها، ذلك لأنه لم تعد لها المعنى الذي قصد إليه أصحابُها. نعم، أعرف أن هناك من يفرح لهذا التسلل وكأنه نعمة نزلت من السماء على قريحته الجدباء؛ غير آبه أنه سيُتّهم بالسرقة، فالجميع، في نظره، يسرق. وبالفعل، هناك كم هائل من الذين، وبعضهم يعتبر أكبر شاعر عربي، يلطشون كل ما يقع تحت أعينهم وإذا أكتشف أمره يدعي أنه تناص...
المهم، عندما بدأتُ بكتابة قصيدة تتناول موضوع الشعراء أو الشعراء، هوجمتُ بأبيات عديدة كانت مخزونة في اللاوعي...، بل وجدتُ الغرفة التي أعمل فيها قد ازدحمت بشتى الشعراء، حتى أن بعضهم لم يجد كرسيا فظلَّ واقفاً مُحملقاً فيّ، والآخر يقرأ بصوتٍ عالٍ أفضلَ ما لديه من صور وإيقاعات. فامتلأت القمامةُ بكَمٍ كبير من الأبيات المرفوضة. اعتذرت من أغلب الشعراء، واتفقت فقط مع 13 شاعرا على أن أخذ منهم أبياتا مهيأة للاندماج إيقاعا ومعنى؛ جديرة بأن تكون لِبنةً ضرورية في مبنى القصيدة، أي أن لا تتمظهر كتضمين أو اقتباس أو معارضة، وإنما أن تغيب في ذاكرة جديدة مبتدئة ماضياً جديداً. ومجموع ما أخذت كان ما يقارب 30 بيتا، وجدتها مترجمة إلى العربية، نقّحت بعضها، وبعضها الآخر تركته كما هو رغم اعوجاج الترجمة، لأن طريقة ترجمته كانت تفي بالغرض إيقاعيا، ذلك لأني لم أخذها من أجل المعنى وإنما من أجل أن تساهم في تعزيز التدفق الإيقاعي المراد. ربما يكون بودلير أكثرهم انكشافا في القصيدة، فالأبيات الثلاثة التي أخذتها منه جد معروفة... لكن الأبيات الباقية؛ المستلة خارج السياق - المقصد الفاصل في مشروع كتّابها: ملتون، جون دن، تادئوس روزسفيتش، باوند، طاغور، تشيلي، سنغور، هارت كرين، دنيس ليفرتوف، أنا اخماتوفا، كارلوس وليامز، وستانلي كونيتز، هل يمكن تمييزها بسهولة؟ أين وُضِعت، في أي طابق من هذه القصيدة أو تلك؟ هذا أمر متروك للقارئ الذكي وللناقد النزيه النبيه، اكتشافه! وتجدر الإشارة هنا إلى أن مترجما انجليزيا اسمه الكسيس لوكيارد، قام بجهد جبار عندما ترجم "أناشيد مالدورو" و"أشعار" لوتريامون: فقد اكتشف كل الفقرات الأصلية التي اختطفها لوتريامون في كراسه "أشعار"، هل، يا ترى، لدينا نقاد على هذا المستوى؟ نقاد لهم قدرة على البحث وبذل الجهد اللازم... وبالتالي على التمييز بين ما يسمى بالتناص وما يسمى بالاختطاف Détournement الذي هو أسلوب سبق لكارل ماركس أن استخدمه وذلك بقلب هيغل على رأسه، مستعملاً الديالكتيك في دراسة التاريخ للكشف عن الطبيعة الإيديولوجية لمثاليّة هيغل. لكن لوتريامون هو أول من أستعمل الاختطاف تطبيقياً ودافع عنه، وخاصة في "أشعاره" حيث أخذ عدداً من الجُمل والحِكم المشهورة وغير المشهورة، فأجرى عليها تغييرات إما في مواقع بعض الكلمات أو في استبدال كلمة بكلمة أخرى. ناهيك عن أن اسمه لوتريامون Lautréamont هو تحريف لاسم لاتريومون Latréaumont بطل رواية يوجين سوي "أسرار باريس". أتكلم، هنا، عن الاختطاف لأن بيتين من الأبيات التي أخذتها، قمت باختطافهما، أي لم أخذهما كما هما. وكنموذج مبسط لشرح عمل الاختطاف حيث يتغير موقع بعض الكلمات مع الاحتفاظ بتركيبة الجملة الأصلية المستهدفة بالاختطاف، هاك مثلاً العبارة التي يلقنوننا إياها وكأنّها حقيقة: "ما تعلمته في الصغر ينفعك في الكبر"، وها هي بعد أن مرّت في منخل الاختطاف، تكشف عن وظيفتها القمعية: "ما تعلمته في الصغر يقمعك في الكبر". وأهم حركة اتبعت أسلوب لوتريامون هذا- إيمانا منها بعصيان الكلمات واستحالة احتواء السلطة الكلي للمعاني المبتدعة، استحالة تحديد نهائي للمعنى السائد- هي "أممية مبدعي الأوضاع" التي لعبت دورا كبيرا في أحداث أيار 1968. فكِتاب الحركة النظري "المجتمع المشهدي"، الذي ألفه مؤسسها غي ديبور، يكاد يكون كله اختطافا من كتابات ماركس وهيغل وبالأخص من كتاب فويرباخ "جوهر المسيحية". وبحكم العلاقة المتينة التي كانت لي، في منتصف سبعينات القرن الماضي، ببعض الأعضاء الرئيسيين لهذه الحركة، أدركت، مرة وإلى الأبد، بأن التراث العربي في حاجة دائمة إلى أن يُختطف ­ تغيير وجهته ­ من طرف الذين يتابعون (أو يرفضون) مسيرته التاريخية، لا أن يستشهد به مئات الحمقى من المحتوين سلفاً في خطاب السلطة. إذ كما قال الفنان السويدي ازغر يورن: "على كلّ عناصر الماضي الثقافي أن توظف من جديدٍ أو أن تختفي". وقد دفعني هذا الإدراك، آنذاك، إلى القيام بأول محاولة تهديمية للتراث العربي: تغيير وجهة أقوال للجاحظ، ونشرها كنصوص عثر عليها، في كراس طبع عام 1975 تحت عنوان: "أقوال الشراحة في النقض والإباحة"!











