الرئيسية » , , , » عشر قصائد نثر | عبد القادر الجنابي

عشر قصائد نثر | عبد القادر الجنابي

Written By هشام الصباحي on الجمعة، 30 أكتوبر 2015 | 10:04 ص

الله في كلمة

العجوزُ التي تعيشُ في الغرفةِ المُقابلة لشقتنا. والتي كثيراً ما كانت تتأمّل، في مرآةٍ مشروخةٍ، حنايا جمالها المترهّل، العجوزُ هذه.... لا أظنُّها إلا قد ماتت. مُذْ ثلاثة أيّام وغرفتُها في ظلام يُثير أسئلةً جد مُتضاربة في أذهان نُزلاء البناية التي أسكن. لِمَ هذا الشُّعور المتشائم أنَّ كلَّ غياب هو موتٌ نهائي؟ العجوز هذه، إمّا انزوت عن أنظارنا لغرضٍ إبداعي (الَم تقُلْ لنا إنّها تنادم الكتابة أياماً لكي تتخلّص من الصُّور التي جعلتها ضريرة) وإمّا ذهبت إلى بلدٍ آخرَ للاستراحةِ، للتأمّل: ربَّ هواء صحيح يتسرّب من نافذةٍ- ذاكرةٍ بعيدة.... إنّها عجوزٌ قبل كلّ شيء. غير أنّ ليلة أخرى قد مرّت والظَّلام هو إزاءُهُ؟ "فليكنْ"، صرّح أحد النزلاء، "ما دامَ ليس هناك من مَعلَم يؤكّد لنا موتَ عجوز، الباب مُبْهَم فحسب".
إنّه على حق: " مُبهم فحسب".
إذنْ،
شيءٌ ما يسري.









حلم

...... بهذه الطريقة دخلَ البطلُ الغابةَ، لمْ ينتبه إلى أنَّ المَخرجَ أبعد من هذه الكواكب المندثرة في طَمي السَّماء. توقّف. وعند أوّل شجرةٍ انتصبت أمامَه بكلِّ ذكرياتِها المليئة بأبطال اشدّ بأساً منه. اخذ ينظرُ إليها، رأى عصفوراً جد صغير يحاول أنْ يحطَّ على أحد أغصانها الذي كان يّغزو إلى السحاب. والسَّاعات تسري زفرات في الأعالي مختلطةً بطشيش الهواء الذي تُحدثه عصابةُ الطير وهي تبرق خلال الشجر. على أنَّ سنوات عمره تمرّ فيلماً في وحشة الغاب. وكأنَّ أشجاراً تردفه بأشجارٍ أخرى؛ بأزمنةٍ لا متناهية، تصيّره إشارةَ برّاقة في قلب الشيء، يتكثّف حتّى تصيرَ أشياؤه زمناً شِعريّاً لا نهائي.
أوراق تتساقطُ من رحلته. طَفِق يَنفذ بعينيه إلى أدقّ التفاصيل. وبخَطفَة البرق راحت حُمرة العين اليمنى تصبغ الغابة كلّها، بينما يتطاير شرر من العين اليسرى، فيحرق صورة غابة معلّقة بشكل جد مضبوط في غرفة طفلٍ صغير.











نثرٌ استطلاعي

سار على وجهه بغيةَ أنْ يتعلّم الأبجدية، استكشاف ما لا يعلم. كان هواءُ القرية يَصفِر بينما عين تترصّده. عينٌ جد كبيرة - ومع هذا لا تراها العينُ المجرّدة - كانت تتجسّس أيَّ اسم مرّ في ملفٍ أو كتاب. سار على وجهه تخفِضُهُ غيمةٌ وترفعه نجمةٌ حتّى اخترق تلك العين ونام في بياضِها. فكانَ لهُ في الصَّباح -
اسمٌ
وتاريخٌ
وقضية.













الشّكل والمضمون

تدري أنَّ اللّيلَ
لا أشباحٌ فيه
لا ملَكٌ
بل محض ظلام
ممقوت.
حتّى الآنَ كان جذرا يمتد في العوالم الأرضيّة، يغشى البحر والجبال. يمشي فوق الكون متثأْللا بالنُّجوم، يلعبُ في العين البصيرة، وحين ينامُ النُّورُ في بياض الأرض، ينامُ هو مع السُّجناء حارساً البئرَ الذي أُلقيت فيها الحقيقة. اللّيلُ إلى الآن، مخفر لكلّ الشّياطين. في لَولَبه الجنائزي، ابنه الظلُّ يفتح عينيه الشاردتين!











