الرئيسية » , , , , » شاعرات البوح -- ترجمة وتقديم نزار سرطاوي

شاعرات البوح -- ترجمة وتقديم نزار سرطاوي

Written By هشام الصباحي on الأحد، 28 يونيو 2015 | 2:32 م

  

مقدمة
في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات من القرن الماضي ظهر في الولايات المتحدة لون جديد من الشعر أطلق عليه النقاد اسم شعر البوح أو شعر الاعترافات، وذلك بسبب طبيعته الشخصية وتركيزه على "الأنا" أو الذات. وقد ارتبط هذا الأسلوب الشعري بالشاعرين روبرت لويل  و وليام سوندغراس والشاعرتين آن سكستون وسلفيا بلاث. وقد تأثرت الشاعرتان سكستون وبلاث بكتاب روبرت لويل دراسات الحياة (1959)، إذ يضم هذا الكتاب العديد من قصائده الأكثر شهرة، والتي تتسم بطابع شخصي أو ذاتي.

لقد عالج شعر البوح في أواسط القرن العشرين مواضيعَ لم يسبق أن جرى الحديث عنها أو طُرحت للمناقشة بصورة علنية. إذ تناول الشعراء والشاعرات في قصائدهم التجارب الذاتية والمشاعر المرتبطة بالموت والصدمة والاكتئاب وإلإدمان والعلاقات العائلية والخاصة بأسلوب كتابة السيرة الذاتية في أغلب الأحيان.

ومنذ سبعينيات القرن المنصرم راح تأثير شعر الاعترافات يمتد إلى العديد من شاعرات وشعراء الجيل الجديد، فاتجه هؤلاء إلى الكتابة عن حياتهم الشخصية ومشاكلهم وقضاياهم الاجتماعية والنفسية بكل صراحة ووضوح. وتعتبر الشاعرتان شارون أولدز وماري هاو أشهر من كتب شعر البوح من الشعراء المعاصرين. 

كان للشاعرات إذاً حظ من شعر البوح لا يقل عن حظ الشعراء. بل لعل الشاعرات كن الأكثر شهرة في هذا المجال. وربما يُعزى ذلك إلى أن الأنثى أكثر عرضةً للمشاكل والاضطرابات، ربما بسبب ما يلحق بها أحياناً من الظلم وما تعانيه من التهميش وما تتعرض له من التحرش والاعتداء سواء على مستوى الأسرة أو المجتمع.    

.نستعرض هنا مجموعة من القصائد لأربع من شاعرات البوح الأمريكيات: آن سكستون، سلفيا بلاث، شارون أولدز، وماري هاو.


آن سكستون: معركة مع الاكتئاب  

 

نبذة عن حياتها:


تعتبر الشاعرة والكاتية آن سكستون نموذجاً لشعراء البوح. فقد كتبت عن الاكتئاب والشعور بالوحدة واليأس والانتحار. وكذلك كتبت في مواضيع نسائية كالطمث والإجهاض بالإضافة إلى الجنس والخيانة الزوجية.

ولدت سكستون في 1928. مارست كتابة الشعر والتمثيل في مطلع شبابها. التحقت بكلية جارلاند جونيورز، لكنها لم تكمل سوى سنة واحدة ثم تزوجت من ألفريد مولر سيكستون وهي في سن التاسعة عشرة. في عام 1953 أصيبت بانهيار عقلي دخلت على أثره مستشفى للأمراض العصبية لمرات عديدة، وحاولت الانتحار. وقد شجعها طبيبها على أن تتابع اهتمامها بكتابة الشعر، وقد ساعدها ذلك كثيراً. لكنها لم تستطع الصمود إلى ما لا نهاية. فعلى الرغم من أنها حققت نجاحاً أدبياً كبيراً وفازت بجائزة  بوليتزر  للشعر قي عام 1967، فإنها قي النهاية انهارت أمام المرض النفسي. وفي 4 تشرين الأول / أكتوبر  عام 1974 وضعت حداً لمعاناتها بالانتحار، ودُفنت في مدينة بوسطن، بولاية ماساشوستس. 

