الرئيسية » » حياتُه التي لم يعشها | خالد المعالي

حياتُه التي لم يعشها | خالد المعالي

Written By Unknown on الأربعاء، 15 يوليو 2015 | 12:13 م

كان يكتبُ نفسَه، حياتهُ وقد تاخت

أطرافُها، فيما كان يسير بلا هدفٍ

مَنْ رآهُ حقاً، مَنْ سلّمَ لهُ بالرؤى،
بالليالي، معتماتٍ، لكنها أنوارٌ تأتيه

من لا مكانَ، كانَ يعلّمُ الدروبَ
كقطٍ، لكن الحياة تمحوهُ، تذروهُ

في الترابِ، وهماً تصيّرهُ، قَدَراً مُحطّماً
يلوحُ في الأعالي، لكنهُ كانَ يأتي...

يكتبُها بأحرفٍ رشيقات، حياتَهُ التي
لم يعشها، حياتهُ التي كان يراها

كظلٍّ خلف السرابِ، وقد أقعى، لكنّها
كلُّ الذي لديه، وقد أيضاً، تلاشى.

* * *

أحلامُهُ تُركتْ لتُنسى
هنا، كانت يدُهُ التي مدّها، التي رآها
فيما كان يسير حثيثاً، لا محض رؤى،
بل دمٌ يفورُ، أصابعهُ التي ذوتْ
وقد قُذفت إلى جانب الطريقِ،

فيما كان يدفع بجسمه، هي الحربُ إذن،
تلوح دائماً، وفجأة تراه فتأخذهُ
وكأنهُ مشعلُ نارٍ من الماضي،
أقدارهُ يدفعها أمامَهُ، وأحلامُهُ،

أحلامهُ تُركتْ لتُنسى، أضحى الغبارُ
بيتهُ، يركنُ عصاهُ في الهواء، وقد
أضحت الدنيا، وكأنها موتى يعودونَ
يجلبونَ الهدايا، وينامونَ على الأعتاب.

* * *

لكنهُ الصمتُ
النهارَ عبرتُه، ثم سرتُ بعدها
في العتماتِ، أراقبُ النوافذَ المضاءة

كنتُ حياً، أنتظرُ الأصداء تأتي
أنتظرُ الندى يهطلُ،
أحلامي العائمة تفزّ من نومها
الأصداءُ ترينُ من بعيدٍ
كلُّ الذي عندي، عادَ،
انتشى، لكنهُ الصمتُ حلّ من جديد.

* * *

وكأنكَ ليلٌ...
وكأنكَ ليلٌ وكلُّ ليلٍ ينتهي
إليكَ أسيرُ، رايتي خفّاقةٌ
ولهجتي أضعتها في أعالي الحياة
كنتُ أريدُ أن أراها، أسمعها
في الأصداء ترنُّ...

لكن الزمان فاتني، فعدتُ من جديدٍ
أتيهُ، أطرقُ الأبواب ليلاً
ثم أغنّي، عسى نلوحُ للحياة
من جديدٍ، كأقوامٍ يرقدُ النومُ
عندهمُ، والشمسُ تسري إليهم.

* * *

جوهرةُ الكلام
كنتُ أحملها باليدِ، ماشياً
لكن جوهرة الكلامِ ضاعت، رغم
أني أراها تلوحُ في الخيال سراباً
فكنتُ أهمُّ بالسير من جديدٍ
عسى أمسك الحرفَ، عساها تعودُ
إلى يدي التي بقيت مضمومة،
فيما شفتايّ تهمّان بالكلام.

* * *

عن موتزارت
كنتُ أنادي نفسي، ساحباً خيالي
ورائي، الذكرياتُ تنطُّ كأفراخ طيْرٍ
والرؤى، كما في كلّ مرّة، في الإنتظار.

كم سيّرتُ نفسي غصْباً، كم صَمتُّ
جزعاً، وكم نمتُ على سريرٍ من الجمْرِ
أرى الهوْنَ، أرى الاعياء في الوجوهِ،

أرى الملاكَ وقد تشيطنَ، أرى
الذلّ وقد شابَ شعرهُ، كأنّ الذي
كنتُ، كأنّ الذي كانَ، وهماً يسرحُ

في الأعالي، متى تركنُ النفسُ، متى يهمدُ
الشرُّ، وأرى الضوءَ، أرى انعكاسَهُ
يرفعُ الأعماقَ، أرى نفسي، أنهضُ، أسيرُ؟

* * *

فوق الحبال
وتحسبها عاجلاً، فيما أنت سائرٌ، مفكّراً
بالحياة، أتعابها، وكأنها عهدٌ حملناهُ
من الأولين، وئيداً تسيرُ، مثقل الخطواتِ

تعبرُ حُطامَ الجسر، خلفكَ
من بعيدٍ، تبدو الذكرياتُ، جنّةً آفلة
يسحبُ النهرُ اليابسَ أمواهه، ليمضي،

حياتُك، كيف كانت؟ وكأنها تُرمى إليك
من الأعالي، بيضةَ رخّ، رموها، عسى
الحظّ السعيد يلقاها، وتكسرها من جديد.