في العَراء الوهمي

شـُعاعٌ
يُضيءُ
لـِسانَ الشّوارعِ
وكـَونًا وليد

مَ الموت، مَ الحياة... لماذا نحن هنا على هذه الأرض، وهل هناك أرضٌ أخرى. لا أصدّق السّماء. إنّها سماط أزرق لا غير، لا يمكن الجلوس، ولا حتّى وضع الصحون، عليها. إنّها جزء من منظر كبير نحن أطرافُه. لا نرفع عيوننا لنراها إلا حين تمطر أو حين تطلع الشمس. ثُمَّ نتابع طريقنا قبل أنْ نقيس تأثيرها على حالتنا الوجدانيّة. نحن كائنات تلازم الفرار! تحملني المُساءَلَةُ إلى شارع عريض جانباه مشجّران، أسير فيه مسافةً. أقف، أنظر حوالي، لا أحد. أرى إلى نوافذ البنايات، ثمَّ ضوء في واحدة، ضوء شاحب يذكرني بإضاءةِ منعطفٍ في زقاق مررت فيه حين كنت طفلا، ألفيته مثل غول، فخطوت إلى غرفتي عائدا. أستفيق، أرى الشّارع لا يزال يمتدُّ إلى ما لانهاية. كانت هناك مصطبة، جلستُ عليها، قلتُ في نفسي.
أَتيهُ بألْسِنة الكوابيس
مذْ آلاف السنين
وحيثما يتبدّى وميضٌ
 يكون يَومي.
لكنْ، لم أرَ اليومَ هذا الوميض. الشّارع ما اسمه؟ لم أعد أتذكّر... ربّما الشّارع الممدود إلى ما نهاية... الأسئلة تهيط في الدماغ: مَ الماضي... مَ الحاضر. مَ الكون، مَ المساء... مصابيح المستقبل تنطفئ بلا سبب. كما لو أنَّ الأسطورة التي كانت تضم بعضنا إلى بعض، قد تلاشت. أثناء السّير، استوقفتني قُمامةٌ مرتّبة على نحو غريب تبدو كأنّها بناية شيّدها معماري ماهر! كلّما أقترب منها، تبتعد، وبعد محاولات فاشلة منّي، اختفت نهائيّاً. أنا الآن فعلاً وحيد، الشارع نفسه؛ كتلةٌ جامدةٌ حركتُها الوحيدة هي أنها تمتدّ. تمتدّ... امتدّ معها... وفجأةً بابٌ تنفتح على رواق يفضي إلى آخر وهذا إلى رواق آخر، وآخر... هكذا أسير في أروقة بلا أبواب، بلا غرف، بلا انعطافات، مجرد حيطان وامتداد يعود بي بغتةً إلى الشارع نفسه. لا شيء يمكنني أنْ أستغوره، أنْ أجد باطنا له، إذ كانط يؤمن بأنّ للأشياء بواطن. لكنني الآن نقطة ضئيلة ملتصقة بسطح مطلق يستحيل سبرُ غورِه. هناك ظلّ يتبعني، على ما يظهر. لم انتبه إليه إلّا الآن... جد طويل ونحيف. ظلٌّ أمْ زَوْلٌ؟ لا يوجد في الشّارع كائنٌ، عمودٌ ولا حتى موضوع يمكن أنْ يكون له ظلٌّ بهذا المقدار. فكلُّ ما هناك الشّارع بامتداده، وجانبان كثيفان كثافة الكون. كما أنّ لا وجود للشّمس، أو لنور قادر على عكس الأظلال. أتنبّأ بمخرج: أنْ اخترقه. وفيما أفكّر بما يُناسب، انبسطَ إلى جانبي كبناية زجاجية تلمع سوادُها غريب، ذكّرتني بقول لابن منظور: "الظل لونٌ غامض؛ هو ضوء شعاع الشّمس دون الشّعاع"! لا أعرف كيف أستطاع بقفزة واحدة أنْ يقطع المسافة كلّها، وكأنّ ثَمَّة مُفارَرَة بيننا. ما أَفْعَلَهُ! أطبقتُ يدي على جزء منه، كان أشبه بخليطٍ من الرمل والماء. وما أنْ ضغطت أكثر، حتّى شعرت بدُرْدُورٍ يمْتَصّني؛ يسحبني نحو هوّة سحيقة... أخذت أصرخ وأصرخ... فركت عيْنَيّ. نظرتُ إلى الشّارع، كان مزدحماً بالنّاس والسّيارات وبكلّ مستلزمات الوجود!