نماذج من شعرها
1.  الموسيقى تعود سابحةً إليّ  
  

انتظر أيها السيد. أيّ طريقٍ يوصل إلى البيت؟
لقد أطفأوا النور
والظلمةُ تتحرك في الركن 
لا توجد أيةُ شواخصَ في هذه الحجرة
أربع سيدات، أعمارهن تربو على الثمانين،
وكلهنّ يلبسن حفّاظّات.
للّا للّا للّا، أوّاه الموسيقي تسبح عائدةً إليّ
وأستطيع أن أسمعَ اللّحْنَ الذي عَزَفْن
في الليلة التي تركنني فيها
في تلك المؤسسة الخاصة فوق التلة

تَخَيّلْ. محطة إذاعة تَعْزِف
والجميع هنا كانوا مجانين
أحببتها ورحت أرقص في دائرة. 
الموسيقى تنسكبُ فوق الإحساس
ومما يثير الضحك  
أن الموسيقى تبصر أفضل منّي.
أعني أنها تتذكر أفضل مني؛ 
ما زلت أذكر الليلة الأولى هنا
حيث بَرْدُ تشرين الثاني الخانق 
حتى النجوم في السماء تعرضت للجَلْد
وذاك القمر كان شديد اللمعان 
يتشعّبُ عبر القضبان ليضربني
بغناء في الرأس.
لقد نسيت كل شيء بعد ذلك.

إنهم يقيّدونني بهذا الكرسي في الثامنة صباحاً
وليست هناك شواخص تشير إلى الطريق
لا شيء سوى المذياع يبثّ إيقاعاتٍ لنفسه
والأغنيةُ التي تتذكر أكثر منّي. للّا لّلا لّلا،
هذه الموسيقى تعود سابحةً إليّ.
الليلة التي عدت فيها رقصتُ دائرةً
ولم أكن خائفة.
أيها السيد؟ 


2.  ملِك الموت  
استأجرت نجاراً
ليصنع نعشي
وليلة البارحة
اضطجعتُ فيه
مستندةً إلى مخدة
ورحت أشمّ الخشب
تاركةً الملِك القديم
يتنفس عليّ
وأنا أتفكر في جسدي المقتول، الذي فتك به الزمن،
وأنتظر أن أتصلب مثل مارشال حرب، 
وأدع الصمت يجردني من كرامتي،
وأتذكر أنني لن أسعل مرةً أخرى.

الموت سيكون نهاية الخوف
والخوف من الموت، 
خوفٌ شبيه بكلب محشوٍّ داخل فمي
خوفٌ شبيه بروثٍ محشوٍّ داخل أنفي
خوفٌ يتحول الماء إزاءه إلى فولاذ
خوفٌ حين يطير صدري إلى النفايات
خوفٌ حين يرتعش الذباب في أذني
خوفٌ حين تشتعل الشمس في أحضاني
خوفٌ حين يتعذر إيقاف الليل
ويظل الفجر، فجري المعتاد، 
حبيساً إلى الأبد.

خوفٌ ونعشٌ لأضطجع فيه
مثل حبة البطاطا.
حتى في تلك الساعة سأرقص بملابسي المُريعة،
طيران محرقةٍ
يصيب شعري وأصابعي بالعمى
وأجرح الإله بوجهه الأزرق،
بطاغوته، بمملكته المطْلقة،
بما لديّ من الإثارة


3.  حيث كانت في ذلك الحين  

يا زوجي،
حلمت ليلة البارحة
أنهم قد قطعوا يديك وقدميك.
يا زوجي،
همستَ لي،
كلانا الآن غير مكتمل.

يا زوجي،
أمسكت بالأربعة
بين ذراعيّ كأنهم أولادي وبناتي.
يا زوجي،
انحنيت ببطء
وغسلتهم في مياه سحرية.

يا زوجي،
وضعت كلَّ واحدٍ منهم  
في موضعه الذي إليه ينتمي.  
قلت: "معجزة"
وضحكنا
ضحكة الموسِرين.


سلفيا بلاث: زواج فاشل


نبذة عن حياتها:

سلفيا بلاث هي شاعرة وروائية وكاتبة قصص قصيرة. تميز شعرها بصوره الحادة التي تجمع بين العنف أو القلق والعناية بالجرس الموسيقي والقوافي. تعتبر قصيدتها "بابا" من أشهر قصائد الاعترافات في الشعر الأميركي. تقول فيها: "بابا، كان لا بد لي أن أقتلك/لكنك متّ قبل أن يتيح لي الزمن ذلك..."