وتسأل نفسك، ساخراً، أما من موتٍ
سعيدٍ، لتشقى به، عسى يعبرُ بك الليالي
يُطلقك، يعيدك ساحراً، فوق الحبال.

* * *

طعامُه السرابُ والذكريات
اليومَ، أريدها، فكرةً ضائعةً في الرياح
أرسمها باشارة اليدِ، أطالعُ نصيبها
كأنها تعود لي، راسمةً شارة الاياب

حيثُ لا أحدَ كان بانتظاري، أنا
كنتُ حقاً أتابعُ فكرتي، أُقبلُ نحوها
كالسرابِ، أجادلُ النفسَ التي لا تستريح

أندهُ من بعيدٍ، أصرخُ دائماً وكأنهُ
الألمُ وقد قضّني، اليأسُ واقفاً
بانتظاري، درويشاً هائماً
طعامُهُ السرابُ والذكريات.

* * *

تمضي في الطريق
وكنتَ تعْيا انتظاراً، عسى
الكلماتُ تأتي، تراها مغمضَ العينين،
اللمسةَ الأولى، الضوءُ وقد لاحَ

وكنتَ تعيا، غير أنها رؤيا تحطُّ
عليكَ، تُنهضكَ، شبه مخمورٍ
لا ليلَ لا ورقة، لكنكَ كنتَ تراها،

عليكَ تهبطُ من عليائها، وأنتَ
تنهضُ وقد فُكَّ القيدُ عنكَ،
باحثاً عن الدنيا، تمضي في الطريق.

* * *

إلى فاضل عباس هادي
(بعد قراءة "أعماله الأدبية" من جديد)

أنتَ الذي كأنكَ تبكي
وتنوحُ في كلّ مرةٍ، القصيدة نفسها
تطلعُ اليومَ من ذاتك منادياً،
عسى الليلُ يقطعَ طريقَهُ ويعودُ
من حيث أتى، عسى اليأسُ يغلق
أبوابَ بيته وينامُ
عسى الدمعة تهطلُ لترقصَ وحدكَ
في مياهها، عارياً،
ثم تنادي نفسك، خيالَك الجامحَ
لكي تكتبَ رؤاك من جديدٍ
وتنهضَ بقلبٍ قويٍّ
وتمضي.

* * *

كلُّ شيءٍ تلاشى
لم أعُدْ أعرفُ الدفءَ، ناري خَبَتْ
والريحُ تهبُّ
الرؤى التي راكمتُها حجاراً
صارت تراباً
والليلُ الذي حلّ
لفّني ولكنها أحلامٌ تُتيّهُ
المرءَ فيمضي حائراً
في طريقٍ كلُّ شيء فيه تلاشى.

* * *

أربيل 2015
وهي أيامٌ سارَ بها الهلاكُ نحونا لم نعرف لياليها، ولم نسرْ تحت أفيائها يوماً الملاكُ الحارس جاء بها، رماها إلينا
كرؤى تومضُ ثم تنطفي حتى بعدنا في النومِ
وابيضّت عيوننا حزنا.

* * *

اللقى مطروحة وسط المدينة
أُعدّ لنفسي طريقاً، وأغلقهُ
كنتُ أنادي الصدى، أسمعه
والإشارة تأتي من بعيدٍ

ثم عُدتُ لنفسي، أشاورها
متى كان هذا؟ متى حلّ البؤسُ
ثم سارَ يرينا الحياةَ، أطرافَها،

عدّةَ اللهاث، نرى خيامَ الهجيرة
تتبعنا من هناك، نرى الهناكَ،
اللُقى مطروحةً وسط المدينة،

نهجسُ الروحَ التي لنا، نهجسُ النَفَسَ
القصيرَ، ثم نطلقها حسرةً من القلبِ،
ثم نغفو على الطريق ذاتها.

* * *

سرابٌ يبدو من بعيد
يعرفُها حقاً، كان في أحلامهِ يراها
خيْطاً مُدَّ من بعيدٍ، فيما شبّاكهُ
مُغلقٌ، والظلامُ ما زالَ مخيماً...

تدعوهُ ليأتي، وحش الطفولة
وقد تلاشى في ظلّها، كلبها النابح
دائماً، فيما كان يعدو ويعدو...