قصّة حب

السَّريرُ نفسُه، منضدةٌ صغيرة مستديرة فوقها مصباحٌ يسيل منه ظلٌ مجسمٌ على جدرانِ الغرفة الآخذة بالتلوّن حتى بدت أوراقاً صفراء. منذُ وقتٍ طويل، النافذة لمْ تـُفتَح. كان وحده في مسافة العَتَمة، أو بالأحرى كان جزءاً من اثنين وكأنَّ ثّمَّة زهرةٌ تتصارع والذبول. ما من أحد لا من الجيران ولا من... يحزنون، ساوره الاشتباه في أنَّ الأرواحَ الباردة تركض في السّهول.
















أروي لكم الآنَ ما حدَث

كنّا في تلك اللّيلة، شأننا في كلِّ الليالي السابقة، ننتظر مجهولا يروي لنا حكايةً غريبة. لم يدخل غيرُ شخص مصابٍ بحركة تشنجٍ عصبية، تهاوى على مقعدٍ مركون في زاوية قرب الطاولة. وما إن همّ بالكلام، حتّى انطفأ المصباح الوحيد الذي كان يغمرُنا بنورِه. وعلى حين غرّة رأينا في العتَمة كائناً أبيضَ؛ شبحاً يخطو نحونا من الباب، يُهمهم بإعجاب واشتهاء. تملّكنا خوفٌ غامضٌ بحيث ندَّ النّومُ عن أجفاننا. "يا لها من حكاية رهيبة"، أخذنا نردّد... وكلُّ واحد منّا ينحني نحو الأخر كأنّما يريد أنْ يستلّ أنفاسَه.















نسيان

شعرَ أنَّه سمعَ صوتاً على الجانبِ الآخرَ من النَّهر. خَلعَ ملابسَه وألقى زورقه في النَّهر، مُجدّفاً باتّجاه المَنسي. وما أنْ نزلَ من زورقِه حتّى اكتشف أنَّ الصوتَ لم يعد هناك. لبثَ في مكانه، متأملا رجعَ الصَّدى الخارج من أعماق حُنجرتِه، يرفعُه دولابٌ تحرّكه أمواه المنظر الرهيفة.









