الرئيسية » » في العزلة | عبد القادر الجنابي

في العزلة | عبد القادر الجنابي

Written By Unknown on الأربعاء، 1 يوليو 2015 | 3:47 م

مرّت أيّامٌ لم أرَ فيها أحداً، لم أتحدّث مع أحدٍ، ولا حتّى مع نفسي. أيّام لمْ أقل أو أكتب فيها شيئاً. لم أشعر أنّي معزول، وإنما مقيم في عزلتي التي اخترتها منذ سنوات. أشعر الآن براحة معينة: بقدرة على التركيز. أفتح كتاباً، أقرأ بضع صفحات، أَنظر في الفراغ المحيط بي، تتخاطفني مشاهد مهندسة نثرياً: صباحٌ بغدادي بكلّ ضجيجه وهدوئه المعتاد. حادثةٌ لم أتصوّرْ أنّي عشتها، لمّا كنتُ صغيراً، تحت وهج الصيف، على شاطئ دجلة حيث كان لأبي مقهى خاص لبائعي السمك وزبائنهم. كنتُ على وشك أن أغطس، كان الماء بارداً بعض الشيء، كانت هناك زجاجة مكسورة لم أنتبه إليها، دستها، فسال الدم من رِجلي. الآنَ لا أحدَ يهمّه أن أسرد عليه هذا الحادث بتفاصيله، لذا تركته يتلاشى بين أماكن أُخرى عشتها في طفولتي، نشأتْ تحتل دماغي كلّه: بنايات مطلّة على النهر، أحياناً، خاليةً لا أحدَ فيها، عند أبوابِها سيّارات، معطّلة على ما يظهر. شابٌ رشيقٌ يحاول كسر زجاجِ واجهةٍ بفأسٍ منزلي. صفيرٌ يسترعي انتباهَ بعض المارّة. لا أحدَ يركض. يسيرون بهدوء، عيونهم شَخَصَت فجأةً إلى نهاية الشارع. انتهى الشاب من كسر زجاج الواجهة. يخرج حاملاً حقيبة كبيرة. عيون المارّة غيّرت اتجاهها إلى الثقب الكبير الذي أحدثه الشاب في الزجاج. الصفير لا يزال، الحرارةُ تتصاعد. هواء جاف يحرّك أغصان شجرة مسنّة، تحوطها أشجار ومصاطب. الشاب؟ لا أحد يعلم أينَ صار. نهر دجلة يفيض، السدود الرملية انهدّت، صراخ، أرجل تتراكض، كثير من الأرجل، فوق، أراها من كوّة الاستذكار. كلّ شيء توقّف، لا أثر لأيّ منظر، لأيّة بطاقة تذكاريّة. الوحشةُ الأرجوانية تتدلّى من السقف، تأكل صوف الغبار! لا رائحةَ تفوح من الحشد، إنّه قريةٌ غارقةٌ في ضباب وحدتها! لمْ أعُد أتذكّر سوى أخيلة النادمين أنّهم ماتوا من دون سبب. أتكلّم مع شاعرٍ صديقٍ ظهر فجأةً في غرفتي، طفِقنا نتداول موضوعَ قصيدةٍ فكّرنا أنْ نكتبها معاً. كيف؟ على منوال الكتابة الآليّة. دون أيّة رقابة وفي عتمة مؤاتيّة، حيث تشعر الأنا أنّها أداة تدوّن ما يملي عليها الآخرُ الضبابيّ. المحاربون توحّدهم العزلة، أليس كذلك. إنها "المرفأ الداخلي حيث سُمٌّ نفّاذ يفتحُ لنا أبوابَ عالمٍ يجري فيه الفكر في جوٍ مُسكر من الحرية". ضبابٌ يموج بيني وبين عالمٍ خارجي واضح المعالم. أشعر أنّي وحيدٌ، كبير السنّ، وأنّي لأجهشُ بالبكاء أوانَ لا أراني ذا جدوى، ذا ضياء... لا أحدَ يسمع ما أقول، لا أحدَ يرى ما أرى... لكن، عيني الداخلية بمرأى ومَسمَع من كلّ مَطرحٍ في هذا التفكّك الشفَقي الناعس العينين. الجوهرة الداخليّة تلتمع بعين العزلة. الأفكار لا