الرئيسية » » كأنَني رجلٌ أضاعَ شيئاً ما | بشار النعيمي

كأنَني رجلٌ أضاعَ شيئاً ما | بشار النعيمي

Written By Unknown on السبت، 4 يوليو 2015 | 12:32 م

كأبٍ نامَ دونَ حديثٍ عابرٍ مع ابنه المسافر، أو كمنزل قرّر الصمتَ بفعل الحنين، فلا يَفتحُ بابَه لأحد. أتابعُ ظلالاً تسقط من النافذة على كرسيٍّ كنت تكرهينَ الجلوسَ عليه، فأكتبُ فكرةً واحدةً كلّما ارتاح المطرُ على عيون السماء، والآنَ لديّ من العيونِ ما يكفي نهراً كي يجدَ طريقَه في الصحراءِ دون أنْ يجف، وصرتُ أفكّر بأولئك الذين هم مثلي كأنهم أضاعوا شيئاً ما، لا يُوقفُهم ضجيجُ الشمس حين تشرق ولا صخبُ جمهورٍ يكرَه كلُّ واحدٍ منهم الآخر، أنظر من النافذةِ لعلّ خيطَ الشمس سيتراجعُ إلى حضن أمه؛ فبماذا يعنيه السفر؟

وأبحثُ عن الشمس، تلك التي تحبّين متابعتَها عبرَ زجاجِ نافذتي لعلك تمرّين قادمة، أتخيّلُ كيف ستميلُ الأشجارُ لتُفسحَ لك داخل الظلِ مكاناً، وكيف ستخلعُ الأبوابُ أقفالَها لتُسهّلَ مرورك، وعليك أنْ تكوني حذرةً جداً من أزهارٍ ستنبتُ مسرعة، لأنني أعرفُ أنك لا تحبّين الوردَ الزائدَ عن الحاجة.

وأنا كرجلٍ أضاعَ شيئاً ما ثميناً لا يُريده، فصرت أخافُ من الموسيقا أنْ تزيحَ لونَ المساءِ الكحلي وأنْ يلتقيَ الضوءُ بالضوءِ فتصيرين نجمةً على السقف، ومذاكَ أكرهُ أنْ أرى خريطةَ وطني ترتسمُ على رغوة فنجانِ قهوةٍ عابرٍ للمزاج، وأكره أنْ أرى الماضي محمولاً على الأكتافِ ترفعُه هوامشُ الناس في الحاضر.


بحضورِك كنت أبحثُ عن أصابعي، عن وجهي، أراهُما على المكتبة (تلك التي تحبينَها) يتهامسون وينظرون إلينا معاً، ودائماً كنتُ أريدُك أن تغادري لأستعيدَ وجهي على الأقل من على رفوف الكتب أو لأنني أشتاقُ دائماً لذلك الهدوء الذي يُخلّفُه رحيلك، أما غيابك فهو الأسئلةُ الكثيرةُ عن أحوالك، من قال لك صباحَ الخير؟ من أعدَّ فنجان قهوتك؟ هل قرّر الشتاءُ أنْ يتمهّلَ قليلاً ريثما تعبرينَ الشارع؟


كأنني رجلٌ أضاع شيئا ما، نسيتُه كما نسيتُ بعضَ أشيائي، فغابت كتبٌ ضخمةٌ وقصاصاتُ ورقٍ كثيرة، قُبلٌ على غفلة من الليل، تعبُ فتى أو فتاةٍ داخلَ الميترو، كلاهُما يحمل أدواتِ العاشقِ لصناعةِ النسيان، ولا تعنيهما كثرةُ المحطّات ولا الدرج الكهربائي، أما أنا فلم أنتبه (وهذا ليس ذنبي) في أي محطةٍ نزلتُ، وكيف خرجتُ إلى الشارعِ. كم كان الشتاءُ الماضي بارداً، هل تذكرين؟ وهل تذكرين كيف مشى الربيع قربُ منزلي أيضا؟ وكيف أخذ الصيفُ حماماً ساخناً على رصيفِ المشاة؟

وقفنا معاً راقبنا الفصولَ والناسَ من مطبخٍ شوينا به الحبّ وتناولناه مع الملحِ وعصير الليمون، النافذة التي تحبّين، أتذكرينها؟ أقف أمامَها اليومَ كرجلٍ أضاعَ شيئاً ما تنعكسُ صورتي على الزجاجِ فيبتلعُها أصيصُ الوردِ ويتقطّرُ ما تبقّى مني على الحافةِ البلاستيكية. أقفُ هناك الآنَ لأطلبَ من الشتاءِ ساعةً واحدةً أو نصفَها فقط كي أمسحَ ما اتَّسخَ من زجاجِ نافذةٍ لا يُطلُّ منها أحد.


* شاعر فلسطيني مقيم في موسكو



التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.