تدفّق آلي احتفالاً بأندريه بروتون
الى محمد عوض

    دونَ أيِّ حذفٍ، جداولُ التأمّل الجارية راح مُعظمُها هدراُ.
اكتئابُ هذه السّاعة يخطو خطواتٍ متعثّرة أمام هذا الجمود المفاجئ، الملحود الذي لا يغمضُ له جفن. إنّه يتابع، بكلّ وعي، فكراً يصطدم باكتشافاته الهوسيّة. وبذا، يكون من الصعوبة تسجيلُ الضباب وتأشيرُه، خاصةً إذا كان لحظةَ استمتاعٍ سريعة. على أنّي حاولت التأكدَ من نجاح المحاولة. فضربنا موعداً أنا والتمرد. أخذت آنذاك أناطح حائطَ اللاوعي بعنفٍ حتّى طفق الدّم ينبجس من رأسي. عندئذ صار فمي فُوهة ما أفكّر فيه. أخذتِ الألفاظُ تنطلق على نحوٍ طائش مخترقةً جسدَ الأوراق المكوّمة أمامي: ألفاظٌ فاجرة لكنّها بلا كافور. إذ يلوح أنّه لا يمكن أنْ اهزأ بالنهر. فإنّه يَخالُ لي مشهداً يجوّفه الضحك الآخذ بالانفجار، علّ استهلالاً جديداً للفعل ذاته، يفلت. كما أنَّ ما أفكّر فيه – وإنْ هو يعكس في القوى المؤقتة للحظة الخلق هذه، وجودَه المُحتجَب – إلا أنّه حضورٌ يئنّ من اتّساع تجربته الحسّية وانكماشها في آن.
هناك أشياء كثيرة تبقى سوداء كمحاجر الموتى. ومن المحتمل اعتبارها اسراراً ثمينة ينبغي إماطة اللّثام عمّا تنطوي عليه. وغالباً ما نجدها اسراراً لا يسعفها الجهد المبذول في معرفتها الا بنتائج تافهة لا يعبأ بها حتّى فُصَحاء قومِ ما تحت المقبرة. ذلك أنّ الأسرار المسنّة ليست سوى حقائق شاحبة سرعان ما تندحر أمام عنف البوْح وعواقبها التغييرية.
هكذا أخذتُ أشرب من طاسات الشُّعراء. الهواء راح يُدمدِم في هَدأة البرق. على أنَّ الورقة إلى الآن مدجّجة بارتباكِ ما يدور في رأسي. أسمعُ فَحيحَهُ؛ أحملُ قمحَهُ. وها هي السَّاعةُ في انتظار تفتّح البذور، تدقُّ في الرأس!
رؤوسُ اقلامٍ مسطورة هنا وهناك. وبما أنّ الفشلَ هو شرابُنا الوحيد، فلِمَ يا اندريه بروتون لا نطلق عقال قريحتنا ونبحر إثر ذلك في شحوب الكلام المنثور على سرير الصفحات البيضاء حيث "كلُّ فقرة روضة وكلُّ معنى كأس مدام". يمكن لنا، بعد ذلك، أنْ نتداول فكرة متوالدة: فكرة تبعث في اوصالنا أحاسيسَ باردة برودة الحياة كيما تكون نهزة هذا الاهتياج الناتج عن ضعف متأصّل في واقع القطيعة الشعريّة التي تتغوّرها ثمالةٌ كبرى. لكن أهي ضرورة يجب انْ نخترم عورتها؟ اللّغة ذاكرة لا يتمّ اشباع رغباتها الا حين تستردُّ موادُها: الكلمات بحرّيتها في ممارسة حقّها في التّجوال بحرّية عبر الأسلاك والورود والأصفاد المضطربة، وبرغبتها في التَفَيْلُق المفتوح ضدّ متاريس التراكيب المعطاة. البشر يعيشون بفضل الكلمات. الكلمات تقول دائماً ما تنطوي عليه. لكن، أحياناً، يتكلّمها البشر قبل أنْ تتكلّم هي، فتصبح مجرد ألفاظ جوفاء، وتتوه في قفصها. الكلمات أوراق اللِّحاء، هواءُ الإنسان! أُحبُّ الكلمات المُنْتَفِشة كديكٍ مُنقضّ؛ لها وقعٌ كصوت المطر! لها بروقٌ تُعمل سكاكينَها في جوهر العتمة لكي ترتقي هامة الإنسان؛ إنسان عصرنا هذا، فيسترجعُ مخيلته بمِدادِ القصيدة.
يستحيل. ليس بإمكان أحدٍ مدّ الحجاب على ما يعانيه من توهّج ورغبات حارة لعبور شاطئ التجربة، فيتوغّل في الطريق إلى المجهول، وتهبُّ النِّعمةُ عليه من كلّ اتجاه.
أقبَلَ الفجرُ وماتت الظُلمة.
قمْ أيّها السّرد، لنُحَيّي "ملك ملوك الجان"، فإنّ حضورُه تَضْوِئَةٌ... أراهُ آتياً يستعير بهجةَ طلوعِه، في ثورة مؤجّلة كي لا تتبلّل فيها الشِفاه: الشّوارع ملآى بالتنويعات المتفرّدة. والمعرفة مطرٌ ينزل وسطَ الكلمات. أما الواقع فإنّه بَهيمةٌ تسلك، بكلِّ حذر، تضاريسَ العيش النائية. لا يثوب إلى نفسه إلا بجرعة حلم.
بلى، هذا ما تفعله، في أحيان، أيُّها الشّاعر المُقتفى أثره؛ الذي تتعقّبه نجوم الطريق، في أحيان؛ أحيان تتكسّر على الدوام في أزمنةٍ رتيبةٍ:
ثَمَّ اِقْشِعْرارٌ في مسرى الاضطرار
ألمحُ شواطئ ترتجف في قارب معلّق
في "ما بعد" وفي "ما قبل"
أكتبُ نهاراً يلتهبُ هنا ويتملّص من هناك.
وقبّعةٌ مُبْيَضة ببلادة المعنى، تتطاير في الفراغ.
أَرْكُلُ أسماء الماضي...
ما أضيَقَ الروُّح عند انهداد المياه الوضيئة!
لكنْ، مِن بعيد، يبدو أنّ تأججاً يحلُّ، فيوقظ أسخياءُ الصورة بصفعة شمس. ذا هي البُوَيضات الأوّلى تستفيق من نومها. وستُنْبِئُنا، قبل تباشير الفجر، بما يُخطط له أترابُها؛ الشُّعراء!
هكذا تثير الأفكارُ حافظتي. اي اندريه بروتون. غير أنّ باطن الفكر يغيب دوماً عن عيان اللّغة. فالمطلوب، إذنْ، لغةٌ محفوفةٌ بالفكر لا فكرٌ مكفوفٌ باللغة. فنحن الشعراء ليس بإمكاننا اغاثة حقبة ما او صيانتها. ليس في وُسْعِنا سوى تبيان هلاكِها فحسب. ومع هذا لن نتخلّى أبداً عن حاسة التذكّر: تذكّر ما لا نعرفه مطلقاً. لا. لن.
نحن ننسى لكي نتذكّر. إذ ما من دليل في هذه الحياة ليُتبع. فوضوح الأفكار الغامضة يُخجل مُحيّا الأفكار الواضحة.
إنّي اتذكّر حَسَدَ الكواكب المُتطايرة بين الصخور، صخورِ الماء، إنك تمرّ من هنا، من تحت نُدوب فزع مُذبذب. تمرّ دون أنْ تكلّ عن افتضاض بكارة المستقبل السَّاجد امامك جُملةً استعارية.
إنّكَ الشِّراعُ!
أَدِمْ فيَّ الجنونَ الذي يكتبُ نفسَه بنفسِه، الذي يؤرث اللغة حتى تَتلألأَ القِلاع!
اندريه بروتون، إنّ العالم الراهن حيث "العقل آلة للعبودية لا للإشراق على الحريّة" مكابرة ومماراة. ابداعات متساكنيه إنْ هي الا وثائق كذبٍ للظفر بحقيقة متقاعدة.
رَه فارسَ العصور الوسطى يميط اللّثام عن وجهِ الغابات.
رَه طائرَ الميول المُزدَوِجَة يفتّش عن مظلّة
رَ السّماءَ تطور بالأرض، فتنفتق الصور.
فها هي لحظة الزوابع والانهيار. وها هي كُتل الرذاذ تقرع الآذان المتناثرة السمع. لقد دقت "ساعة الانتقامات"؛ ساعة القطيعة مع هذا الطائل الذي سأتركه حتماً فريسةَ نكرانِه لي ولكَ وللقارئ الذي ينتظر مصيرَه حِبراً على ورق.
وداعاً قارئ هذه الكلمات، إنّي ماضٍ إلى أراضٍ شاسعة حيث الشِعر فوضى على النظام. أراضي التوتر البعيدة عن منخفضات الاسترسال الرّامية إلى توثين فكرة الجمال إرضاء لك. فقط في تلك الأراضي، في وُسْعِ المرء أنْ يكتشف بنفسه ما قد كشفته نفسُه دون أيّ اكتراثٍ بالقرّاء. سأهبُ كلَّ ما علمتني إيّاه لشعراء الأزقّة الباحثين عن لقمة هواء.