الشعراء

أولئكَ الذين لكَلمتِهم شكلُ المَوتِ،
الذين اُعتِمدوا كمشرّعي العالم؛
ومُنحوا الإرادة لكي يدركوا مُتع الاستسلام
آه! ما أعظمَهم تحتَ نورِ المَصَابيح،
وما أصغَرَهم في عينِ الذِّكرى!

الذين تحدّق مُخيّلتُهم
حين يئنُّ الفِكْرُ في هَجعة اللّيل،
أولئك تشتعلُ فيهم عاطفةُ الدّم،
كمثل طفلٍ ولوعٍ بالخَرائطِ والرُّسوم،
انظر، إنّهم يعودون، الواحد تِلوَ الآخر،
وهم خائفون، شِبهُ أيقاظ؛
شخوصاً ثم أشباحْ
وكأنّ الجليدَ يجب أنْ يتردّد
ويهمس في أذنِ الرّيح...
غزاةُ الماضي؛ ثلجُ اللّيل الأبيض
الذين كنّا نُعرفهم بالمُجنَّحين ذوي الرهبة
ممن لا يُمَسّون أو يُقهرون
تراهم يَهْمِسونَ في مَنامِهم:
أيُّها الكَلِمُ، اِحْملْنا معكَ
إلى البابِ الذي لم نفتَحَهُ قطُّ.