ولدت بلاث في مدينة بوسطن عام 1932 لأسرة ألمانية مهاجرة. التحقت عام 1950 بكلية سميث، ثم عملت متدربة لدى إحدى المجلات. وأثناء إجازتها أصيبت بانهيار عصبي وحاولت الانتحار، ثم أدخلت إلى المستشفى للعلاج. إثر ذلك عادت إلى كلية سميث حيث تخرجت بمرتبة الشرف الأولى. سافرت إلى انجلترا للدراسة، وهناك التقت في عام 1956 بالشاعر البريطاني تيد هيوز، وتزوجا. سافرت بعد حين إلى الولايات المتحدة ثم عادت إلى هيوز في إنجلترا وأنجبت منه طفلين واستمرت في الكتابة.

كان هيوز قد أقام علاقة مع امرأة أخرى تدعى آسيا. وعلمت سلفيا بالأمر.  حاول الزوجان إصلاح علاقتهما فسافرا إلى إيرلندة في أواخر عام 1962. لكن هيوز ما لبث أن انتقل إلى البيت مع عشيقته، وانتقلت سلفيا إلى شقة أخرى. وفي صباح 11 شباط / فبراير عام 1963، أقدمت سلفيا على الانتحار.

نماذج من شعرها

1.  أغنية حب لفتاة مجنونة
"أغمضُ عينيّ ويسقط العالم كله ميتاً؛ أرفع جفنيّ ويولد كل شيء مرة أخرى. (أظن أنّي صنعتك من خيالي.)

النجوم ترقص الفالس بالألوان الزرقاء والحمراء، ويدخل السواد العشوائي مهرولاً: أغمضُ عينيّ ويسقط العالم كله ميتاً.

حلمت أنك قد أغريتني بأن أرافقك إلى الفراش وغنّيت لي حتى فقدت عقلي، ورحت تقبلني حتى أصابني الجنون.
(أظن أنّي صنعتك من خيالي.)

يهوي الإله من السماء، تتلاشى حرائق جهنم: يرحل الملائكة المُجَنحون ورجال الشيطان: أغمض عينيّ ويسقط العالم كله ميتاً.

تهيّأ لي أنك ستعود بالطريقة التي ذكرتّها، لكني أهرمُ وأنسى اسمك. (أظن أنّي صنعتك من خيالي.)

كان أولى بي أن أعشق واحداً من طيور الرعد؛ فهي على الأقل تعود بضجيجها حين يحلّ الربيع مرة أخرى. (أظن أنّي صنعتك من خيالي.)
أغمضُ عينيّ ويسقط العالم كله ميتاً.



2.  لا تحاول أبدا أن تخدعني بقبلة  

لا تحاول أبداً أن تخدعني بقبلة
مدعيّاً أن الطيور جاءت لتظل مقيمة هنا،
الرجل الذي يحتضر سينظر إلى ذلك بسخرية وازدراء.

الحجر الذي ليس له قلب يقدر على التَنكُّر  
والعذارى ينهضن في المكان الذي كانت فينوس الشبِقة تستلقي فيه:
لا تحاول أبداً أن تخدعني بقبلة.

طبيبنا الشهم يزعم أن الألمَ ألمُه.
والمرضى المنكوبون يَدَعونه يقول كلمته:
الرجل الذي يحتضر سينظر إلى ذلك بسخرية وازدراء.

كل شابً أعزب ذي فحولة يرتعد خوفاً من الشلل،
العجوز العانس في الجَمَلون تنتحب طوال اليوم:
لا تحاول أبداً أن تخدعني بقبلة.

الأفاعي اللطيفةُ الخالدة تقدم الوعود بالنعيم
إلى الأطفال الهالكين الذين يتشوقون إلى الفرح،
الرجل الذي يحتضر سينظر إلى ذلك بسخرية وازدراء.

آجلاً أو عاجلا يحدث ما يعكر الصفو،
الطيور الغنّاء تحزم امتعتها وتطير بعيداً،
لذا لا تحاول أبدا أن تخدعني بقبلة:
فالرجل الذي يحتضر سينظر إلى ذلك بسخرية وازدراء.