ليلُهُ لم يزلْ، أنفاسُهُ تنبضُ
يداهُ مرخيتان، وكأنّ الذكريات تدورُ
حول نفسها، متى كان هذا؟ أين؟

لم يَعُدْ يدري، شارداً، في ثوبهِ
الرثّ، وقد حالَ لونُه، فيما أقدامُهُ
كلها جراحٌ، تخطوُ في الحقل الواسع

متى كان هذا؟ أين؟ بيضةُ القطا
تلوحُ، نمشُها يُظهرُ ويُخفي، وخيالُه
تاهَ، لا مياه، بل سرابٌ يبدو من بعيد.

* * *

قصيدة إلى النفس
كيفَ تموتُ إذن، شبحُ الماضي عادَ
إليكَ، وشجّت الذكرياتُ رأساً معانداً
كنتَ تحملهُ، وأسرعتِ السنواتُ،
أيامُها كرّت، وأنتَ بلا أملٍ تُمضّي
حياتَك، تتجرّعها ككأسٍ، على مهلٍ
وتبصرُنا، متأملاً من تلك الأعالي،
كأننا قَسمٌ مُخانٌ، وعدٌ مُداسٌ
بطين الخيانات، لحنٌ شائعٌ تلاشى
فدُكّت أركانُ حياتنا، وضاعَ النهارُ
الذي كان لنا، صُفّت أحجارهُ جانباً
وأجلينا من تلك الفيافي التي كانت مكاننا.

كيفَ تموتُ إذن، أضعتنا في السراب،
أضعتَ السرابَ، وسيّرتَ الذين
سيّروكَ، تُرابُ الحياةِ كان لديكَ،
هواؤها، تلك السماواتُ البعيدة، نجمومُها
تُومضُ وأقمارُها تتلاشى خلف الغيوم.

لقد كانت حقاً حياةٌ، شربناها صافيةً
بكأسٍ، وسرنا طويلاً حتى انطفينا.

* * * 

ضبابُ العُمر
وكان لكَ ظلٌّ، ولكنهُ يضيعُ
فلا تتركك الليالي، تبقى مصغياً
فارغَ الذهن تماماً، تلاحقك الصورُ
البعيدة، تدفعها الريحُ الشديدة،

وتلقي رملَ الحنين في يديك،
تُلبسك عباءةَ الألم وتريكَ
ضبابَ العُمر وقد تلاشى أمامكَ.

متى عُدت إلى الماضي، كيفَ سئمتَ
نفسك، تركتَ طيْر الخيالِ يطيرُ
ودفعت اللائمة بكفك لكي تسيرَ

كما كنتَ تريدُ، تتهدمُ الأنواءُ حقاً
والأصداءُ تعودُ من حيث أتت، لا وهمَ
للبيع عندك، لا قمر لترى، وكل
الذي كنتَ تأملهُ، هناك ينتظر.

* * *

ضحكنا مأساتنا تماماً
وأنتَ تلدُ الكلمات، تزرعها في فيافي
الروحِ، لتمضي في الطريق وحدكَ، مُغنياً
ملهاتنا، ذكرياتنا التي توّجت حياتنا،
مأساتنا التي ضحكناها تماماً، حتى

قفلنا راجعين، يقودُنا الوهمُ نحو البلاد
التي تلاشت ولم نعد نراها، كأننا
مُتنا، نخطو على الأرض الهباء، ينزُّ
دمُنا وتنهارُ أعمارُنا، سنوات من الرمل،

الليلُ يجمعنا في ظلّه الصافي، يهرُسنا
ألقُ النجوم، فنكفّ عن النومِ وتجلسُ
الأحلامُ بيننا، لا وعدَ، لا عهدَ، غير
الدقائق البطيئة تتكها الساعاتُ بصمت.

* * *

يدا غريقٍ تلوّحان من بعيدٍ
وكان يملكها، مزهرةً، في الشتاتِ
إليها يروحُ الرنينُ، الأسى محفوظاً
بكيسِ، الصدى وقد عاد من اللُقيا
وكم كانت عليه تشحُّ، كأنهُ

صيفٌ بلا مطرٍ، يدا غريقٍ
تلوّحان من بعيدٍ، الضبابُ وقد
تلاشى، اليأسُ يدقّ مسماره
ثم يمضي ببطءٍ، انها حياةُ

الظهيرةِ، وقد خلت شوارُعها
تسعى لاهثاً، كلبُ الطريقِ وقد
ران، من تنادي؟ الصمتُ يحرّك
أنفاسهم، والبئرُ العميقة ماؤُها غارَ.


التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.