أنا خارجٌ إلى هناك. إلى الداخل حيث ذكرى بروتون موحيّة إلى حدّ الإقرار بالحاجة إلى مضغ تبغ الهَذَيان، وها إنّي امضِغُه بمتعةٍ ليس لها قتيل. الضوء، بمعزلٍ عن ايّة عاطفةٍ او نيّةٍ لتسبيب مغامرة، يَطمِسُ سِلكُهُ فيّ الآن.
آه كم هي الذكرى وكم هي تجنينٌ؟
كان يكفي أنْ أستنهض قطيعَ المرايا كي أشعر أنّ الحقيقة تُولد في فمي. كان ذلك في فجر اكتشافي للسوريالية. إذ عرفتُ أهمّية المكوث بين صرخات هواجسي والإيقاع الذي بداخلي. فعلى الجانب الآخر من المسؤولية الإنسانية، كانت الطيورُ الحبيسةُ تأرجحٍ بين طوطم وتابو، تَنقُرُ التَّاريخ. وحقيقةٌ أخرى كانت تُبعثُ حيّةً من خياشيم الآخرة.
لا مَحالَة.
لقد سقطَ الفجرُ مُهمشاً كذاكرةٍ اضطُرَّت إلى الاعتراف، فراح كلُّ ما في جَعْبَتِها من مناظر وأطلال يتطاير فوق الأوراق.
انظرْ
المجازات تشتعل، اللّغة تشهدُ هزيعَها الأخير بباب الشَّاعر الذي سيركبُها وينطلق بها فوق الصَّفحات.
انظروا
القصيدةُ مُومِضة
لا يُباضعُها إلا العارفُ لماذا للكلمات هَجْمةٌ وطشيش.
فيينا 1976






في حانةِ الحرْف

ما وراءَ زجاجِ النُّعاس، أرصفةٌ تستعيدُ ثقتَها بأقدام الغد، خليلتي تكنزُ ذهبَ الفشل وفضّتَه.
في حانةِ الحَرفِ، بينَ مَوائدِ الورق، الجنسُ رائحة.