3.  المرآة

أنا فِضية وبالغة الدقة. لا أحمل أيّةَ أفكارٍ مسبقة.
كل ما يقع تحت نظري أبتلِعُه على الفور
كما هو تماماً، دون أن تعتريه غشاوة الحب أو البغضاء.
لست شريرةً بل صادقة،
عينُ إلهٍ ضئيل، لها أربعةٌ من الأركان.
أقضي معظم وقتي أتأمّلُ في الحائط المقابل.
لونه وردي مُرقّط، لقد نظرت إليه طويلاً
أظنّه بعضاً من قلبي. لكنه يتماوج.
الوجوه والظلمة لا ينفكّان يَفصلان ما بيننا.

أنا الآن بحيرة. تنحني عليَّ امرأة
باحثةً في أعماقي عن حقيقتها.
ثم تستدير نحو أولئك الكذّابين، الشموع أو القمر.
أرى ظهرَها، وأعكسه بكل أمانة.
فتكافئني بدموعها واضطراب يديها،
أنا في غاية الأهمية بالنسبة لها. تقْبِل وتدبر. 
وجهها هو الذي يحل محل الظلام كل صباح.
لقد أغرق فيَّ فتاةً صغيرة، وفيَّ تنهض نحوها
يوماً بعد يوم امرأةٌ عجوز، تشبه سمكةً مريعة.


شارون أولدز: الطلاق المؤلم


نبذة عن حياتها:
شارون أولدز شاعرة أمريكية معاصرة فازت بجائزة ت.س. إليوت للشعر لعام 2012، وذلك عن مجموعتها الشعرية "وثبة الظبي" . وهي أول امرأة تفوز بهذه الجائزة المرموقة، التي تُمنح كل عام لديوان شعري شريطة أن تصدر طبعته الأولى في بريطانيا أو إيرلندا. ويشتمل ديوان "وثبة الظبي" على سلسة من القصائد تصف مشاعر الحزن العميق الذي يرافق الطلاق، ورحلة العودة البطيئة المؤلمة بعده إلى الحياة الطبيعية.

ولدت أولدز في مدينة سان فرانسيسكو في عام 1942. التحقت بجامعة ستانفورد، حيث حصلت على شهادة البكالويوس ثم واصلت دراستها في جامعة كولومبيا، حيث حصلت على درجة الدكتوراة في عام 1972. بدأت كتابة  الشعر بعد حصولها على الدكتوراه. وقد صدر لها أكثر من 10 مجموعات شعرية.

نماذج من شعرها

1.  إخبار أمي

خارج نافذة منزلها، كانت شجرة سرو
تتمايل بترفٍ تحت وطاة الرياح
التي تهب من المحيط الهادي. ولكي أقول
لأمي أن زوجي سيتركني ...
اصطحبتها في نزهة ممسكةً بيدها
النحيلة مثل مخلب عصفور صغير، واشتريت لها
قطعةً من الدونات وشبكةً للشعر وأشبعتها. على شجرة
الماغنوليا العتيقة في الضباب، بدت الأزهار والبراعم كأنها
الأقمار جميعها – البدر والقمر الأحدب والهلال – وقد اجتمعت
في ليلة واحدة. كنت قد تمرّنت على الحديث،
لأطلعها على الحقيقة على مهل،
لأُعِدّها للأمر. وفي اللحظة التي أخبرتها فيها
نظرتْ إليّ وقد أصيبت بالصدمة والفزع.
وصرخَتْ: لكن متى سأراه ثانيةَ؟!
شبكتُ يديَّ بيديها،
ووقفنا بثبات وأنا أمازحها. فوق شجرة التنوب، من بين
الضباب الساحلي، أومضتْ للحظة خاطفة نجمةٌ
ضئيلةٌ رملية جافة. ثمّ
لهُنَيْهةٍ اعترى بدني بأسره إحساسٌ 
بأنني لم أكن أحبّ بصورة كافية – أكاد أرى
الهيئة الطويلة لزوجي
تتمثل طيفاً. لم أعرفه،
لم أفعل شيئاً من أجل ألّا أفقده، وفقدته،
وقلت ذلك لأمي. ويبدو جليّاً من خديّها
المعذّبيْن الممتلئيْن بالحزن ومن عينيها الطفوليتين كأنهما
بحيرة جبلية أنها تحبني. إذاً ذهب الرجال،
وها أنا أعود إلى أمي. كنت دائما أتحسب من أن ذلك ما سوف يحدث،
تصورتُ أنه سيكون رعباً خالصاً،
لكن هذا بيتي، المنزل الذي تمتلكه أمي
وكذلك الحديقة والأرض والزيتون والصفصاف،
الزان ونبتة السحلبية، ومثقلة الورق
المرشوشة بالأوبال، وفي داخلها أذرعُ 
سحابةٍ سديمية تملأُ سماءَها بصراخ خافت.