سلالمَ لها، إنّها بناءات لغويّة لا تخبرنا بشيء عن العالم. أتثاءب... أجد أصابعي تعبث بالكتب راغبةً في المعرفة والحدس. أنتظر نوراً أصفر ينير الأديم... فكرةً طارقةً تساعدني على ولوج هذا السُّمك الذي يترصّدني؛ سُمك لا عدَمَ له. كم أفكّر في أصدقائي، بعضُهم رَحلَ، والآخرُ اختفى، والباقون لا يقدّمون لي سوى مجاملات لفظية، ومع هذا فإنّي أحبّهم كلّهم ربّما لأنّهم ليسوا هنا، أو ربّما لأني أُتْرَك مجهولاً منهم متمتّعا بإنّيتي حيث ما من أسرار دفينة... وبالتالي، إنّه قانون الأحياء أنْ يكون كلٌّ منّا وحده أمام عواصف الزمن، لا أحدَ عوضاً عنه. وبينما أنا في مدّ وجزر مع خُدَنائي الغرقى في الماضي، أسمع ضجيجَ مكائنِ تنظيفٍ يقترب من بعيد، كما لو أنَّ أحداً ضغطَ على زرّ. أيكون ثمّة آلةٌ لغسل الأفكار، في هذا الشسوع اللا محدود لا كمَاً ولا كيفاً، بل هو مزيجٌ من مختلف الأضداد؟ تعصف بي رغبةٌ في التأمّل! الدفتر لم يعد فيه بياض. عوالم تتلألأ في الاسوداد. لا اسم ثمّة للداخل، الزمنُ هنا يتفتّحُ كما زهرةٍ. لا تفكّر قطُّ في الداخل، في الخارج، إنّهما يتلامسان، يتتاليان وأنت تبقى رائياً بدون كلام، كائناً زئبقيّاً طَلَعَ من مغارات التاريخ ليعلو على ذاته. تعلمُ أَنّ العزلةَ حين تُنقّى، يبدأ الصمتُ بالكلام. وأَنّ مِن الحِكمةِ أنْ تجلو أفكارَك قبل استعمالِها... أنتَ هنا الآنَ، وحدك تتصارع مع وجودٍ لذاتِه، تريده أنْ يصيرَ وجوداً في ذاتِه، تريد افراغ لا وعيكَ من كلّ الصور، الذكريات، الأيّام، عائداً إلى "مرحلة المرآة"؛ البوادر الأولى حيث القالَبُ الذي شكّل أنَاكَ... وآية ذلك أنّكَ تتنسَّم العزلةَ من جميع المسامِّ وكأنّها "أرض الكنوز المشتهاة، حيث يصبح فيها كلُّ شيءٍ مرئياً ومسموعاً بتأكيدٍ ووضوحٍ لا يوصفان... فلا يعود المرء يبحث، وإنّما يأخذ"! نعم، لا حبّة محفّزة لمعرفة النفس وللشعور بصفاء الذهن والنشوة في آن، أفضَل منها. عزلتي ثمالتي! وما تبقى من وصفات ليس سوى تقويمٍ: الصباحُ دائماً صباحٌ، الليلُ دائماً ليلٌ، الساعات هي دائماً ساعات. ليس هناك "ما وراء"، وإنّما "بَيْن" فحسب؛ تكرارٌ أبديٌّ ينقلب فيه الشعر الأبيض إلى أسود، ولأعذارٍ وجيهة. أخلع الانعكاسَ من المرآة، ألقي به في الطست، أنظّفه تمهيداً لمسيرة الكلام الكبرى. ففي مملكة التفاصيل، الحروفُ شيءٌ، والكلماتُ شيءٌ مغاير تماماً. المطلق بأسلوبه الصامت يجتاح المكان. رؤياي تتدحرج على الأرض تحاول احتواء العالم بفكرة واحدة. الظلال تتكلّم؛ تصرخ ومن ثمّ تنزلق وتتلاشى. أرى ورقةً يتقطّر منها حبرٌ أبيض؛ أرى رمل العزلة اللذيذ ينسكب تحت أقدام القرون، وخيبة الوحدة تنفخ مشاعر القبيلة... أرى جمالات العزلة تنطفئ في مراياها النيران.



التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.