نفرٌ من الأصدقاء تتوضّأ بهم الثرثرة. ضبابٌ اشقرُ يتسلّل إلينا فجأة من أسفل الباب. لمحتُ، والظُلمةُ تَسخَرُ من الضّوء، القَمَرَ والشَّمسَ يلعبان القمار في الغرفة المجاورة.
أنهضُ باتّجاه الرّف، التقطُ خنجراً.
وقبل انْ اشرخَ مثانَةَ الفجر بحافرِ الاسترخاء، رحت أَتَصفَّح الأرضَ وهي تنتشي بإبهامي الثالث. أتذكّر بغتةً انّه يجبُ تبديلُ مصباح غرفتي.
لكنْ، عوضاً من... مررتُ الخَنجرَ على شَفَة الغابة قبل أنْ تنبس ببِنتها.
ضغطتُ، فانبجسَ الدّمُ مختلطاً بحليبِ الصّراخ.
عصفورٌ منفوشُ الشَّعر، من السّرّة، ألقى نظرةً على الكون، ثُمَّ افرغَ نذيرَه:
غداً في الساعةِ الخامسة صباحاً
سينقلبُ العالمُ رأساً على عقب.

عبد القادر الجنابي







وُلد عبد القادر الجنابي في بغداد عام 1944. ترعرع بين جيل الستينات ونشر أول ترجماته للشعر في جرائد ومجلات بغداد. ترك العراق مطلع 1970 متوجها الى لندن حيث انخرط في الفرع البريطاني التروتسكي للأممية الرابعة، ثم غادر منتصف 1972 إلى باريس حيث يقيم حاليا كمواطن فرنسي. وفي هذه المدينة التقى بمن تبقى من حركة بروتون السوريالية وعمل مع بعضهم، ثم أسس عام 1973 أول مجلة سوريالية عربية "الرغبة الاباحية" وأصدر باسمها عشرات الكراريس. ثم تلاها بمجلة راديكالية أخرى "النقطة" ثم "فراديس" التي كانت منبر الراديكالية الجديدة بعد حرب الخليج الثانية، وفيها فتح للمرة الأولى ملفين أساسيين: قصيدة النثر بمعناها الأوروبي، وملف "جيل الستينات العراقي" والذي تبعه بأول كتاب أكثر من خمسمائة صفحة يتناول بالتفصيل هذا الجيل بالوثائق والنصوص الشعرية، وصدر تحت عنوان: "انفرادات الشعر العراقي الجديد" (منشورات الجمل 1993). كما أصدر عدة مجلات باللغة الفرنسية والإنجليزية، وعدة أنطولوجيات بالفرنسية للتعريف بالشعر العربي، منها " Le Poème arabe moderne التي ضمت 96 شاعرا منذ بدء الخمسينات وحتى اوائل ثمانينات القرن الماضي. أصدر عددا من الكتب الشعرية جمعت مؤخرا في ديوان تحت عنوان "ما بعد الياء"، صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر)، وله سيرة "تربية عبدالقادر الجنابي" (دار الجديد 1994) نالت استحسان المؤسسة الأوربية لدعم الثقافة فتم ترجمتها إلى أربع لغات (الفرنسية، الألمانية، الإسبانية والكاتالانية). قام بترجمة شعر باول تسيلان وتقديمه في كتاب صغير (1988)، ثم أعاد نشرها مضيفا اليها عشر قصائد أخرى مع مقدمة نقدية، ثم أعاد نشرها موسعة شاملة في كتاب حمل العنوان التالي: "تكلم أنت ايضا" (منشورات فراديس 1993). وفي 1994 ترجم لجويس منصور أربعين قصيدة واصدرها في كتاب عن منشورات فراديس. كما أصدر "ديوان إلى الأبد: قصيدة النثر / انطولوجيا عالمية (دار التنوير)، و"النضال ضد عبادة الماضي: الاتجاهات الطليعية الروسية 1910-1930" (المركز القومي للترجمة)، "كائنات العزلة: انطولوجيا شعرية شخصية" (المؤسسة العربية للدراسات والنشر). انضم إلى أسرة إيلاف الالكترونية في آذار 2002. ولا يزال إلى اليوم، يعمل فيها مشرفا على قسم ثقافات ومقالات الرأي.


التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.