2.  بدائيان  

لقد سمعت عن المتحضرين،
الزيجات حديث الألسنة، فيها رقيّ وصدق وعقلانية. ولكن أنا وأنت
همجيّان. تأتي حاملاً كيساً،
تمده إليّ في صمت.
أعرف طبق "الشو مو بورك" من رائحته
وأفهم الرسالة: لقد
 جعلتكِ تستمتعين كثيرا الليلة الماضية. نجلس
بهدوء جنبا إلى جنب، لتناول الطعام،
الفطائر الطويلة تتدلى وتسحّ،
والصلصة العَبِقة تتقاطر،
ينظرُ كل منا إلى الآخر شرزاً، ولا نتفوه بكلمة واحدة،
زوايا أعيننا صافية كرؤوس رماح
ملقاة على العتبة لتدل
على أن صديقاً يجلس مع صديقته ها هنا.

3.  الضحايا

حين طلّقتكَ أمّنا شعرنا بالفرح. لكم كابدت
وكابدت بصمت كل تلك السنين، ثمّ
على حين غرّة ركلتك خارجاً، ولكم
أسعد ذلك أطفالَها. ثم طُردتَ، وابتسمنا
في أعماقنا، كما ابتسم الناس حين
أقلعت مروحية نيكسون من الساحة
الجنوبية للبيت الأبيض للمرة الأخيرة. لقد دغدتْنا
مشاعرُ البهجة ونحن نتخيلك وقد خسرتَ وطيفتَك،
سُحبتْ منك سكرتيراتك،
وجبات غدائك ومعها كاسات البوربون الثلاث المزدوجة،
كلُّ ما لديك من أقلام الرصاص ورزمات الورق. هل سيستردون
أيضاً بدْلاتك، تلك الجثث 
القاتمة المعلقة في خزانة ملابسك، وأنوفُ
أحذيتك السوداء بثقوبها الواسعة؟
لقد علمَتْنا أن نصبر، أن نكرهك ونصبر
إلى أن انتصبنا واقفين معها من أجل
القضاء عليك يا أبي، أنا الآن
أمرُّ بالمتشردين في المداخل، وبزّاقات 
أجسادهم البيضاء تلمع من خلال الشقوق
في ملابسهم من الطين المضغوط، وزعانف
أيديهم الملطّخة، والنار القابعة
تحت الماء في عيونهم، كأنما هي سفنٌ قد غرقت
وفوانيسها لم تزل مضاءة، وأتساءل من الذي راح يسحبها 
ويسحبها منهم في صمت إلى أن
تخلّوا عنها بأجمعها ولم يتبقّ لهم
اي شيْ سوى هذه.


ماري هاو: الشقيق الذي قتله الإيدز  


نبذة عن حياتها:
ماري هاو شاعرة أميركية معاصرة تحظى قصائدها بإعجاب الكثيرين، خصوصاً حين تحاول أن تجد في الحياة اليومية إجابات عن أسئلة ميتافيزقية. فهي تحاول من خلال الأحداث والذكريات البسيطة أن تلقي الضوء على طبيعة الروح والنفس الإنسانية وعلى معنى الحياة والموت والحب والألم والأمل واليأس وغير ذلك من المفاهيم.

ولدت هاو في مدينة روتشستر بولاية نيويورك في عام 1950. نالت شهادتها الجامعية الأولى من جامعة وندسور. ثم عملت لفترة قصيرة مراسلة لصحيفة روتشستر، كما عملت في حقل التدريس في ولاية ماساشوستس.

لم تظهر هاو أهتماماً حقيقياً بالشعر حتى بلغت الثلاثين من عمرها. حصلت على شهادة الماجستير  في الفنون الجمبلة في عام 1983. ثم عملت في تدريس الكتابة في كلّ من جامعة تافتس وكلية وارن ويلسون. 

في عام  1989 توفي شقيقها جون إثر إصابته بالإيدز، وقد كرست هاو لرثائه اكثر أعمالها الشعرية شهرةً، وهو ديوانها الذي يحمل عنوان ما يفعله الأحياء (1998).