أولئك الذين يقفون بلا ورقة توت
تُطعِمهم الأفعى من شَجرةِ المعرفة كلَّ الشُّرور
الذين يَلبدون والفؤوس غائصةٌ في جَماجمهم
لينتزعوا الإلهَ من الآلة.

أجل: هُناك من تروي لنا ذاكرتُه
بِكلِّ ما تَكتَنِزه...
وهنا مَن يَهيمُ
كالسَّحابةِ بلا مَطر.

فلينتظموا في صفوفٍ لامعةٍ،
ليتكلّموا بلغةِ الأرقام
لينفخوا الروحَ في الطين،
لكن هيْهاتَ أنْ يفتحوا أبوابَ الرَّحَم
لأن نِصفَهم بشرٌ ونِصفَهم نَجمٌ
كطيرِ الأرملة أو الفرسِ العجوز.        











الشِّعرُ، ساعةَ مولدي
إلى ماهر شرف الدين

بأيّ وحيٍّ كُتِبَت القصيدة
ليقترف الشاعرُ
جريمةَ الفرح اللانهائي؟

المدينة عائمةٌ
في عين عابر السبيل
تتفرّع منها
أبنيةٌ،
موتى،
وأقلام.

ما أشدَّ ازدحام هذا الحشد
من كائنات الهواءِ
الصاعدين إلى السماء
لحراسة المكان الذي ضاع.

أسمع أندريه بروتون يقول لي في المنام:
"آن أوان البحث عن فردوسٍ لا صلةَ له
 لا بالأرضِ ولا بالسماء،
بل بما يتلألأُ
من حينٍ إلى حين
فوق غُصنٍ بَليل
عند الأماسي
حول النار".

قسْ كلماتك قبلَ أن تستنجدَ الأسلوبَ ليهبَّ...
لن نحتاج إلى صورته لنعرف
أن الشِّعر يملكُ نعمةً أبويّة.

أقول لربّة الشعر:
أأنتِ من أملت على دانتي
صفحات الجحيم؟
فتجيب: أنا.

للرياح مأوى يسكنُه المطر
تحرسُه قبضةُ السَّيل
عندما تتلاشى الشَّمس.

للرياح هبوبٌ
له قصدٌ لا غير:
         محو أثرِ كلِّ وصيّةٍ على الأرض.

أتذكّر مُعادل اليوت الموضوعي
أتذكّر تدميرَ الأشكال،
وأجهزةَ حاكي الجحيم في الدماغ.
أتذكّر أشجارَ السماء
الغزيرةَ النموّ
في أسيا وحوض الشرق.
أتذكّر المدينةَ
نائمةً طيّ الأوراق.

النَّبعُ المبين
يجفُّ الآن عند عمودِ التلغراف،
والشِّعرُ يُثمر من نفسِه
مع الصخور
          والأحجار
                  والأشجار.



سَماءٌ جَديدة

والآنَ ماذا سيحدُث
لو أطلّت القصيدةُ برأسِها
من نافذةِ الكتاب
وبصَقت في وجهِ القارئ    
وبلَّل الرَّذاذُ المُتطايرُ
وجهَ الناقِد
وغطّت الصحافةُ الحدثَ
بنثرٍ ملغوم
يُبهرُ الشّاعر
إلى جادّة الصَّواب
حيث شمسُ الصَّيف جَنبَ الينابيع
والجليدُ فوق الجبال
والنَّرجس يهفو به النَّسيم
وضَّبابُ القرى يَحجبُ ضوءَ المُدن
والماضي - مستقبلا - حاضرٌ
يمتدُّ كما الأعشاب في الوديان
تكتسحه إشراقات الربيع.

هنا أقامَ الشعراءُ
هنا أومأَ لهم الوزنُ والإيقاع:
القصيدةُ نسلٌ نادر.

رقيقةٌ هي الكلمات...
رفيقٌ هو الجوعُ إلى الأسماء!

التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.