تعمل هاو حالياً في تدريس الكتابة في كل من جامعة كولومبيا وكلية سارة لورنس وجامعة نيويورك. وتعيش في مدينة نيويورك مع ابنتها.

نماذج من شعرها

1.  المرة الأخيرة

المرة الأخيرة التي تناولنا فيها العشاء معاً في مطعم
طاولاته مغطاة بشراشف بيضاء، انحنى إلى الأمام

وأمسكَ كلتا يديّ بيديه وقال:
سأموت عما قريب. أريدكِ أن تعرفي ذلك.

قلت، أظنني أعرف.
فقال: ما يدهشني هو أنك لا تعرفين.

قلت: بل أعرف. فقال: ماذا؟
قلت: أعرف أنك ستموت.

فقال: لا، أنا أعني أن تعرفي أنك أنت ستموتين.


2.  الوعد

في الحلم الذي حلمته عندما عاد ولم يكن مريضاً
بل متكاملاً، مرتدياً معطفه الشتوي،

نظر إليّ كما لو كان لا يقوى على الكلام، كما لو
كان هنالك قانون يمنع ذلك، غشاءٌ 
لا يقدر أن يمزقه

صمته كان هو ما لم يكن قادراً
على ألا يلزمه، مثلما هو التنفس عندنا في هذه الدنيا،
مثل حياتنا.

مثلما نفعل، في الوقت المناسب.
قلت له: أنني أقرأ كل هذه
الأشياء البوذية،

اسمعْ، نحن لا نموت حين نموت. الموت هو
حدث،
عتبةٌ نمر عبرَها. نمضي ونمضي ونَلِجُ

النورَ إلى الأبد.
أطْرَقَ، ثم عاد ونظر إليّ.
كانت هي تلك النظرة التي نُمررها

عبر الطاولة حين يكون والدنا مخموراً
وخطِراً،
النظرةُ الثابتة التي تود أن تقول لك شيئا،

في غرفة مزدحمة، شيئاً ذا أهمية،
ولا تستطيع أن تفعل ذلك


3.  دعاء

أريد أن أتحدث معك كل يوم. وكل يوم يسترعي اهتمامي
شيء أكثر أهمية – الصيدلية، مواد التجميل، الأمتعة

التي أحتاج إلى شرائها استعداداً للرحلة.
حتى في هذه اللحظة لا أكاد أستطيع الجلوس هنا

بين أكوام الورق والملابس المتساقطة، بينما عربة جمع النفايات في الخارج
تصدر زعيقاً وضجيجا.

يقول المتصوفة إنك قريب مني كأنفاسي. 
فلماذا أفر منك؟

أيامي ولياليّ تنصب من خلالي كالشكاوى
وتصبح قصة نسيت أن أحكيها.

ساعدني. فحتى وأنا أكتب هذه الكلمات، فإنني أنوي
أن أقوم عن الكرسي بمجرد أن أنهي هذه الجملة.


4.  مراراً وتكراراً

مهما حاولت وكررت المحاولة فليس بوسعي أن أمنع والدي
من أن يسير مقتحماً غرفة شقيقتي
ولا يمكنني أن أرى بصورة أفضل، وأنا أميل لأنظر من هنا
إلى عينيه. الممر غارق في الظلام
والجميع نائمون. هذا هو الماضي
حيث أصبح كل شيء منتهياً ولا يمكن لشيء أن يتغير، 
حيث يسقط كأس الماء على أرض الحمام
ويرتد إلى الأعلى قبل أن يتحطم.
لا شيء. ولا حتى الصوت الذي تصدره شقيقتي الصغيرة وهي
تتقلب، ولا الضربة القوية التي يُسدّدها الكلب بذيله
حين يفتح إحدى عينيه ليراه يسير متعثراً عائداً إلى فراشه
وهو ما يزال في حالة سكر، وقد اعتراه شيء من الذهول.
هذا تماما ما كنت أعرف أنه سيحدث.
وإذا همست باسمها تحذيرا،
وقد دأبت على ذلك لسنواتٍ عديدة حتى اليوم، وما يزال الكلب
يجفل ويزمجر إلى أن يرى
أنه والدنا، وما يزال الباب يُفتح، وما تزال هي
تُصدر تلك الآهةَ الواهنة وهي تتقلب. 



نشرت هذه المقالة في صيف عام 2013 في العدد 13 من مجلة الروزنة التي تصدر عن اتحاد المرأة الأردنية
التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.